خدمة الحب

«طُوبَى لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَجِدُ الْحِكْمَةَ، وَلِلْرَّجُلِ الَّذِي يَنَالُ الْفَهْمَ، لأَنَّ تِجَارَتَهَا خَيْرٌ مِنْ تِجَارَةِ الْفِضَّةِ، وَرِبْحَهَا خَيْرٌ مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِصِ. هِيَ أَثْمَنُ مِنَ اللآلِئِ، وَكُلُّ جَوَاهِرِكَ لَا تُسَاوِيهَا. فِي يَمِينِهَا طُولُ أَيَّامٍ، وَفِي يَسَارِهَا الْغِنَى وَالْمَجْدُ. طُرُقُهَا طُرُقُ نِعَمٍ، وَكُلُّ مَسَالِكِهَا سَلَامٌ. هِيَ شَجَرَةُ حَيَاةٍ لِمُمْسِكِيهَا، وَالْمُتَمَسِّكُ بِهَا مَغْبُوطٌ. الرَّبُّ بِالْحِكْمَةِ أَسَّسَ الأَرْضَ. أَثْبَتَ السَّمَوَاتِ بِالْفَهْمِ. بِعِلْمِهِ انْشَقَّتِ اللُّجَجُ، وَتَقْطُرُ السَّحَابُ نَدًى» (أم 3: 13 – 20).

”القلب عندما يُقدِّم للآخرين خدمة من أجل الرب يسوع، فإن صورة الرب تنطبع عليه، فيستنير بنوره“

(القمص بيشوي كامل)

****

والآن يا عزيزي خطوتنا هي أن تكون أنت هو الشخص الذي يقود الآخرين في طريقهم نحو الملكوت.

فالإنسان قيمته بقيمة دم المسيح، فحياته غالية ومقدَّسة وأبدية، فجميع البشر لهم قيمة غالية عند الله خالقهم.

تخيَّل معي عزيزي القارئ … إن كان يوجد في العالم شخص واحد فقط! كان المسيح سيأتي من أجله ويتجسَّد ويُصلَب ويموت على الصليب، ثم يُدفَن ويقوم من بين الأموات! فالمسيح لم يأتِ لأن العالم به أُناسٌ كثيرون!

دعنا نُعرِّف الخدمة في ثلاث كلمات: وزنة …

أمانة …

مسؤولية …

وزنة:

فالمسيح يُعطي للإنسان وزنة وهي الخدمة، ولنتذكَّر مَثَل الوزنات (مت 25):

«فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ. كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ» (مت 25: 21).

يا ليتك تُصلِّي وتشتاق أن تسمع العبارة الجميلة: «اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ».

وكلمة وزنة تعني فرصة، أمام أي شخص منَّا قد تسمح ظروفه الآن بالخدمة، لكن مَنْ يعلم ماذا سيحدث في المستقبل؟ وهل ظروفه ستسمح بالخدمة أم لا؟! فليستغل الفرصة التي أعطاها له الله ويخدم.

أمانة:

وهذه الأمانة تستمر حتى نهاية عمر الإنسان. وكما يقول الكتاب: «كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» (رؤ 2: 10)، وهذه الآية تبدأ بصيغة إلزامية وشخصية وهي: «كُنْ»، فلا مجال للتراخي في خدمة الآخرين.

مسؤولية:

إن كلمة مسؤولية، مشتقة من كلمة سؤال، بمعنى أن الله سيسألنا عن هذه الخدمة، فلا بد أن يكون لدى الإنسان المسيحي إحساس بالمسؤولية، إذ أنه يعمل مع الله ذاته.

بماذا سنُجيب الله، إن سألك عن أُسرتك، عن أولادك؟! عن أصدقائك؟ أو عن كل مَنْ تعاملت معهم؟! والكتاب يقول: «الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالِهِ» (رو 2: 6).

ولكن كيف نُطبِّق المفاهيم السابقة عمليًّا؟

أولًا – الصلاة الدائمة:

فأول شيء يجعل الإنسان المسيحي ناجحًا في خدمة الآخرين، أن ينشغل بخدمته، أو على الأدق بالنفوس التي يخدمها.

وأول علامة تدل على ذلك، أنه دائمًا يذكرهم في صلواته، بل ويصلِّي الخادم من أجل الآخرين أثناء القداس … كُلٌّ بحسب احتياجه.

وهذا يُذكِّرنا بقصة الخروف الضال (لو 15)، وكيف أن الراعي ترك التسعة والتسعين، وذهب يبحث عن هذا الخروف الضال، وهكذا مَنْ يُصلِّي من أجل الآخرين، فهو يهتم بكل فرد منهم.

ثانيًا – وسائط النعمة:

فيشجِّع الإنسان المسيحي الآخرين على الذهاب إلى الكنيسة، وكذلك يُشاركهم صلواتهم وقراءَتهم الروحية، وممارسة الأسرار المقدَّسة بوعي خاصة سر الاعتراف وما فيه من توبة ومخافة، وسر التناول وما فيه من حضور وثبات في المسيح.

ثالثًا – إدراك قيمة الآخرين:

دعني أقُصُّ لك قصَّة: حدث خلاف بين أصابع اليد الخمسة، كل واحد يُريد أن يكون الأعظم، وقف الإبهام ليُعلِن: إن الأمر لا يحتاج إلى بحث، فإني أكاد أن أكون منفصلًا عنكم، وكأنكم جميعًا تمثِّلون كفة، وأنا بمفردي أمثِّل كفة أخرى، إنكم عبيد لا تقدرون أن تقتربوا إليَّ. أنا سيدكم، إني أضخم الأصابع وأعظمها!

في سخرية انبرى السبَّابة يقول: لو أن الرئاسة بالحجم لتسلَّط الفيل على بني آدم وحُسِبَ أعظم منهم. إني أنا السبَّابة، الإصبع الذي يأمر وينهي: عندما يشير الرأس إلى شيء أو يُعلن أمرًا يستخدمني، فأنا أولى بالرئاسة.

ضحك الأصبع الوُسْطَى وهو يقول: كيف تتشاحنان على الرئاسة في حضرتي، وأنا أطول الكل. تقفون بجواري كالأقزام. فإنه لا حاجة لي أن أطلب منكم الخضوع لزعامتي، فإن هذا لا يحتاج إلى جِدال.

تحمَّس البِنْصِر قائلًا: أين مكاني يا إخوة؟ انظروا فإن بريق الخاتم يلمع فيَّ، هل يوضَع خاتم الإكليل في إصبع آخر غيري؟! إني ملك الأصابع وسيدهم بلا منازع!

أخيرًا إذ بدأ الخنصر يتكلَّم، صمت الكل في دهشة، ماذا سيقول هذا الإصبع الصغير، لقد قال: اسمعوني يا إخوتي إني لست ضخمًا مثل الإبهام بل أرفعكم! لست أعطي أمرًا أو نهيًا مثل السبَّابة! ولست طويلًا مثل الإصبع الوسطى بل أقصركم! ولم أنل شرف خاتم الزواج مثل البنصر. أنا أصغركم جميعًا، متى اجتمعتم في خدمة نافعة تستندون عليَّ، فأحملكم جميعًا، أنا خادمكم! انحنى الكل له، وهم يقولون: صدقت، فقد قال كلمة الله: «الأَصْغَرَ فِيكُمْ جَمِيعًا هُوَ يَكُونُ عَظِيمًا» (لو 9: 48).

تذكَّر أن لكل فرد موهبة مميَّزة وقيمة ورسالة.

رابعًا: الارتباط بالسماء:

وهذا هو دور الإنسان المسيحي الأساسي أن يساعد الآخرين للوصول إلى الملكوت، وبولس الرسول يقول: «لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا» (في 1: 23). وكلمة ”اشتهاء“ تعني: ”رغبة قويَّة“.

احرص يا عزيزي أن تُرسِّخ فكر السماء في أذهان مَنْ حولك وقلوبهم.

بقي لي أن أحثّك في نهاية رحلتنا عن مهارة هامة وفضيلة أساسية في خدمتك للآخرين، ألا وهي الحكمة … وتنعكس الحكمة في خدمة الآخرين من خلال ثلاثة أوجه:

أولًا: في العلاقات والمعاملات: هناك قواعد عامة مثل:

* الاحتراس من العثرة، فيكون خوف الإنسان من العثرة، هو خوفه من الحيَّة.

* ألَّا تكون سببًا في عثرة أحد، وخصوصًا أن الآخرين يرصدون كل تصرُّف وكل كلمة تنطق بها.

* اجعل هناك حدودًا بينك وبين الآخرين.

* احرص دائمًا أن تكون صانع سلام، فالحكمة هي التي تصنع السلام.

تحكي قصص البرية عن راهب ذهب للسكن في منطقة في البرية، كان يوجد بها راهب آخر … وقد أعطى الراهب القديم الراهب الجديد قلاية كانت له. وبعد فترة بدأ هذا الراهب الجديد يتوافد عليه الزوار. وهنا بدأ يحدث نوع من الغيرة عند الراهب القديم، فأرسل تلميذه إلى الراهب الجديد يطالبه بأن يُعيد إليه قلايته.

ولكن هذا التلميذ الحكيم، ذهب إلى الراهب الجديد وقال له: معلِّمي يُرسل لك السلام، ويسأل إن كنت في احتياج إلى شيء! وعندما عاد إلى مُعلِّمه قال له: الأب يقول أمهلني يومين، حتى أتدبَّر أمري!!

وبعد اليومين أرسل الراهب تلميذه مرَّة أخرى إلى الراهب الجديد، وقال له: قُل لهذا الراهب، إنه يجب أن يترك القلاية ويرحل. فذهب التلميذ وقال للراهب: المُعلِّم يسأل عن أحوالك. وإن كنت في احتياج لشيء، أحضره لك! فشكره الراهب. وفي المرة الثالثة قال الراهب لتلميذه: اذهب وقُل لهذا الراهب، إن لم تغادر سوف آتي وأطردك بنفسي. فأسرع التلميذ إلى الراهب، وقال له: إن مُعلِّمي آتٍ إليك لكي ما يسأل عنك. فخجل الراهب الجديد أن يأتي إليه شيخ كبير، فأسرع لاستقباله في الطريق، وضرب له ميطانية. وهنا أسرع التلميذ إلى معلِّمه، وهمس في أُذنه قائلًا: إني لم أقل له كلمة مما قلته لي.

قد يقول شخص: إن هذا التلميذ قد كذب! بالطبع لا يا عزيزي، فالحكمة في المعاملات تحتاج أن نحترس من العثرة، ونعرف فَنّ الحِفَاظ على الحدود. ونصنع سلامًا بمعنى تجنُّب الخصام.

ثانيًا: في المشورة والإرشاد:

بمعنى إن سأل أحد رأيك في أمرٍ ما، احرص أن يكون خلاص نفسه هو الركيزة الأساسية في إجابتك … أي أن تضعه على طريق السماء، ويسمِّي هذا الأمر القديس يوحنا ذهبي الفم: ”هواية خلاص النفوس“.

احذر أن تُرشد شخصًا من ذاتك؛ لأن الإرشاد يجب أن يكون مبنيًّا على الإنجيل، وسير الآباء وأقوالهم، فلا يجب أن تُرشد أحدًا بناءً على خبرتك الشخصية فقط. وكما قال الأنبا أنطونيوس: ”ليكن لكَ شاهدٌ من الكُتب المقدَّسة على كل عمل تقوم به“.

ثالثًا: البشارة المُفرحة:

الخدمة المسيحية يجب أن تُنْصَب على الفرح، النابع من الصليب.

نصلِّي ونقول: ”نشكرك، لأنكَ ملأتَ الكل فرحًا أيها المُخلِّص، لمَّا أتيتَ لتُعِين العالم، يا رب المجد لكَ“.

عندما نتكلَّم عن الصليب نقول: ”آلام المسيح المُحيية“، فبالرغم من أنه ألم، إلَّا أنه يُعطي حياة! فتخيَّل أن كل فرد منَّا، يحمل قلبه في يده، ويذهب تحت الصليب، ويقول للرب املأني فرحًا. وهنا يمسك المسيح بصليبه ويملأ كل فرد منَّا بالفرح.

أُمُّنا العذراء تقول: ”أمَّا العالم فيفرح لقبوله الخلاص، وأمَّا أحشائي فتلتهب عند نظري إلى صلبوتك … يا ابني وإلهي“.

فالحكمة تقتضي الرسالة المفرحة. حضورك بشكل عام يجب أن يكون مُفرحًا، وليس ثقيلًا.

l تدريب الحكمة: هو أن تقرأ سفر الأمثال يوميًّا، ويتم قراءته حسب تاريخ اليوم، بمعنى إذا كان اليوم هو 22 من الشهر فعليكَ قراءة الأصحاح الـ 22 وهكذا، لأن هذا السِّفْر يُسمَّى سِفْر تعليم الحكمة.                                  

البابا تواضروس الثاني

نُشر حديثًا

قداسة البابا

الصوم وصيانة جهازنا الروحي

من الأشياء الهامة في مسيرة حياتنا الروحيَّة، ما نسمِّيه بالجهاز الروحي في الإنسان، فالله عندما خلق الإنسان، خلق له مجموعة من الأجهزة الجسديَّة المتناسقة لكي تعمل بتناغم معًا. كذلك أيضًا يوجد بالإنسان جهازٌ نفسِيٌّ يلزم أن يعمل بتناغم ليكون الإنسان كائنًا سويًّا.

اقرأ المزيد...
قداسة البابا

خدمة الحب

والآن يا عزيزي خطوتنا هي أن تكون أنت هو الشخص الذي يقود الآخرين في طريقهم نحو الملكوت. فالإنسان قيمته بقيمة دم المسيح، فحياته غالية ومقدَّسة وأبدية، فجميع البشر لهم قيمة غالية عند الله خالقهم.

اقرأ المزيد...
آخر أخبار الدير

قداسة البابا يزور دير أنبا مقار

قام قداسة تواضروس الثاني بزيارة رعوية اليوم لدير القديس مقاريوس الكبير (دير أبو مقار) ببرية شيهيت.
وصلى قداسته لدى وصوله صلاة الشكر في كنيسة القديس أنبا مقار، وتبارك من رفات قديسي الدير، ثم عقد جلسة روحية مع الآباء الرهبان وألقى عليهم كلمة بعنوان “مكونات الجهاز الروحي وعلاقته بالأصوام”، وأجاب عن أسئلتهم.

اقرأ المزيد...

تبرع لمساندة أنشطة الدير ونشكر أي مساهمة منكم مهما كانت صغيرة.

ويمكنكم التبرع لمشروع إخوة الرب وهو مشروع لمعونة الأيتام والفقراء (مشروع الملاك ميخائيل) أسسه الأب متى المسكين ويعوله دير القديس أنبا مقار.

Donate to support the Monastery’s activities or for the “Archangel Michael Coptic Care” program which helps orphans and needy people in Egypt.
FOR US CITIZENS
“Archangel Michael Coptic Care” has been registered in the USA to serve and help the poor of Egypt in a significant way. Our Tax ID # is: 43-1957120. Your contribution is all TAX DEDUCTIBLE. You will receive a yearly report of your contribution for your tax record. Please write the check to: Archangel Michael Coptic Care. Mail your check to: P.O. Box # 1574, Centreville, VA 20122, USA or donate with credit card or Paypal.