قانون الحب

”الكلمات الجميلة والدعوات الصادقة … أشياء بسيطة تزيد الحياة حبًّا وفرحًا وسلامًا“ (عبارة مأثورة)

 

+ «فَإِنْ كَانَ وَعْظٌ مَا فِي الْمَسِيحِ. إِنْ كَانَتْ تَسْلِيَةٌ مَا لِلْمَحَبَّةِ. إِنْ كَانَتْ شَرِكَةٌ مَا فِي الرُّوحِ. إِنْ كَانَتْ أَحْشَاءٌ وَرَأْفَةٌ. فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْرًا وَاحِدًا وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئًا وَاحِدًا» (رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي 2: 1، 2).

إن كلمة قانون تعود في أصلها اليوناني إلى الأداة التي تمكِّن الكرمة من التسلُّق إلى أعلى فتصير أكثر إثمارًا وإنتاجية. بمعنى آخر أن كلمة قانون تعني ”فن تنظيم الحياة“ من خلال ثوابت تتسلَّق عليها حياتنا لتنمو وتثبت في المسيح وتصير فيه أكثر إثمارًا وأوفر أفراحًا.

ولكي نفهم قانون الحب يجب علينا أولًا أن نعرف احتياجات الإنسان الأساسية والتي تشكِّل معالم وجوده اليومي في أي زمان وأي مكان فأي شخص منا، مهما كان وضعه وسنه وعمله ومنصبه ودراسته وتكوينه، له احتياجات أساسية أربعة هي:

الاحتياجات الجسدية تتلخَّص في: الأكل والشرب والملبس والنوم، وأحيانًا تسمى بالاحتياجات البيولوجية فكلمة ”بيو“ باللغة اليونانية تعني ”حياة“.

أمَّا الاحتياجات النفسية: فهي الاحتياج إلى التقدير والحنان، والأمان والحرية، وأيضًا يحتاج الإنسان إلى الحب، وهذه الاحتياجات تبدأ منذ بداية ولادة الطفل وتنمو وتتغيَّر بنمو الإنسان.

وبالنسبة للاحتياجات العقلية، فهي الاحتياج إلى تغذية العقل بالقراءة والاطلاع والمعرفة والدراسة والبحث …

أمَّا الاحتياجات الروحية فهي الاحتياج المطلق إلى الله، والاحتياج إلى الغفران، أي احتياج الإنسان لعمل الله في حياته، ومعيَّة الله في كل أعماله.

ويُعَدُّ الاحتياج النفسي أحد أهم هذه الاحتياجات، وهو يتلخَّص في الاحتياج للحب، فيصير الحب هو مفتاح القلوب، فمتى شعر الإنسان بمحبة الآخرين سيتقبَّل منهم أي شيء بحب واهتمام.

لذلك عندما تعامل الله معنا نحن البشر، تعامل معنا من منطلق الحب كما يقول الكتاب: «لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ» (يو 3: 16).

لقد خلقنا الله مختلفين ومُتَفَرِّدين لكن هدفنا في النهاية واحد وهو الاتحاد بالمسيح وتحرير قلوبنا من أي شيء يفصل ما بيننا وبين أن يحيا المسيح فينا. وعلى سبيل المثال نقرأ في التاريخ المسيحي كيف بدأت الحياة الرهبانية في براري مصر وصارت في جماعات لها قانون ينظِّم حياتهم اليومية في الصلاة والقراءة والعمل وكان القديس الأنبا باخوميوس المعروف بأب الشركة (290 – 345م) هو واضع أول نظام قانوني للحياة الديرية وهو الذي يقدِّم الصورة المثالية للحياة المسيحية والتي منها نأخذ الاختبارات والخبرات الروحية التي تفيدنا في أن نعيش قانون الحب ونمارسه في حياتنا اليومية من خلال كافة الوسائط الروحية المتاحة أمامنا كتابيًّا وكنسيًّا وتقويًّا.

ويمتد قانون الحب من الإنسان الفرد في حياته إلى مَنْ يعيش معهم في مجتمعه من خلال ثلاثة أشكال للتواصل مع الآخرين:

الشكل الفردي: أي افتقاد الآخرين سواء في المنزل أو في الكنيسة والسؤال عنهم وإظهار اهتمام الحب لهم في ”جلسة الحب“ أو مكالمة أو مجاملة وغير ذلك.

والشكل الآخر هو الشكل الاجتماعي: من خلال الاجتماعات المنزلية (أفراد الأسرة الواحدة) أو الأسرية (تشكل أكثر من أسرة) أو الكنسية (المتنوعة في كل كنيسة) وهي لقاءات محبة لتشجيع بعضنا البعض وشحذ الهمم الروحية والتي ينطبق عليها قول المسيح: «لَا تَخَفْ أَيُّهَا الْقَطِيعُ الصَّغِيرُ، لأَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ سُرَّ أَنْ يُعْطِيَكُمُ الْمَلَكُوتَ» (لو 12: 32).

كما أن هناك شكلًا اجتماعيًّا آخر يشمل الأنشطة الكنسية المتعددة والتي يسميها الكتاب: «إِنْ كَانَتْ تَسْلِيَةٌ مَا لِلْمَحَبَّةِ» (في 2: 1). وهي تعمل على سد الفراغ النفسي والوجداني في شخصية الإنسان باعتباره كائنًا اجتماعيًّا يحتاج الترفيه الإيجابي لكي تتكامل صحته النفسية بكل مقوِّماتها.

وانطلاقًا من تطبيقات قانون الحب يجب أن يعرف الإنسان كيف يتفاعل مع أخيه الإنسان ويحيا معه من خلال أربعة مبادئ أساسية:

أوَّلها مبدأ القبول:

الإنسان المسيحي يقبل الجميع، ولا يكون له جماعة خاصة به، فقلبه مفتوح للجميع.

المبدأ الثاني هو مبدأ التفاهم أو الاتصال:

بمعنى أنك تستطيع أن تصل إلى الآخر من خلال اتساع القلب والعقل.

المبدأ الثالث هو المبادرة:

فالذي يبادر بالحديث هو الذي يبادر بكسر الحواجز بينه وبين الآخرين، وبذلك يفتح قنوات عديدة للحديث والتفاعل والحب.

المبدأ الرابع هو التشجيع:

والتشجيع هو إحدى الوسائل الأساسية في التفاعل الإنساني مثل الحب تمامًا، وهو أيضًا أحد الأسباب الرئيسية لنجاح التفاعل مع الآخرين.

والآن أود أن أحدثك عن ثلاثة مهارات أساسية في قانون الحب:

1 – المهارة الأولى: هي مهارة الحوار والمناقشة، والسؤال والجواب، بمعنى مهارة الكلام وترتيبه. وتوجد لغتان للكلام: لغة لفظية، ولغة جسدية، أي بدون ألفاظ!

الإنسان يتأثر باللغة اللفظية بنسبة 40٪، أمَّا اللغة الجسدية، فيتأثر بها بنسة 60٪، وهذه اللغة تشمل: نظرات العين، وطريقة الجلوس وغيرها من الحركات والأوضاع التي نعتمد عليها في حديثنا.

مهارة الحوار أيضًا يدخل بها فترات الصمت، بمعنى أنه أثناء حديثك مع شخص آخر، قد يكون هناك فترة صمت لمدة ثوان، فإذا قام الشخص الآخر بالبكاء مثلًا، حاول أن تقدِّر سبب بكائه وحساسية مشاعره.

أيضًا نبرات الصوت لها عامل هام، فإذا أردت أن تعطي اهتمامًا في الحديث، وتُشعِر مَنْ أمامك بأهميته عندك، يجب أن تخفِّض نبرة صوتك وكأنك تهمس في أذنه، وهذا يُعطي نوعًا من الخصوصية للآخر، وكأنك تُعطيه رسالة خاصة، وأنه قريب إليك جدًّا وأن هذه الرسالة لا تريد أن يسمعها أحد غيره، وأنصحك أن تصلِّي في قلبك أثناء حديثك مع الآخر، فصلِّي قائلًا: ”يا رب أرشدني وعلِّمني ماذا أقول، اكشف لي يا رب ما يجب أن أتحدَّث به“.

  1. المهارة الثانية: هي مهارة الاستماع الإيجابي والإنصات الكياني … فاسمع بابتسامة وأَظهِر الاهتمام والتعبير ببعض الكلمات البسيطة، مثل شاطر، أو ماذا فعلت بعد ذلك؟ … وهكذا من كلمات تُبرِز مدى الاهتمام.

كذلك الاهتمام بلغة الجسد فهي تنقل العديد من الرسائل أبلغ وأقوى من الكلمات.

وعلى قدر استطاعتك، عليك أن تضع الإنجيل بينك وبين مَنْ تُحدِّثه بالأخص في المقابلات، ويمكنك أن تستعين به في حديثك، فروح الله يستطيع أن يرشد الإنسان، ويعطيه حكمة في الموضوع الذي يتحدَّث فيه.

  1. المهارة الثالثة: وهي مهارة القراءة والثقافة والاطلاع، فالقراءة توسِّع مدارك الإنسان وتنميها، مثل علم النفس أو علم الشخصيات، أو كيفية مواجهة المواقف والأزمات، ويقول أحد الآباء: ما أمتع السهر على صفحات كتاب.

أخيرًا يا عزيزي أودُّ أن أهمس في أذنك، أن اللمسات الشخصية التي تُقدِّمها للآخرين تصنع فارقًا كبيرًا في كيفية مواجهتهم للمواقف. وتذكَّر أن «رابح النفوس حكيم» (أم 11: 30). الذي هو أساس قانون الحب.

البابا تواضروس الثاني

نُشر حديثًا

قداسة البابا

قانون الحب

إن كلمة قانون تعود في أصلها اليوناني إلى الأداة التي تمكِّن الكرمة من التسلُّق إلى أعلى فتصير أكثر إثمارًا وإنتاجية. بمعنى آخر أن كلمة قانون تعني ”فن تنظيم الحياة“ من خلال ثوابت تتسلَّق عليها حياتنا لتنمو وتثبت في المسيح وتصير فيه أكثر إثمارًا وأوفر أفراحًا.

اقرأ المزيد...
آخر أخبار الدير

مُلتقى ”إبيفاني ‏Epiphany‏“‏ تخليدًا لذكرى أنبا إبيفانيوس ‏ أسقف ورئيس دير أنبا مقار

نظَّمت مدرسة الإسكندرية أولَ مُلتقًى دراسيٍّ مخصَّصٍ للذكرى ‏السنوية لنياحة نيافة أنبا إبيفانيوس أسقف ورئيس دير أنبا مقار، باسم “إبيفاني ‏Epiphany”، وذلك يوم 29 يوليو 2022. وحضر هذا اليوم الدراسي تسعة من ‏المتحدثين وحوالي سبعين مستمعًا معظمهم من تلاميذ ومحبي الأنبا إبيفانيوس الذين ‏جاءوا خصِّيصًا لتخليد ذكراه. وقد اشترك دير أنبا مقار أيضًا بإرسال راهبين حضرا جلسات ‏المُلتقى الدراسي. ‏

اقرأ المزيد...

تبرع لمساندة أنشطة الدير ونشكر أي مساهمة منكم مهما كانت صغيرة.

ويمكنكم التبرع لمشروع إخوة الرب وهو مشروع لمعونة الأيتام والفقراء (مشروع الملاك ميخائيل) أسسه الأب متى المسكين ويعوله دير القديس أنبا مقار.

Donate to support the Monastery’s activities or for the “Archangel Michael Coptic Care” program which helps orphans and needy people in Egypt.
FOR US CITIZENS
“Archangel Michael Coptic Care” has been registered in the USA to serve and help the poor of Egypt in a significant way. Our Tax ID # is: 43-1957120. Your contribution is all TAX DEDUCTIBLE. You will receive a yearly report of your contribution for your tax record. Please write the check to: Archangel Michael Coptic Care. Mail your check to: P.O. Box # 1574, Centreville, VA 20122, USA or donate with credit card or Paypal.