من تاريخ كنيستنا
- 181 -


الكنيسة القبطية في القرن العشرين
البابا كيرلس الخامس
البطريرك الثاني عشر بعد المائـة
في عداد بطاركة الكرسي الإسكندري
(1874 - 1927م)
- 12 -


«وأبواب الجحيم لن تقوى عليها»
(مت 16: 18)

استكمالاً لما كتبناه في (عدد نوفمبر 2020 ):
ظهور الجمعيات القبطية بأنشطتها المتعددة
في مطلع القرن العشرين

في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حدث في مصر وبخاصة في المجتمع القبطي تغيُّر ثقافي ومعرفي ضخم، وتبع ذلك تطور حضاري هائل. كل ذلك كان من النتائج المباشرة للمدارس التي أنشأها البابا كيرلس الرابع. لمَّا تذوق المصريون نعمة المعرفة والتحضُّر صار هناك شعور جارف بالانتماء سواء للكنيسة أو للوطن، مع رغبة عارمة بين المثقفين في الارتقاء بالمجتمع المصري بشكل عام والمجتمع القبطي بشكل خاص، من أجل حياة أفضل. واكب ذلك قيود استعمارية شديدة تعوِّق انطلاق العمل الوطني وأعمال البر المطلوبة. من ناحية أخرى كان هناك انقسام داخل الكنيسة بسبب الخلاف حول قيام المجلس الملي، والصراع على إدارة الأوقاف القبطية، مما عوَّق تلك الرغبة في الانطلاق بالنهوض بالمجتمع القبطي. في ظل ذلك الشعور الجارف لم يكن ممكنًا للأقباط أن يتوقفوا عن العمل نحو تحقيق أهدافهم في خدمة المجتمع.

الله هو ”صانع الخيرات الرحوم“، ولا شك أن كل رغبة في عمل الصلاح هي من عمل الروح القدس في أبناء الله. إنه هو الذي أعطانا حق البنين حتى نشعر بآلام الآخرين، المتحدين معهم في شركة جسد المسيح الواحد، «فَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يَتَأَلَّمُ، فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَتَأَلَّمُ مَعَهُ. وَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يُكَرَّمُ، فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَفْرَحُ مَعَهُ» (1كو 26:12). فنقول مع بولس، «مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟» (2كو 29:11).

لذلك قامت مجموعة من الاقباط بتشكيل جمعية المساعي الخيرية القبطية(1) في عام 1881، حيث قاموا بجمع الأموال بينهم ليتمكنوا من الصرف على مشاريعهم الإصلاحية في خدمة المجتمع، تاركين الأوقاف ومشاكلها ما بين جمعية التوفيق والبطريركية، لتُحل مع الوقت! سارع الأقباط بالتبرع لجمعية المساعي مما كان سببًا في تحقيق أهداف الجمعية. وبالرغم من قلة الموارد المالية في البداية إلا أنهم بالتدبير والحزم والمثابرة في العمل قد حققوا نجاح أهدافهم. فقاموا بالصرف على الفقراء، والأرامل، وتقديم الرعاية الصحية للمرضي. بطرس باشا غالي هو الذي دعا لإنشاء جمعيىة المساعي الخيرية، وكان أول رئيس لها. وفي عام 1908 تغيَّر اسمها إلى الجمعية الخيرية القبطية. قامت بالصرف على تعليم أبناء الأقباط الفقراء، كما كانت تقدِّم مساعدات شهرية للمحتاجين. وفي عام 1910 أنشأت المشغل البطرسي لتعليم الفتيات الفقيرات. وفي عام 1924 قامت الجمعية ببناء المستشفى القبطي حيث خصصت بعض الأسِرَّة للفقراء مجانًا. وكان يقوم بالخدمة فيه كبار الأطباء المصريين، كما كانت العيادة الخارجية بالمستشفى تُقدِّم العلاج بأسعار رمزية، وتقديم الخدمات مجانًا للفقراء مع صرف الدواء.

إن النجاح الكبير الذي حققته تلك الجمعية حفَّز الأقباط على إنشاء جمعيات أخرى بأهداف متعددة، من أجل بناء مجتمع قبطي. فظهرت جمعية طنطا ومدرستها التي قامت بأعمال جليلة بما قدَّمت من خدمات. ثم تأسَّست على منوالها جمعيات خيرية أخرى في المنصورة وقليوب ودمنهور والسويس وبني سويف والفيوم والمنيا وأسيوط وقنا وغير ذلك. كان الغرض من إنشاء كل تلك الجمعيات هو خدمة الفقراء بهدف الارتقاء بمستوى الشعب.

ثم ظهرت جمعيات لها أهداف أخرى مثل التعليم الروحي ودراسة الكتاب المقدَّس وإنشاء المدارس وتقديم الخدمات الاجتماعية الضرورية للمجتمع القبطي. في ذلك الوقت كان عدد الكنائس في مصر قليل جدًّا لا يستوعب الاحتياجات الضرورية لخدمة التعليم، حيث كان يصعب جدًّا بناء الكنائس، مما تسبَّب في ضعف التعليم الديني. فظهرت الجمعيات التعليمية ومدارس الأحد التي أنشأها الأرشيدياكون حبيب جرجس لتسد ذلك الاحتياج. فأسَّس توفيق إسكاروس جمعية النشأة القبطية في عام 1896، وحدَّد لها أهدافًا ثلاثة: نشر الثقافة القبطية والتشجيع على تعليم اللغة القبطية، تعليم المبادئ الإيمانية المسيحية، ثم تجميع التاريخ القبطي. بدأ حبيب جرجس بإلقاء عظات أسبوعية في قاعتها. أصدرت هذه الجمعية ”نتيجة النشأة“ التي كان يُعدُّها توفيق إسكاروس كل عام. يعرض فيها تفاصيل عن الأعياد وطقوسها، والمواسم الزراعية. كما ألَّف كتاب نوابغ القبط ومشاهيرهم.

وأنشأت جمعية أصدقاء الكتاب المقدَّس التي أسسها باسيلي بطرس في عام 1908، بعد عودته من زيارة لإنجلترا، حيث تعرَّف على النشاط الروحي للجمعيات الدينية هنالك، فشعر بالحاجة لتطبيق ذلك في مصر، لنشر الوعي الروحي بأهمية الكتاب المقدس، في بناء الفرد والمجتمع. وأنشأت هذه الجمعية قاعات للتعليم والوعظ كما قامت بعمل المخيمات الصيفية سواء في وسط المزارع أو على شاطئ النيل، لتشجيع الشباب على دراسة الكتاب. وقامت الجمعية بتأسيس فروع متعددة لها في أنحاء مصر. ومن الشخصيات التي أسهمت في نشاط هذه الجمعية، مرقص باشا سميكة، والإيغومانس إبراهيم لوقا، والواعظ الشهير عيَّاد عيَّاد، والقمص مرقس داود الذي كان مدير الكلية الإكليريكية بأديس أبابا، ثم صار كاهنًا لكنيسة مار مرقس بشبرا. وانتشرت جمعيات التعليم والوعظ بكل أقاليم مصر حيث كانت تُستأجر القاعات بل حتى مدرجات المدارس وقد كان لها أثر كبير على تعليم الأقباط، كما ساهمت في إنشاء الكثير من الكنائس بكل المدن المصرية.

وظهرت الجمعيات التي كانت تنشئ المدارس امتدادًا لما قام به البابا كيرلس الرابع، في زمن كان فيه الاستعمار البريطاني يحارب التعليم في مصر. تأسست جمعية ثمرة التوفيق في عام 1908، وكان أول رئيس لها تادرس ميخائيل. أنشأت الجمعية مدرسة للبنين في عام 1910، وكان التعليم فيها بالمجان. كما قامت بإنشاء مستوصفٍ خيريٍّ لعلاج الفقراء بالمجان. وفي عام 1919 اتخذ سعد زغلول مقر جمعية ثمرة التوفيق منتدى ليلقي فيه بياناته الوطنية.

وتأسست جمعية الإيمان القبطية المركزية بالإسكندرية في عام 1909 ثم قام جرجس بطرس بإنشاء فرع للجمعية بشبرا بجزيرة بدران(2). ثم استقل عن جمعية الإيمان المركزية في عام 1914، حيث صارت من أكبر الجمعيات القبطية بشبرا. قامت الجمعية بإنشاء ست مدارس للبنين والبنات ما بين روضة الأطفال، والمدارس الابتدائية، والثانوية. وكانت من أنجح المدارس التي نافست المدارس الأميرية في مستواها التعليمي. كما قامت الجمعية بإنشاء كنيسة مار جرجس بجزيرة بدران حيث تم رسامة جرجس بطرس كاهنًا عليها باسم أبونا جرجس. كما قامت الجمعية بإنشاء مستشفى وصيدلية ومستوصف.

ثم قامت الجمعيات التي أنشأت ملاجئ للأيتام، منها جمعية السلام التي أنشأت مستوصفًا بشبرا (شيكولاني) ثم أسَّست ملجأ للبنات اليتيمات. وقامت بإنشاء عدَّة مدارس. كما قامت جمعية المحبة وبيت مدارس الأحد بإنشاء ملاجئ للبنين لإيواء وتنشئة اليتامى، حيث ارتفعت جدًّا بمستوى الخدمات حتى أن الكثير من أبنائها تخرَّج من الجامعة. ولم تستخدم اسم ملجأ، بل بيت المحبة وبيت مدارس الأحد. وأنشأ بيت مدارس الأحد مجلة مدارس الأحد.

وظهرت جمعيات الشمامسة، التي اهتمت بتعليم اللغة القبطية والألحان، كما قامت بتنظيم فرق الشمامسة مما ارتفع جدًّا بأداء الألحان الكنسية أثناء خدمة القداس الإلهي. وكان لحضورهم بالكنائس بملابسهم الجميلة وأدائهم البديع بهجة خاصة، مما كان يشجع الشعب على حضور القداس. واهتمت جمعية نهضة الكنائس بطباعة الكتب الكنسية، كما اهتمت بإعداد أدوات الخدمة، وحتى صناعة الأثاث المطلوب للكنائس من دكك ومنجليات.

وتعدَّدت جدًّا الجمعيات القبطية في أهدافها، فظهرت جمعيات علمية هدفها الارتقاء بالثقافة القبطية. مثال لذلك جمعية مار مينا العجائبي بالإسكندرية، كما ظهرت جمعية الآثار القبطية التي أسَّسها مريت باشا غالي في عام 1934، كجمعية علمية باسم ”رابطة محبي الفن القبطي“، ثم غير اسمها لجمعية الآثار القبطية. قدمت هذه الجمعية دراسات وأبحاث علمية كثيرة كان لها أثرها الهام على الثقافة القبطية.

وتأسست الجمعيات القبطية في خدمة المعوَّقين التي كان لها دور في غاية من الأهمية في خدمة المجتمع.

وظهرت الجمعيات النسائية القبطية التي كان لها تأثيرًا حضاريًّا قويًّا على المجتمع المصري كله. وكان لها دورًا وطنيًّا رائعًا، حيث تشاركت المرأة المسلمة مع المرأة القبطية في الجهاد ضد المستعمر البريطاني. في يوم 21 ديسمبر عام 1919 تجمَّع بالكنيسة المرقسية أكثر من 2000 سيدة مصرية في مظاهرة ضد الإنجليز تأييدًا لسعد زغلول قادتها هدى شعراوي. وكان ذلك التجمع النسائي الكبير تحت إشراف كهنة الكنيسة.

يعوزنا الوقت للتحدث عن مئات الجمعيات التي تضافرت فيها الجهود مع المواهب الفريدة لقيادات قبطية شابة تُقدَّر بالآلاف، عملوا في وحدة وتفانٍ في خدمة المجتمع من أجل مصر وتحضُّرها. وكانت لتلك الجمعيات آثارًا هامة، صُقِلت فيها المواهب، وأظهرت مقدرة هائلة للمجتمع القبطي على العمل الجماعي مع إنكار الذات، بعكس ما نراه اليوم! ولقد كان لذلك العمل الاجتماعي العلماني القبطي، أهمية عُظمى في حضور الأقباط على الساحة المصرية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والخدمية، في العمل المشترك مع إخوة الوطن من أجل مصر. ولقد كان لتقلُّص العمل القبطي وضياع الكثير من الجمعيات القبطية مع توقف العمل العلماني، نتائج سيئة جدًّا على المستوى الوطني. فقد تقلَّص الدور القبطي في العمل العام المصري بشكل أضعف جدًّا من القيمة الحقيقية للكيان القبطي في مصر ودوره الوطني الحيوي. وترك الأقباط ساحة العمل لشركاء الوطن للوقوف وحدهم، مما أضعف جدًّا العمل الوطني أمام الإرهاب الذي ضرب مصر بقوة في غيبة كاملة من الجهد القبطي. ولم يكن ممكنًا لرجال الكهنوت أن يقوموا بتغطية وتعويض ذلك الجهد المفقود من العمل العلماني القبطي! ما كان له أسوء الأثر على العمل الوطني المصري.

(يتبع)

________________________________________________________________________

(1) تاريخ الأمة القبطية ص 333
(2) كتاب قصة الكنيسة القبطية لإيريس المصري، الكتاب السادس/ 2 ص 229.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis