كمثلِ مجروحٍ اصرخْ دائمًا إلى الرَّب (القديس مكاريوس الكبير)

8 – وبالنِّهاية فإنَّ ما تمتـزج به النَّفس، تتَّحدُّ معه أيضًا في مشيئاتها، فإمَّا أن تكون مقتنيةً بالحقّ نورَ الله في داخلها وفيه تحيا في كلِّ فضيلة، فتكون من خاصَّة النُّور والراحة؛ أو تكون مقتنيةً ظلمةَ الخطيئة، فتَلْقَى الدَّينونة. وهكذا فإنَّ النَّفس الَّتي تريد أن تحيا عند الله، في راحةٍ ونورٍ أبديّ، ينبغي لها – كما قلنا آنفًا – أن تأتِيَ إلى المسيح رئيس الكهنة الحقيقيّ، وتُذبح وتموت عن العالم وعن حياتها السَّالفة، حياةِ الظُّلمة والشَّرّ، وتنتقل إلى حياة أخرى وإلى سيرة إلهيَّة. فكما أنَّه حينما يموت إنسانٌ في مدينةٍ ما لا يعود يَسمع صوتَ أولئك الَّذين فيها ولا كلامهم ولا ضوضاءهم، بل لقد مات مرَّةً وإلى الأبد وانتقل إلى موضع آخر حيث ليس أصواتٌ أو صراخٌ من تلك المدينة؛ هكذا النَّفس أيضًا حينما تُذبح وتموت في مدينة شرّ الأهواء، الَّتي كانت تقيم فيها وتحيا، فإنَّها لا تعود تَسمع صوتَ أفكار الظُّلمة ولا يعود يُسمَع في داخلها كلامُ الفكر الباطل وصراخُه ولا اضطراب أرواح الظُّلمة، بل إنَّها تنتقل إلى مدينةٍ ممتلئةٍ صلاحًا وسلامًا، مدينةِ نور اللَّاهوتيَّة، وهناك تحيا وتسمع، وهناك تستوطن وتتكلَّم وتفكِّر، وهناك تعمل أعمالًا روحانيَّةً لائقةً بالله.

9 – فلنتضرَّع إذًا نحن أيضًا أن نُذبَح بواسطة قدرته، ونموت عن عالم الشَّرّ الَّذي للظُّلمة، وأنْ يُقتَل روحُ الخطيئة فينا، ونلبس وننال الرُّوح السَّماويّ، وننتقل من شرِّ الظُّلمة إلى نور المسيح، ونستريح في الحياة إلى مدى الدَّهر. فكما أنَّه حينما تتسابق مركبتان في ميدانٍ والَّتي تتقدَّم تعوق الأخرى وتمنعها وتُوقفها حتَّى لا تسبقها وتتقدَّمها إلى الغلَبة؛ هكذا أفكار النَّفس وأفكار الخطيئة، فإنَّها تتسابق في الإنسان، فإنْ حدث وسَبَقَ فكرُ الخطيئة، فإنَّه يعوق النَّفسَ ويمنعها ويحجزها ويُوقفها حتَّى لا تدنُوَ إلى الله فتتغلَّب على الخطيئة. ولكن حالما يصعد الرَّبُّ نفسُه ويُمسِك بزمام النَّفس، فإنَّه أبدًا يغلب إذ يكون ماسكًا بزمام مركبة النَّفس ومرشدًا لها في الطَّريق بحكمةٍ نحو المشيئة السَّماويّة الإلهيّة كلَّ حين، لأنَّه لا يحارب ضدَّ الشَّرّ، بل – إذ له القدرة والسُّلطان – ينتصر على الدَّوام.

وهكذا فإنَّ الشَّاروبيم لا يُحمَلون إلى حيثُ يريدون هم أن يذهبوا، بل إلى حيثُ يقودهم الرَّاكبُ عليهم والماسكُ بزمامهم؛ فحيثما يشاء هو، فهناك يذهبون وهو يحملهم، لأنَّه يقول: «وَكانَتْ يَدُ إِنْسانٍ تَحْتَهُمْ» (حز 10: 21، 8)؛ كذلك أيضًا النُّفوس المقدَّسة، فإنَّ قائدها هو روح المسيح، وهو يُمسِك بزمامها ويرشدها في الطَّريق حيث يشاء، فمتى شاء: في أفكار سماويَّة، ومتى شاء: في الجسد، فأينما هو يشاء، فإنَّها تخدمه هناك. فكما أنَّ جَناحَي الطَّائر هما بمثابة قدمَين له، هكذا النُّور السَّماويّ الَّذي للرُّوح القدس يَرفع أجنحةَ أفكار النُّفوس المستحِقَّة، ويرشدها في الطَّريق ويقودها كما يرى هو.

10 – فأنتَ إذًا حين تسمع هذه الأمور، انتبه لذاتك إنْ كنتَ قد نِلتَها بالفعل والحقّ في نفسك، لأنَّها ليست كلماتٍ تُقال ببساطة، ولكنَّها عملُ الحقّ الصَّائر في نفسك. فإنْ لم تكن قد اقتنيتَها بعد بل أنت مفتقرٌ إلى مثل هذه الخيرات الرُّوحية العظيمة، فينبغي أن يكون لك حزنٌ ونَوْحٌ ووجعٌ بلا انقطاع كمثل من لم يزل مائتًا عن الملكوت؛ وكمثلِ مجروحٍ اصرخْ دائمًا إلى الرَّبّ واطلبْ بإيمان حتَّى تُؤهَّل أنت أيضًا لهذه الحياة الحقيقيّة. فكما أنَّ الله لـمَّا صنع هذا الجسد لم يعطِهِ أنَّه من طبعه الخاصّ ومن ذاته يحيا ويغتذي ويشرب ويلبس ويحتذي، بل جعلَ كلَّ تدبير حياته من خارجه، إذ قد صنع الجسد عريانًا في ذاته، وبدون هذه الأمور الَّتي من خارجه، أي بدون الغذاء والشَّرّاب واللِّباس، لا يستطيع أن يحيا، بل إن كان الجسد يلبث وحدَه بطبيعته فقط ولا يَقبل شيئًا من خارجه فإنَّه يَفسد وينحلّ؛ على نفس المنوال النَّفس أيضًا، فرغم خلقتها على صورة الله، إلَّا أنَّها لا تَملك النُّورَ الإلهيّ، لأنَّه هكذا قد دبَّر الله لها وسُرَّ بأن تنال الحياة الأبديّة، لكنْ ليس من طبيعتها الخاصَّة؛ بل من لاهوته هو ومن روحه ومن نوره الخاصّ تنال طعامًا وشرابًا روحانيًّا ولباسًا سماويًّا – الأمور الَّتي هي حياة النَّفس بالحقيقة.

11 – فكما أنَّ حياة الجسد – كما سبق وقلنا – لا تكون من ذاته بل من خارجه أي من الأرض، وبدون الأشياء الخارجة عنه لا يستطيع هذا الجسد أن يحيا؛ كذلك النَّفس أيضًا بدون أن تولدَ منذ الآن لأرض الأحياء تلك([1])، وتغتذِيَ روحيًّا من هناك، وتَنْمُوَ وتتقدَّمَ في الرَّبّ، وتكتسِيَ من اللَّاهوت بثياب البهاء السَّماويّ الَّتي تفوق الوصف – بدون ذلك الغذاء لا تستطيع النَّفس أن تحيا في تمتُّع وراحة بغير فساد. ذلك لأنَّ الطَّبيعة الإلهيّة هي خبزُ الحياة، ذاك القائل: «أَنا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ» (يو 6: 35)، وأيضًا: «الْمَاءُ الْحَيُّ» (يو 4: 10)، وأيضًا: «الخَمْرُ الَّتِي تُفَرِّحُ قَلْبَ الإِنْسَانِ» (مز 104: 15)، وأيضًا: «زَيْتُ البَهْجَةِ» (مز 45: 7)، وغذاءُ الرُّوح السَّماويّ المتعدِّد الأنواع، وثيابُ النُّور السَّماويّة الآتية من الله، ففي جميع هذه تكمن الحياة الأبديّة للنَّفس. فالويل للجسد إذا اكتفى بطبيعته وحدها لأنَّه يَفسد ويموت، والويل كذلك للنَّفس إنْ هي اكتفت بطبيعتها وحدها، واتَّكلت على أعمالها فقط، ولم تقتنِ شَرِكَة الرُّوح القدس([2])، فسوف تموت لأنَّها لم تُحسَب أهلًا لحياة اللَّاهوت الأبديّة. فكما أنَّه في حالة الـمَرْضَى حين لا يعود الجسد قادرًا على تقبُّل الطعام، فإنَّهم ييأسون منهم ويبكيهم جميعُ أصدقائهم الأوفياء وأقرباؤهم ومحبُّوهم؛ هكذا أيضًا يبكي الله وملائكتُه القدِّيسون النُّفوسَ الَّتي لا تغتذي بالطَّعام السَّماويّ الَّذي للرُّوح القدس والَّتي لا تحيا في عدم فساد([3]). مرَّة أخرى أيضًا أقول إنّ هذه الأمور ليست هي كلماتٍ جوفاء تُقال، ولكنَّها فِعْلُ الحياة الرُّوحانيَّة، وفِعْلُ الحقّ الصائرُ في النَّفس المستحقَّة الأمينة.

عن العظة الاولى من “عظات أنبا مقار الكبير”
إعداد وترجمة عن اليونانية للراهب يونان المقاري


([1]) انظر: مز 27: 13.

([2]) انظر: 2كو 13: 14؛ في 2: 1.

([3]) هذا التَّعليم بخصوص حزن الله وقدِّيسيه وبكائهم على النُّفوس الضَّالّة يُكرّره أنبا مقار في العظة 15: 2، كما نجده أيضًا في رسائل ق. أنطونيوس (5: 1؛ 6: 4)، وهو يشبه الكلام عن ندم الله وتأسُّفه الَّذي ورد في الكتاب المقدَّس.

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

نُشر حديثًا

قداسة البابا

فيض الحب

الإنسان بحاجة إلى أن يعطي إذ يحقِّق هذا وجوده وكيانه ويُشعره بقيمته وآدميته، وهذا الشعور هو إحدى مكونات الشخصية الناجحة، حتى أن علماء النفس كثيرًا ما يذكرون أن العطاء مصحوب براحة قلبية.

اقرأ المزيد...
آخر أخبار الدير

نفسٌ كلها نور كلها وجه كلها عين

فقد كان النَّبيُّ يرى سرَّ النَّفس المزمعة أن تَقْبَلَ ربَّها وتغدُوَ عرشَ مجدٍ له. ذلك أنَّ النَّفس الَّتي حُسِبَتْ أهلًا لشَرِكَة روح نور الرَّبّ واستُنيرت ببهاء مجده غَير الموصوف، والَّتي أعدَّها هو لتصير له عرشًا ومنـزلًا، تلك النَّفس تصبح كلُّها نورًا وكلُّها وجهًا وكلُّها عينًا.

اقرأ المزيد...

تبرع لمساندة أنشطة الدير ونشكر أي مساهمة منكم مهما كانت صغيرة.

ويمكنكم التبرع لمشروع إخوة الرب وهو مشروع لمعونة الأيتام والفقراء (مشروع الملاك ميخائيل) أسسه الأب متى المسكين ويعوله دير القديس أنبا مقار.

Donate to support the Monastery’s activities or for the “Archangel Michael Coptic Care” program which helps orphans and needy people in Egypt.
FOR US CITIZENS
“Archangel Michael Coptic Care” has been registered in the USA to serve and help the poor of Egypt in a significant way. Our Tax ID # is: 43-1957120. Your contribution is all TAX DEDUCTIBLE. You will receive a yearly report of your contribution for your tax record. Please write the check to: Archangel Michael Coptic Care. Mail your check to: P.O. Box # 1574, Centreville, VA 20122, USA or donate with credit card or Paypal.