من تاريخ كنيستنا
- 191 -


الكنيسة القبطية في القرن العشرين
البابا مكاريوس الثالث
البطريرك الرابع عشر بعد المائة
في عداد بطاركة الكرسي الإسكندري
(1944 م - 1945 م)
- 2 -


«وأبواب الجحيم لن تقوى عليها»
(مت 16: 18)



نتابع في هذا العدد سيرة البابا مكاريوس. كنا قد توقفنا في المرة السابقة على اختيار البابا مكاريوس الثالث للسدة المرقسية، ورأينا الفرحة الشعبية الغامرة لاختيار هذا البطريرك الطوباوي، المثل الأعلى للراهب العابد، والناسك الزاهد.

وقد أحبَّه شعبه في أسيوط للمجهودات الجبارة التي بذلها في تشييد الكنائس واهتمامه بالتعليم وإنشائه للملاجئ وكثير من الجمعيات الخيرية...

ونود أن نُشير هنا إلى بعض من جوانب شخصيته

+ ثقافته: كان البابا الأنبا مكاريوس على قسط كبير من العلم، ويُعَدُّ حُجةً في طقوس الكنيسة وتقاليدها وألحانها. كذلك كان ضليعًا فيما يتعلق بقرارات المجامع المقدسة، متمكنًا في اللاهوت وتفسير الكتاب المقدس، يعرف اللغة القبطية بلهجاتها المختلفة، يتكلم الإنجليزية والفرنسية بطلاقة، فقد كان يُدرِّسهما عندما عُيِّن مدرسًا بمدرسة الرهبان بحلوان.

+ زهده وتقشفه: عُرف هذا البابا الجليل بالنسك الشديد لدرجة أن حالته في الصوم الكبير كانت تدعو للقلق على صحته، ومع ذلك كان يزيد من نسكه. وقد نصحه الأطباء بالعدول عن الصوم وتناول مأكولات تتفق مع حالته الصحية، ولكنه رفض تمامًا أن يتناول دسمًا في الصوم. والعجب أنه كان يقضي أيام الصوم على نوع واحد من الطعام. ولا يقل تقشفه في الملبس عن زهده في المأكل، إذ ما كان يلبس إلا أبسط الملابس.

وكان قداسته في الصيام يقوم بعمل القداس يوميًا من الساعة الواحدة بعد الظهر حتى الرابعة مساء. وكان كثير الاعتكاف مُدد طويلة للصلاة والصوم ولا يقابل أحدًا. وكان حارًّا في عبادته، عميقًا في صلاته، يرفع بخور باكر بنفسه قبل حضور الكاهن الشريك في الخدمة، وكنت تراه وكأنه وجه ملاك نوراني. وفي ليالي التسابيح الكيهكية، كان يبدأ الصلاة مع شعبه من الساعة الثامنة مساء حتى السادسة صباحًا، ثم يقوم بخدمة القداس بدون أن تظهر عليه بوادر التعب أو الكلل.

+ حبه للفقراء: لأجل تنظيم العمل في خدمة الفقراء، أمر نيافته أثناء تواجده بأسيوط أن يُعمل كشف بأسماء العائلات الفقيرة من جميع الأديان والمذاهب وتوزيع معونات مادية وعينية عليهم. يذكر أحدهم أن أحد الفقراء جاءه ممزق الملابس، فخلع نيافته ثوبه الأسود وأعطاه إياه. وكثيرًا ما كان يعفي الفقراء من رسوم محاضر الزواج والخطوبة، بل يساعدهم في تجهيز أفراحهم.

رسائله الرعوية

بعد تنصيب غبطته أصدر لشعبه رسالة رعوية يحث فيها الجميع أن يشدوا أزره وأن يُعاونوه في حركته الإصلاحية بما يعود لمجد الكنيسة. هذا بعض ما جاء فيها:

[... تبارك الله الذي شاءت إرادته ودعاني إلى تبوًّأ السدة البطريركية المرقسية، وإني لضعيف بنفسي، قويٌّ بالله، وطالما أحسست بعجزي من يوم رُسمت مطرانًا. فالتبعة التي أشعر بها نحو الكنيسة الممجدة المقدسة أعظم من أن يتحملها إنسان. ولكن هي قوة الله التي تُسهل المشاق وتُذلل الصعاب. وقد ندبني الله تعالى لإتمام المهمة التي بها اضطلعت، فأحني رأسي خاشعًا، وأتقبل الدعوة ساجدًا، عاملًا لرفع شأن الكنيسة المجيدة وتحقيق مجد الله وخير الشعب وعز الوطن. فما جاء سيدي ليُخدم بل ليخدم(1). وهو، جلَّ اسمه، مثلنا الأعلى في التضحية وإنكار الذات. وقد علَّمنا ألَّا نعيش لأنفسنا بل للآخرين(2).

أني لأضع نصب عيني قوله الإلهي: «ويلٌ للراعي الذي لا يرعى إلا نفسه»(3)، وقول الرسول المغبوط بولس: «احترزوا إذن لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه»(4). وإني لأحمل هذا العبء العظيم ويتحمله إخوتي المطارنة والأساقفة، ويجب أن نتممه بالطُهر والبر والأمانة والعدل، بما يليق باسمه القدوس، متمسكًا بقول السيد له المجد: «الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف»(5)، مُتممًا بفرح سعيي(6)، ومؤديًا الخدمة الذي دعاني إليها ربي يسوع المسيح...].

هذه الرسالة تُظهر لنا شخصية البابا مكاريوس الثالث الروحية التي تظهر في أسلوبه الروحي الرفيع المرصوف باقتباسات من الكتاب المقدس، التي كانت تخرج تلقائيًا من قلبه المملوء بكلام الله.

يتبع

__________________

(1) مت20: 28

(2) انظر في2: 4

(3) انظر حز 34: 2

(4) أع20: 28

(5) يو10: 11

(6) أع20: 24

_
This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis