الصوم وصيانة جهازنا الروحي

نقرأ فصلًا من إنجيل معلِّمنا متى البشير (ص 13: 1 – 9):

+ «فِي ذلِكَ الْيَوْمِ خَرَجَ يَسُوعُ مِنَ الْبَيْتِ وَجَلَسَ عِنْدَ الْبَحْرِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى إِنَّهُ دَخَلَ السَّفِينَةَ وَجَلَسَ. وَالْجَمْعُ كُلُّهُ وَقَفَ عَلَى الشَّاطِيءِ. فَكَلَّمَهُمْ كَثِيرًا بَأَمْثَالٍ قَائِلًا: ”هُوَ ذَا الزَّارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَعَ، وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ، فَجَاءَتِ الطُّيُورُ وَأَكَلَتْهُ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهُ تُرْبَةٌ كَثِيرَةٌ، فَنَبَتَ حَالًا إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُمْقُ أَرْضٍ. وَلكِنْ لَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ احْتَرَقَ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ جَفَّ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الشَّوْكِ، فَطَلَعَ الشَّوْكُ وَخَنَقَهُ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَرًا، بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلَاثِينَ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ“».

هذا الفصل من الإنجيل تتكرَّر قراءته في الأحد الأوَّل والأحد الثاني من شهر هاتور الذي يبدأ صوم الميلاد في منتصفه، وسنركِّز على آية واحدة هامة فيه، وهي آية: «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ».

من الأشياء الهامة في مسيرة حياتنا الروحيَّة، ما نسمِّيه بالجهاز الروحي في الإنسان، فالله عندما خلق الإنسان، خلق له مجموعة من الأجهزة الجسديَّة المتناسقة لكي تعمل بتناغم معًا، وأهم هذه الأجهزة الجسديَّة: الجهاز الهضمي، والجهاز التنفُّسي، والجهاز العصبي وغيرها. كذلك أيضًا يوجد بالإنسان جهازٌ نفسِيٌّ يلزم أن يعمل بتناغم ليكون الإنسان كائنًا سويًّا، حتى إنَّ أيَّ خللٍ أو عدم توافق في عمل الجهاز النفسي للإنسان، يُصَيِّره مُعتَلًّا نفسيًّا.

وهناك أيضًا جهاز روحي يقود الإنسان، وهذا الجهاز يتمثَّل في: الأذُن، والعَيْن، والفم، والقلب. والثلاثة أعضاء الأوائل في هذا الجهاز تتواجد في رأس الإنسان، ويصبُّون جميعهم في القلب. ويقول الآباء، إنَّه كما أنَّ للإنسان أُذنًا خارجية، فإنه يوجد للقلب أذُنٌ داخلية، وكما أنَّ للإنسان عينًا خارجية، هكذا للقلب عينٌ داخلية، وبالمثلِ، كما أن للإنسان فمًا خارجيًّا، كذلك يوجد للقلب فمٌ داخلي، فالقلب هو مركز التجمُّعِ لهذه الأجهزة الروحية وهو المسؤول عن إداراتها.

والشيء الجميل هنا، أن كنيستنا المجيدة تعلِّمنا عبر تاريخها وبأصوامها أمرًا هامًّا؛ فقد وضعت لنا مجموعة من الأصوام: أربعة أصوام كبيرة هي: صوم الميلاد، والصوم الكبير، وصوم الآباء الرسل، وصوم السيِّدة العذراء، وكذلك أربعة أصوام صغيرة وهي: الأربعاء والجمعة وصوم البرامون وصوم نينوى. والأمر الرائع في هذا أن فلسفة الكنيسة من ترتيب هذه الأصوام – خاصة الكبيرة – هو في إنها فرصة جادَّة وحقيقية لإصلاح وتجديد وصيانة أعضاء الجهاز الروحي للإنسان؛ والكنيسة تُخصِّص كلَّ صوم من هذه الأصوام الأربعة لمخاطبة عضوٍ معيَّن من أعضاء الجهاز الروحي الأربعة.

والآن، لنبدأ معًا رحلتنا مع الصوم من أجل صيانة أعضاء جهازنا الروحي:

صوم الميلاد:

الكنيسة بحكمة بالغة تُخَصِّص صوم الميلاد البتولي من أجل إصلاح وتجديد الأذن الروحية وتنشيطها، ودليلنا على ذلك أنَّها ترتِّب لنا قراءات الأحد الأول والثاني من هاتور – قبل بدء الصوم مباشرة – لتحدِّثنا في فصول الإنجيل الخاص بهما عن مَثَل الزارع والزرع، والذي فيه تنتهي قراءة المَثَل بالعبارة الشهيرة: «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ» (مت 13: 43، لو 8: 8). فالكنيسة تسأل كُلًّا منَّا وتنبِّهه: هل أذُنك تسمع؟ وهل تطيع ما تسمعه؟ هل أُذنك تُميِّز صوت الله في مخدعك أو قلايتك أو حياتك؟ هل تفهم وتستوعب رسائل الله لك وتطيعها؟ أم أنَّك تسمع وسرعان ما تنسى أو تتناسى؟ أو ربما لا تسمع قط؟ أو إنك بعدما سمعت مضيت حزينًا ولم تعمل شيئًا؟ (مت 19: 22).

ولعلَّ من أشهر العبارات الرهبانيَّة عند الآباء قولهم: ”على ابن الطاعة تحلُّ البَركة“، والطاعة هي بالسمع (الأُذن الروحية)، وهي مدخل الحياة الروحيَّة. فإن كانت أُذن الإنسان مريضة فلا قيمة ولا جدوى لما بعد ذلك.

ثمَّ تأتي قراءات الأحد الثالث من هاتور (الأحد الأول في صوم الميلاد) تكرارًا للوصية «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ» (لو 14: 35)، وفي آخر آحاد شهر هاتور تُقدِّم لنا الكنيسة الحكيمة إنجيل الشاب الغني، ذلك الشاب المهذَّب واللطيف الذي تقدَّم إلى الربِّ يسوع، وسَجَدَ له بكلِّ وقار، وسأله سؤالًا كبيرًا على شابٍّ في مثلِ سنه: «مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟» (مر 10: 17)، ويا له من سؤالٍ ينمُّ عن شخصٍ مهتم بخلاصه! يدعونا أن نفرح به. ثمَّ بدأ يسوع يسأله إن كان قد حفظ الوصايا؟ فأجابه بأنَّه حفظها كلها منذ حداثته، وكان هذا أيضًا أمرًا جيِّدًا. حينئذٍ لمس الربُّ موضع أوجاعه، فقال له: «يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ. اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلًا الصَّلِيبَ». فيقول عنه الكتاب: «مَضَى حَزِينًا، لأَنَّه كَانَ ذَا أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ» (مر 10: 21، 22)، ولذلك يسمِّي البعض هذا الشاب ”بالشاب الحزين“ عوضًا عن ”الشاب الغني“. لقد مضى حزينًا لأنَّه لم يستطع أن يسمع، إذ كان ما سمعه غير موافقٍ لرغباته أو طموحاته. وهكذا البعض منَّا، لا يمكنهم أن يسمعوا ما ليس على هواهم، ولا يستجيبون للدعوة إن كانت لا تُلبِّي شهواتهم وتُحقِّق طموحاتهم، بل يسدُّون آذانهم فلا تسمع ما لا يعجبهم. وهناك الكثيرون الذين يستمعون لحديثك الطويل معهم، ولكن لا يتذكَّرون منه سوى كلمتين فقط يسمعونهما، إمَّا لكي يحاسبوك عليهما، أو ليستغلوها، تاركين باقي الكلام الجيِّد لأنه لا يعنيهم، أو لا يعجبهم، فالسمع عندهم سمعٌ انتقائي selective listening. لهذا كان هذا الصوم مخصَّصًا لإصلاح الأُذن وإعادة الحساسية الروحية لها، لتصير أُذُنًا سامعة صحيحة.

بعد ذلك يأتي شهر كيهك بقراءاته المفرِحة، فالكنيسة بعدما أعطتنا مثالًا للأذن المريضة وغير المستَمِعة، تُقدِّم لنا مثالًا رائعًا للأُذن المستمعة والمطيعة في شخص أُمِّنا القديسة العذراء مريم. فالفضيلة الأولى والعظمى للسيِّدة العذراء، بجانب قداستها وطهارتها وكونها والدة الإله وغيرها من الفضائل والصفات الرائعة – هي أنها امتلكت أُذنًا جيِّدة، فقد استطاعت أن تسمع جيِّدًا، وأن تطيع جيِّدًا، حينئذٍ قالت: «هُوذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ» (لو 1: 38)، وذلك رغم كَوْن الرسالة المُرسَلة لها أمرًا خطيرًا بالنسبة لفتاة صغيرة في مثل عمرها. وتظل الكنيسة طوال شهر كيهك تُطوِّب أُمَّنا العذراء، لا لسببٍ سوى لأنَّها امتلكت الأُذُن الجيِّدة. تُرى يا أخي الحبيب، هل أُذنك تسمع كلمة الله بطريقة صحيحة؟ هل تسمع الوصيَّة جيِّدًا؟ هل تنصت للإرشاد الروحي جيِّدًا؟ هل في صمتك وخلوتك تقول «تَكَلَّمْ يَا رَبُّ لأَنَّ عَبْدَكَ سَامِعٌ» (1صم 3: 10)؟ احذر أن تكون أُذنك متعطِّلة عن السمع أو مريضة، أو أنها تسمع ما يروق لها فقط؟ أو أنها لا تسمع إطلاقًا! لذلك تهتمُّ الكنيسة بأن تجعل صوم الميلاد كلَّه مخصَّصًا لهذا الأمر – إصلاح الأذن الروحية – وتُقدِّم الكنيسة على مدى شهر كيهك كلِّه، التسابيح الروحيَّة الجميلة للسيِّدة العذراء، صاحبة الأُذُن المفتوحة.

بَقِىَ ملحقٌ صغير هنا، وهو أنَّنا بعد صوم الميلاد نعبر على أعياد الظهور الإلهي كلها حتى نصل إلى صوم نينوى، وهذا الصوم أيضًا قائمٌ على الأُذُن، فهو يختص بإنسانٍ (يونان) قاوم صوت الله ودعوته للكرازة لأهل نينوى، ولاقته تجارب شديدة بسبب ذلك، وبعدما نجَّاه الله منها، عاد ليسمع ويذهب مُتضرِّرًا، ولكنَّ الله أراه كيف أنَّه عفا عن المدينة بأسرها من أجل سماعهم الجيِّد لصوت الله فهبُّوا للتوبة ونالوا المغفرة والنجاة.

وهكذا نرى أنَّ صوم الميلاد قد جعلته الكنيسة فرصة لنا لإصلاح أُذُننا الداخليَّة وتجديدها. فالأذن هي العضو الأوَّل في الجهاز الروحي الذي يبدأ به الإنسان مسيرته الروحيَّة. وفي التدبير الرهباني والحياة الرهبانيَّة تعتمد المسيرة على قاعدة هامة، وهي التسليم الأبوي، من الأب أو الشيخ إلى تلميذه، وهذا الأمر لا يتم إلَّا من خلال التعليم المنطوق من الأب، والأُذن السامعة والمطيعة للابن. وطوبى لمن يملك الأُذُن الجيِّدة القادرة على السمع والطاعة والعمل.

الصوم الكبير:

هذا الصوم خصَّصته الكنيسة من أجل إصلاح عَيْن الإنسان وصيانتها، وتجديد نظرته الداخليَّة. ففي أحد الرفاع نقرأ من الأصحاح السادس لإنجيل متى الرسول، الآيات من (1- 18)، ثمَّ نكمِّل الفصل السادس في الأحد التالي له؛ أي في الأحد الأوَّل من الصوم، وفي هذا الجزء يُكلِّمنا الربُّ يسوع عن العَين البسيطة والعَين الشريرة فيقول: «سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا» (مت 6: 23،22). فهناك عينٌ شهوانيَّة، وعينٌ ناقدة، وعينٌ حاسدة، وعينٌ ذات نظرة معكوسة للأمور، وأيضًا هناك العين صاحبة النظرة السوداويَّة والعين الناقلة للأخبار والمحبَّة للنميمة، والعَين الديَّانة والشريرة. تُرى من أيِّ نوعٍ هي عينُك يا أخي؟

يأتي بعد ذلك الأحد الثاني، أحد التجربة، ونقرأ فيه عن تجربة العَين: ”أراه كلَّ ممالك العالم“ ويحاول الشيطان إغراءه بها إن خرَّ وسجد له، وهكذا في تجربة تحويل الحجارة خبزًا، فالثلاث تجارب كانت بإغراءات منظورة بالعَين، وعلَّمنا الربُّ يسوع كيف نغلبها. ونصل إلى الأحد التالي مع مَثَل الابن الضال، ذاك الذي نظر إلى ثروة أبيه ولم ينظر إلى أبيه، أو يستمع له، فدخل في تجربة مُرَّة. ونصل إلى الأحد الرابع مع المرأة السامريَّة، ونقرأ كيف انطلقت هذه المرأة لتكرز لأهل مدينتها وعشيرتها قائلة: «هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ». وقبل أسبوع الآلام تُقدِّم لنا الكنيسة إنجيل شفاء المولود أعمى (مريض العينين)، وكيف فتَّح الربُّ يسوع عينيه، وأعطاه البصر والبصيرة أيضًا، كمثال لما نبتغيه نحن في الصوم المقدَّس من نَيْل البصيرة والاستنارة والتجديد لعيون قلوبنا الداخليَّة.

إنَّ أهمَّ عَيْن علينا اقتناؤها في هذا الصوم هي العَين الرحيمة، لذلك تلحُّ الكنيسة على ذلك بتكرارها لمديحة ”طوبى للرحما على المساكين“، والمساكين هنا تشمل أي صورة من أشكال المسكنة؛ فربما الفقراء أو الضعفاء أو الخطاة، او البعيدين وهكذا. فهل عينُك يا أخي عينٌ رحيمة؟

علينا كآباء أن تكون أعيننا ممتلئة بالرحمة، والعَين الرحيمة تُنجِّينا من خطايا كثيرة، ومن دينونة وإمساك للسيرة، ومن أكثر صلوات الكنيسة التي تُردِّدها خلال هذا الصوم طلبة ”يا ربُّ ارحم“، ”ارحمنا يا الله كعظيم رحمتك“، ”ارحمنا يا الله ثمَّ ارحمنا“، وهي تضرُّعات من أجل نَيْل الرحمة، فكم بالحرى نكون في حاجة أن نقتني نحن العَيْن الرحيمة. ولنتذكَّر حال المرأة الخاطئة التي أُمسِكتْ في ذات الفعل، وكيف أحاطتها الجموع أصحاب العيون الشريرة تريد رجمها، فما كان من الربِّ يسوع الحنون إلَّا أن انحنى على الأرض، وبدأ يكتب خطايا كلِّ واحدٍ منهم على الأرض، فابتدأوا يعبرون ويقرأ كلُّ واحدٍ خطيته مكتوبة أمام عينيه، فيُلقي الحجر من يده ويمرُّ خَجِلًا تاركًا المرأة مع يسوع، أمَّا يسوع فلم يشأ أن يُشهِّر بأحدٍ، أو يكشف هوية أيًّا منهم، بل تركهم لينظروا رحمته وسِتره عليهم، ويتعلَّموا معنى عَيْن الرحمة، ثمَّ قال للمرأة: أين أولئك المشتكون عليكِ، أَمَا دانك أحدٌ، وأنا لا أُدينكِ، اذهبي ولا تُخطئي أيضًا. هذا هو المسيح، وهذا هو الإنجيل، إنها عَين الرحمة.

إذن، الصوم الكبير كلُّه هو من أجل إصلاح وتجديد العّيْن. وفي نهاية هذا الصوم الكبير تعود الكنيسة لتُذكِّرنا بتعليمها الأوَّل عن إصلاح وتجديد الأُذُن، عند قراءة سفر الرؤيا، بالعبارة الجميلة والمنيرة والمتكرِّرة: «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ»، حتى نقرن ما تعلَّمناه في صوم الميلاد بتعليم إصلاح وتجديد العين في الصوم الكبير.

ونستمر في رحلة الإصلاح.

صوم الرُسل:

هو الصوم الثالث، وهو صوم الخدمة لإصلاح الفم، ونسمِّيه أيضًا صوم الكرازة، والكرازة هي بالفم: «فِي كُلِّ الأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ، وَإِلَى أَقْصَى الْمَسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ» (مز 19: 4)، وأيضًا: «بِكَلَامِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلَامِكَ تُدَانُ» (مت 12: 37). لهذا ظهرت في الرهبنة فلسفة الصمت «ضَعْ يَا رَبُّ حَافِظًا لِفَمِي، وبَابًا حَصِينًا لِشَفَتَيَّ» (مز 140)، وقول القديس أرسانيوس: ”كثيرًا ما تكلَّمت وندمت، أمَّا عن صمتي فلم أندم قط“.

الفم إذن، هو العضو الذي علينا أن نُكرِّسه للشهادة والكرازة، ولِنُطق كل ما هو للبنيان، ولتمجيد اسم الله وتسبيحه، فالفم لم يُعطَ لنا لننطق كلامًا سيئًا أو رديئًا، أو كلامًا مُعثِرًا وهادمًا، أو لنلعن به الناس المخلوقين على صورة الله، أو ننقل أخبارًا خاصة عن الناس أو نُسبِّب عثرة لهم. والعالم اليوم يعاني من كثرة الكلام الذي لا يخلو من معصية، نتيجة سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي (social media)، فالجميع صار يتكلم، مَنْ يعرف ومَنْ لا يعرف، في الأمور المفيدة والضارة، ويتداول آلاف الأخبار الصحيحة والكاذبة، والمعلومات الأمينة والدقيقة وأيضًا غير الصادقة، فالجميع صار يُلقي بدَلوِه في عالَم يُغلِّفه الكذب والزيف والخِداع. ونتذكَّر هنا أن الكذب هو إحدى الفئات الثمانية التي أشار إليها الروح في سفر الرؤيا والتي لن تدخل ملكوت السموات (انظر: رؤ 21: 8).

إذن ففلسفة الكنيسة في ترتيب هذا الصوم، هي إصلاح الفم واللسان ليكون كلامنا مُملَّحًا بملح، لأن الفم هو وسيلة الخدمة والشهادة والكرازة، فهو بالحقِّ صوم الخدمة والكرازة وزرع اسم المسيح في كلِّ قلب. وبهذه الصورة الحلوة يصير هذا الصوم مُعينًا شديدًا للإنسان لكي يشهد للمسيح «أُخَبِّرُ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي»، وهو ضروري لكلِّ مسيحي وليس للكهنة والرهبان فقط.

صوم السيِّدة العذراء:

صوم السيِّدة العذراء هو من أجمل الأصوام في الكنيسة، وهو أقصر الأصوام الكبيرة وأَحبُّها لقلوب الجميع، وقد رتَّبته الكنيسة من أجل إصلاح القلب وتجديده.

فجهادنا الرئيسي في هذا الصوم هو لإصلاح وتجديد قلبنا، بعدما نكون قد جدَّدنا القنوات الروحية الموصِّلة له، أي الأُذن والعين والفم، وذلك بمحاوله اقتناء القلب النقي. فنحن نجاهد من أجل أن نصل إلى نقاوة القلب، ليكون قلبنا هو القلب المسبِّح، المُصلِّي، الفرِح بالله. ونحن الذين كرَّسنا حياتنا لله، وانطلقنا إلى البريَّة محبةً في اسمه القدوس، وبدأنا جهادنا مع الأذُن ثُمَّ مع العَين ثُمَّ مع الفم، مثابرين على ذلك كلَّ يوم لنقتني القلب النقي، مصلِّين كل يوم قائلين: ”قلبًا نقيًّا اخلق فيَّ يا الله وروحًا مستقيمًا جدِّده في أحشائي“ (قطع الساعة الثالثة)؛ هل نَعي هذه الكلمات التي نُصلِّي بها؟ فنحن نُجاهد لأن يكون قلبنا نقيًّا: «طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ» (مت 5: 8)، فهل صارت عينك الداخليَّة مستعدَّة أن ترى الله وتُعاينه في الأحداث وفي الأشخاص وفي كلِّ موقف في هذا الزمان الذي تعيشه؟ كثير من الآباء قالوا: إنَّ هدف الحياة الواحد هو نقاوة القلب. فكلُّ إنسان يجاهد في حياته الموهوبة من الله لاقتناء نقاوة القلب في مخدعه وفي حياته، حتى يصير مؤهَّلًا لسكنى الله فيه، ومعاينته والحياة معه، وهذا هو ما يريده الله منَّا «يَا ابْنِي، أَعْطِنِي قَلْبَكَ» (أم 23: 26)، وعندما يأتي الوقت ويقف الإنسان قدَّام الله يقول له: ها قلبي أمامك يا ربُّ نقيًّا كما أردته مني، بمداخله الثلاثة: الأذُن والعَين والفم. ويصير قلب الإنسان في صوم السيِّدة العذراء – ذلك الصوم الجميل – مسكنًا لله يُظهِر حياة النقاوة والتسبيح، كما قال القديس أوغسطينوس: ”نحن لا نطوِّب العذراء مريم لأنها حملت المسيح في بطنها، بل نحن نطوِّب العذراء مريم لأنها قبل أن تحمله في بطنها حملته في قلبها“.

فخلاصة جهادنا أن يحلَّ المسيح في القلب، ولا ينازعه آخر أو فكرة أو شهوة أو صورة أو أي خطيَّة تعوقه عن التربُّعِ على هذا العرش، ويكون جهاد الإنسان لحفظ القلب نقيًّا هدفًا ساميًا لنا في هذا الصوم، حسب القول: «فَوْقَ كُلِّ تُحْفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ» (أم 4: 23). وأُذكِّركم أيها الأحباء بالآية الواردة في سفر نشيد الأناشيد: «مَا دَامَ الْمَلِكُ فِي مَجْلِسِهِ أَفَاحَ نَارِدِينِي رَائِحَتَهُ» (نش 1: 12)، أي: مادام المسيح مستريحًا على عرش قلبك، وفرِحًا به ومالكًا عليه، فإن رائحتك الخاصة (نارديني)، والمتمثِّلة في كلِّ كلمة أو سلوك أو نظرة، سوف تفوح برائحة المسيح الذكيَّة؛ كما يكتب بولس الرسول لنا بالروح : «لأَنَّنَا رَائِحَةُ الْمَسِيحِ الذَّكِيَّةُ للهِ» (2كو 2: 15).

وهكذا تصير غاية رحلة حياتنا الطويلة هي أن يملك المسيح على قلوبنا، ليجعلها قلوبًا مقدَّسة. وحينما يأتي وقت انتقالنا للسماء نُرنِّم ونُسبِّح بالفرح، إذ نكون قد أكملنا تقديس كلِّ أجهزتنا الروحيَّة، فصارت أواني لمجد الله.

هذه هي فلسفة الكنيسة في الأصوام الكبيرة، وبالطبع هناك معانٍ أخرى روحيَّة للأصوام الصغيرة، فكلٌّ منها له هدفٌ ومعنى خاص، وجميعها للمساندة في مسيرتنا الروحيَّة. ونحن على أعتاب بداية مسيرة الصوم الأوَّل من الأصوام الكبيرة، صوم الميلاد، علينا أن نبدأ هذا الصوم ونحن مُدركون لأهميَّة الصوم في صيانة أعضاء جهازنا الروحي؛ وأوَّل هذه الأعضاء هو الأذُن، فنُعِد القراءات والآيات والأقوال التي تُفيدنا وتدعونا لتقديس السمع، ويقظة الذهن والطاعة للوصيَّة في صوم الميلاد.

البابا تواضروس الثاني

نُشر حديثًا

آخر أخبار الدير

زيارة المشاركين في المؤتمر الدولي العاشر لمؤسسة سان مارك “الكتاب المقدس القبطي”

زار اليوم الأحد 29 يناير 2023م وفد من المشاركين في المؤتمر الدولي العاشر لمؤسسة سان مارك بعنوان “الكتاب المقدس القبطي” دير أنبا مقار. وجاءت زيارة ضمن فعاليات المؤتمر الدولي العاشر لمؤسسة “سان مارك” لتوثيق التراث بعنوان “الكتاب المقدس القبطي” والذي يعقد لمدة ثلاثة أيام (من يوم 30 يناير إلى يوم 1 فبراير) بمركز لوجوس في المقر البابوي بدير القديس الأنبا بيشوي في وادي النطرون.

اقرأ المزيد...
قداسة البابا

الصوم وصيانة جهازنا الروحي

من الأشياء الهامة في مسيرة حياتنا الروحيَّة، ما نسمِّيه بالجهاز الروحي في الإنسان، فالله عندما خلق الإنسان، خلق له مجموعة من الأجهزة الجسديَّة المتناسقة لكي تعمل بتناغم معًا. كذلك أيضًا يوجد بالإنسان جهازٌ نفسِيٌّ يلزم أن يعمل بتناغم ليكون الإنسان كائنًا سويًّا.

اقرأ المزيد...

تبرع لمساندة أنشطة الدير ونشكر أي مساهمة منكم مهما كانت صغيرة.

ويمكنكم التبرع لمشروع إخوة الرب وهو مشروع لمعونة الأيتام والفقراء (مشروع الملاك ميخائيل) أسسه الأب متى المسكين ويعوله دير القديس أنبا مقار.

Donate to support the Monastery’s activities or for the “Archangel Michael Coptic Care” program which helps orphans and needy people in Egypt.
FOR US CITIZENS
“Archangel Michael Coptic Care” has been registered in the USA to serve and help the poor of Egypt in a significant way. Our Tax ID # is: 43-1957120. Your contribution is all TAX DEDUCTIBLE. You will receive a yearly report of your contribution for your tax record. Please write the check to: Archangel Michael Coptic Care. Mail your check to: P.O. Box # 1574, Centreville, VA 20122, USA or donate with credit card or Paypal.