مفاهيم كنسية



العبادة والطقوس
- 13 -
نظرة على جوانب من طقوس الكنيسة
رابعًا: عن الخدمة الطقسية
كيف تثمر؟ ... وما الذي يعطل الثمر؟ (2)

عن دور الكنيسة:

بعد أن عرضنا في الجزء الأول من هذا المقال (نوفمبر 2020) للدور المنوط به المؤمن كي يستفيد من الخدمة الطقسية ويحقق غايتها في معرفة الله ومحبته والالتصاق به وتسبيحه، بما يثري حياته فينمو في النعمة، وتتعلِّق أشواقه بالسماويات، وفي ذات الوقت يمارس خدمته كملح للأرض ونور للعالم بما يمجِّد الله (مت 5: 13 – 16)؛

نتناول هنا دور آباء الكنيسة ومعهم الشمامسة والمعلمين وخُدام الكلمة وخدام مدارس الأحد، كي تظل الخدمة الطقسية روحانية تنفر من الآلية والشكلية، جاذبة للقلوب ومشبعة للنفوس والحواس، ومغيِّرة لحياة الناس، ومثيرة لتوبتهم وانحيازهم لحياة الصلاة والتسبيح، ومعلِّمة للصغار والكبار، خاصة للمساكين والمهتمين، ساعية للبعيدين، وموصِّلة جيدة لشخص الرب وكلمته.

ولتحقيق هذه الرسالة، فإن الكنيسة، مستندة إلى نعمة الله وعمل الروح القدس، تجاهد وتبذل نفسها من أجل خلاص شعبها ورعايته، وتكرِّس من أجل ذلك كل الترتيبات التي وضعها الآباء، وشعارها: «هَأَنَذَا وَالأَوْلاَدُ الَّذِينَ أَعْطَانِيهِمُ الرَّبُّ» (إش 8: 18؛ عب 2: 11) ... وإلى بعض التفصيل:

(1) الكنيسة، وهي تمارس الطقوس تؤمن أن الطقس، بالكلمة واللحن والرمز والحركة، ليس غاية في ذاته، بل هو خدمة الله والكلمة وتقديم المسيح لجماعة المؤمنين، ووسيلة للتعليم بالروح لا بالحرف «لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي» (2كو 3: 7). فالكلمات، سواء ما في الكتاب أو القداس أو الألحان، يمكن بالتعود والتكرار أن تُتلى آليًّا وتعبُر دون أن يستوعبها الذهن فلا تفيد شيئاً ... فلا نحن فهمنا الكلمة، ولا فرحنا بلقاء الله، ولا امتلأنا بالروح، ولا تغير فكرنا، ولا اتبعنا التعليم الكتابي الذي يقول:

+ «لاَ بِأَقْوَالٍ تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ» (1كو 2: 13).

+ «مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مَتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ» (أف 5: 19).

+ «مُصَلِّينَ وَطَالِبِينَ لأَجْلِكُمْ أَنْ تَمْتَلِئُوا مِنْ مَعْرِفَةِ مَشِيئَتِهِ، فِي كُلِّ حِكْمَةٍ وَفَهْمٍ رُوحِيٍّ» (كو 1: 9).

+ «كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ - كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ - بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ» (1بط 2: 5).

نعم ... ليس في الطقوس شكليات، وخادم المذبح والمرتلون وقارئ الكتاب لا يكررون الكلام باطلاً، بل هم منحصرون في الروح ويخدمون الأقداس. ونصوص القداس والألحان مصدرها كلمة الله. والأداء الروحي هو الذي يُسقِط الحواجز بين الأرض والسماء، ويجعل الكنيسة وهي تصلِّي امتدادًا للسماء، فتصير الكنيسة بالفعل بيتًا لله، وحضن الآب في الهيكل حضورًا حقيقيًّا للآب والابن والروح القدس.

(2) يتناغم مع الأداء الروحي للكاهن أن يكون الصوت خاشعًا متَّضعًا، وأن يكون الذهن صاحيًا منتبهًا إلى كلمات الصلاة، فينتقل هذا الانحصار في الروح إلى جمهور العابدين، وأن يلتـزم الكاهن بموعد انتهاء الخدمة المُعلَن بأن يضبط إيقاع الخدمة مع الخورس بغير عجلة أو إبطاء بل باعتدال، كي يظل الذهن نشطًا والروح متَّقدًا.

والخورس المنضبط، ذو الأصوات الروحية المتآلفة معًا(1)، كأن الكل واحد، عنصر هام في مجال التسبيح، ويشكِّل إطارًا بهيجًا تنساب فيه الكلمة المقدَّسة إلى قلوب المؤمنين وأذهانهم، وتُعمِّق إحساسهم بشركة السمائيين الذين [يرسلون تسبيح الغلبة والخلاص الذي لنا بصوت ممتلئ مجدًا]، وهكذا نسأل مع الكاهن أن يقبل الله [منَّا نحن أيضًا أصواتنا مع غير المرئيين](2).

ونشير هنا إلى أن جمال الصوت المتَّشح بالاتضاع والخشوع هو موهبة غالية ووزنة ثمينة إذا ما تكرَّست لخدمة الصلاة والتسبيح(3). فهي تمجِّد الله جدًّا إذ تجتذب الآذان لتنحصر النفس بكليتها في جو الصلاة. ومن المهم جدًّا بالنسبة للشماس الذي يرتِّل منفردًا أن يمتلكه الشعور بحضور الله ومخافته فلا ينـزلق إلى المبالغة والتطريب بما يشوِّه وجه الصلاة.

(3) إن ألحان كنيستنا القبطية (أي المصرية)(4) هي نعمة عظيمة في ذاتها، فهي صلوات مرتَّلة «أَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ» (أف 5: 19) كوسيلة للتسبيح وإطالة الوجود في حضرة الله، فضلاً عن أنها تتضمن الترتيل الجماعي المنضبط بغير تشويش(5). المهم ألا يقف الأمر عند الانتشاء باللحن والإعجاب به بل يتجاوزه إلى معاني الكلمات فتحملنا الصلاة إلى قدس الأقداس حيث الرب في مجده.

ونلاحظ هنا أن بعض النصوص الشائعة يمكن أن تُرتَّل باللحن السنوي أو الفرايحي أو الحزايني بحسب المناسبة كلحن آجيوس (قدوس)، إب أورور انتي تي هيريني (يا ملك السلام). كما أن بعض الكلمات والجُمَل القصيرة نسمعها بأكثر من لحن مثل: آمين، الليلويا، كيرياليسون، وغيرها ...

على أن كثيرًا من ألحان القداس المتميزة في كنيستنا لا تُتاح لها الفرصة أن تردد فلا يعرف بها المصلون، أو تُقال دمجًا فلا يُدرَك جمالها وقدرها، مثل صلاة إفنوتي ناي نان (اللهم ارحمنا) التوسلية التي تسبق أوشية الإنجيل في صلاة عشية وباكر، وأوشية القرابين في صلاة باكر (من صلوات الكاهن)؛ وبالنسبة لألحان الشعب والشمامسة مثل: لحن ني إثنوس تيرو الذي تختمه الليلويا الفريدة، والهوس الرابع في بدء صلاة عشية، ولحن آبيكران إيرنيشتي (اسمك عظيم في كورة مصر) الذي يُقال في أعياد القديسين. والقداسات الغريغوري والكيرلسي لهما ألحانهما الخاصة ولا يُصلَّى بهما كثيرًا.

وعلى الكنيسة أن تُتيح للشعب أن يتمتع بهذه الثروة العظيمة ذات الأصالة والعراقة سواء في قداسات الأعياد، أو في اجتماع أسبوعي لدراسة الألحان، أو إقامة حفل من حين إلى حين يعرض مختارات من هذه الألحان وغيرها لكي لا تندثر هذه الدرر الغالية، وتصير مألوفة للمصلين.

(4) ربما يشكِّل استخدام اللغتين القبطية واليونانية في الصلوات عقبة يواجهها البعض أثناء الخدمة الطقسية. وللمشكلة بالطبع بُعدها التاريخي الذي لا يخفى على أحد. فإلى ما قبل أكثر من ألف عام كانت القبطية هي لغة الناس والصلوات (إضافة إلى اللغة اليونانية)، إلى أن سادت اللغة العربية بدءًا من القرن الثاني عشر تقريبًا. ولما كانت الألحان مرتبطة بنصوص اللغتين القبطية واليونانية، فقد احتاج الأمر إلى ترجمة هذه النصوص إلى العربية، وبالتدريج اقترن اللحن أيضًا بالنص العربي المقابل، وظل اللحنان القبطي واليوناني هما المرجع للتدقيق والتصويب.

وتكاد اللغة القبطية - بعيدًا عن الصلوات في الكنائس والأديرة - تكون قد اندثرت في بلادنا، اللهم إلا في بعض قرى جنوب الصعيد وبعض الأُسر القليلة في الإسكندرية، وإن بقي تعليم اللغة القبطية على الأقل في الكنائس ومدارس الأحد والإكليريكيات(6). وهناك كثيرون يستطيعون على الأقل قراءة النص القبطي أو اليوناني للألحان.

لكن يمكن القول أن استخدام اللغتين القبطية واليونانية في صلوات القداس وألحانه لم يعد يمثِّل صعوبة في الفهم في الوقت الحالي لوفرة الكتب التي تحوي نصوص الصلوات والألحان باللغات الثلاث في مصر، كما يمكن متابعة معاني الألحان بغير عناء على شاشات الكنائس. ولما امتدَّت كنيستنا إلى أكثر بلاد العالم، صارت صلوات القداس والألحان تُتلَى بلغات هذه البلاد مع استبقاء اللحن القبطي واليوناني بالطبع.

(5) من الأهمية بمكان أن يكون القارئ (الأناغنوستس) مؤهَّلاً لمهمة قراءة فصول القطمارس التي تحتل موقعًا رئيسيًّا في قداس الموعوظين، من ناحية درايته بمحتوى القراءات، دارسًا فاهمًا الكلمة، ومن ناحية امتلاك ناصية اللغة بما يضمن أن يصل المعنى إلى السامع. وعلى الكنيسة ألا تسمح لغير المتمكنين من معرفة الكتاب ونصوصه بالاقتراب من هذه الخدمة، ذلك أن أخطاء القراءة قد تفتح بابًا للانتقاد أو التندر مما يفتِّر الصلاة ويقطع تواصل التركيز، فضلاً عن إهانة كلمة الله.

وهذا يقودنا إلى اختلاف نصوص القطمارس (المترجم عن القبطية) – وأيضاً صلوات السواعي (الأجبية)(7) – عن الترجمة البيروتية، الشائعة التي بين أيدينا، وهي التي سادت منذ أواسط القرن التاسع عشر وحتى اليوم(8)، والمستخدمة بصورة عامة في سائر اجتماعات الخدمة الكنسية (عدا القداس). وهذا الاختلاف في القطمارس عمَّا بين أيدينا يعطِّل متابعة المصلِّي للقراءات. وسيكون من الحكمة أن يبقى القطمارس في ترجمته عن الأصل القبطي لأغراض الدراسة والمقارنة، وتُستخدم في القراءات الترجمة العربية البيروتية (كورنيليوس فان دايك وآخرون - 1865)، خاصة وهي متاحة على الإنترنت، مما ييسِّر نقل نصوص القطمارس مع استخدام وسائل الطباعة الحديثة. والحقيقة أن الاختلافات في الطبعة الحالية للقطمارس ليست كثيرة ومعظمها شكلية باستخدام مرادفات أخرى مع سياق مختلف لا يضيف كثيراً سوى تعميق الاختلاف، مما يجعل تعميم الترجمة البيروتية لا يشكل تغييرًا جذريًّا مع فائدته المؤكدة.

وقد يقتضي الأمر من لجان الطقوس في كنيستنا أن تراجع القطمارس من سائر النواحي خاصة أن هناك تكرارًا كثيرًا لبعض أجزاء الكتاب وإغفال بعضها الآخر(9). كما يحدث أحيانًا أن الجزء المقصود من النص بما يخدم الغرض الذي تجتمع حوله قراءات اليوم لا يأتي إلا مع السطور الأخيرة من النص، أو أن يبتر النص دون استكماله، وغيره من الهنَّات.

(6) يلي قراءة الإبركسيس من القطمارس، في قداس كل يوم، فصل من السنكسار الذي يسجِّل تاريخ الكنيسة منذ ما بعد كرازة الرسل، وأعياد الكنيسة وسير الشهداء والقديسين وآباء الكنيسة ومجامعها وجهادها، ويعتبر امتدادًا لسفر الأعمال. ولكن يلاحظ أحيانًا طول النص الذي يحوي تفاصيل كثيرة يعسر أن تعلَق بالذهن، بما يتجاوز أحيانًا مجموع القراءات التي سبقته. وسيكون من حسن التدبير أن توجد نسخة مختصرة من السنكسار تقتصر على العناصر الرئيسية بغير إسهاب بما يتناسب مع سائر القراءات، وبما يسهِّل استيعابه خلال خدمة القداس، على أن تبقى النسخة الكاملة ضمن كتب الكنيسة لخدمة الدارسين للتاريخ الكنسي.

(يتبع)
دكتور جميل نجيب سليمان

__________________________________________________________

(1) فالأصوات الناشزة تدخل في نطاق التشويش المرفوض.
(2) من القداس الغريغوري.
(3) كما يلزم أن يكون إيقاع آلات التسبيح هادئًا متناغمًا مع ترتيل الخورس دون صخب.
(4) يعود أصلها إلى التراتيل المصرية القديمة مع كلمات جديدة تعبِّر عن الإيمان المسيحي. وبعض الألحان اليونانية أو السريانية.
(5) استخدمت الكنائس الغربية الآلات الموسيقية المختلفة أثناء الصلاة كالأرغن وغيره، وهو ما يضفي على اللحن عمقًا وجمالاً بغير شك. وامتد الأمر إلى أن بعض كبار الموسيقيين حوَّل أحداث الكتاب إلى سيمفونيات شهيرة مثل سيمفونية المسيَّا (المخلِّص) Messiah لهاندل (1742) التي توصف بأنها أفضل قطعة موسيقية في تاريخ البشرية.
(6) هناك قسم للغة القبطية بالجامعة الأمريكية بمصر.
(7) فضلاً عن اختلاف ترقيم المزامير مما يجعل الإشارة إلى الآيات لا تتفق.
(8) يوجد حاليًّا عدة ترجمات للكتاب المقدس باللغة العربية آخرها الترجمة العربية المشتركة، والأمر ينطبق على طبعات الكتاب باللغات الأخرى، والذي يعني دوام المراجعة والتدقيق لنصوص الكتاب وترجماته المختلفة.
(9) هذا الأمر أشار إليه المتنيح الأنبا أثناسيوس مطران بني سويف في لقائي معه قبل حوالي نصف قرن.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis