ناموس المسيح


الأخلاق المسيحية
- 2 -

+ في الجزء الأول من هذا المقال (عدد نوفمبر 2015 - ص 37)، تكلَّمنا عن علاقة ”الأخلاق المسيحية“ بحياة الإيمان المسيحي، والسمات التي تُميِّزها عن غيرها، وأنَّ المسيح هو مثالنا في ”الأخلاق المسيحية“.

+ دستور الأخلاق المسيحية:

”الأخلاق المسيحية“ لم تبتدعها الكنيسة أو المسيحيون، ولكنها القانون الـذي صاغه الرب يسوع، وعلَّمنا إيَّاه خلال سنوات خدمته الثلاث بسلوكه وكلماته، وقدَّم نفسه مثالاً لكي نتبعه. ومن سيرة المسيح ووصايـاه تعلَّم تـلاميذه ورُسله، وسجَّلها البشـيرون الأربعـة في «إنجيل يسوع المسيح ابن الله» (مر 1: 1). وهي كانت محور خدمة الرسل، كما جاءت في سِفْر الأعمال، وكانت أساس ما كتبوه من رسائل إلى الكنائس أو إلى تلاميذهم(1).

دسـتور ”الأخـلاق المسيحيـة“ ومـرجعها الأساسي، إذاً، هو الكتاب المقدس(2)، وفي المقام الأول ”العهد الجديد“. ويمكن القول إنَّ القاعدة المركزية لـ ”الأخلاق المسيحية“ هي ”محبة القريب“، وهي ”الوصيـة الثانيـة والعُظمى“، الوجه الآخر للوصية الأولى والعُظمى، وهي ”محبة الله“، التي تُشكِّل قاعدة علاقتنا المباشرة مع الله، إيماناً وعبادةً وحفظاً لوصاياه، وتطلُّعاً إلى الحياة الأبدية.

على أننا لا نقسم محبتنا بين الله والقريب، لأنها محبة واحدة. فمحبتنا للآخر، هي الدليل أننا نحب الله؛ ومحبتنا لله، تشهد لها محبتنا للقريب: «إنْ قال أحدٌ: ”إني أُحِبُّ الله“ وأبغض أخاه (أو أيّاً من أقاربه بالجسد أو غيرهم)، فهو كاذبٌ. لأن مَن لا يحبُّ أخاه الذي أَبصره، كيف يقدر أن يُحِبَّ الله الذي لم يُبصره؟ ولنا هذه الوصية منه: أنَّ مَن يُحِبُّ الله يُحِبُّ أخاه أيضاً» (1يو 4: 21،20)، «كلُّ مَن يُحِبُّ فقد وُلِدَ من الله ويعرف الله. ومَن لا يُحِبُّ لم يعرف الله، لأن الله محبة» (1يو 4: 8).

و”محبة القريب“ لم تكن بذاتها وصية جديدة، وإنما الجديد أنَّ الرب وسَّع معنى ”القريب“، الذي كان يقتصر على الأهل والأقارب، ليكون كل البشر من حولنا بمَن فيهم الأعداء والغرباء، ومَن يختلفون عنَّا في العقيدة واللون والأصل والثقافة وغيرها. هؤلاء هم أقارب المسيحي الجُدُد الذين ينبغي أن يحبهم كنفسه، كما أوضح الرب هذا المعنى في مَثَل ”السامري الصالح“ (لو 10: 29-37) الذي أنقذ عـدوَّه مـن الموت. وطلب الرب من كل مؤمن أن «اذهب أنت أيضاً واصنع هكذا». واقع الأمر أننا نتدرَّب على المحبة في دائرة العائلة، ثم مع الأصدقاء، ثم نمتدُّ إلى العالم المتَّسع حيث الاختبار الحقيقي للمحبة المسيحية.

والآيات التي تحضُّ على ”محبة القريب“ أكثر مـن أن تُحصَر: «هـذه هي وصيتي أن تُحِبُّوا بعضكم بعضاً كمـا أحببتكم» (يـو 15: 12)، «لا تكونوا مديونين لأحدٍ بشيء إلاَّ بأنْ يُحِبَّ بعضكم بعضاً، لأنَّ مَن أحب غيره فقد أَكمل الناموس» (رو 13: 8)، «لتثبُت المحبة الأخوية» (عب 13: 1)، «فأحبوا بعضكم بعضاً من قلب طاهر بشدَّة» (1بط 1: 22)، «أيها الأحبَّاء، لنُحِبَّ بعضنا بعضاً، لأنَّ المحبة هي من الله» (1يو 4: 7).

وفيما يـلي نـورد الأساس الكتابي لأبـرز الأخلاق المسيحية. وسنُلاحِظ أنها تتداخل فيما بينها، فهي كلٌّ لا يتجزَّأ. وصفات مثل الوداعـة والتواضُع واللُّطف، يصعب أن تستقل عن بعضها.

1. الاتضاع:

مـا يجعل الاتضـاع على رأس الأخـلاق المسيحية، هو أنَّ الرب وصف نفسه أنه «وديع ومتواضع القلب» (مت 11: 26). والآباء يَرَوْنَ في الاتضاع فضيلة ولُود، فينبثق منها العديد من الفضائل المسيحية، كما أنَّ الوداعة هي مزيجٌ من الاتضاع والتسامُح واللُّطف وبساطة القلب.

والربُّ أرانا أنَّ العظمة الحقيقية أن نكون آخِر الكل وخُدَّاماً للكل (مر 9: 35)، مُبيِّناً أنَّ «مَـن يرفـع نفسه يتَّضع، ومَـن يضع نفسه يرتفع» (مت 23: 12؛ لو 14: 11؛ 18: 24). وهو جَعَلَ ”إنكار الذات“ الالتزام الأول لمَن يريد أن يتبعه: «إن أراد أحدٌ أن يأتي ورائي، فليُنكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني» (مت 16: 24؛ مر 8: 34؛ لو 9: 23). فمَن أنكر ذاته، أي مَن اتَّضع، يمكن أن يحـب ويهب ويخـدم ويبذل، ويحتمـل ويُسامـح ويُسالم، ويُشجِّع الضعفـاء، ويحمل أثقال الآخرين (غل 6: 2)، ويتأنَّى على الجميع (1تس 5: 14)؛ كمـا يقدر أن يتنـازل ويتأسَّـف ويعتذر إنْ جانَبَـه الصـواب، وينجو مـن العناد والغضب وتداعياته، ويقبل من أجل المسيح الأتعاب والآلام.

وعلى نهج الرب يحثُّنا مُعلِّمنا بطرس الرسول أن «تسربلوا بالتواضُع... تواضعوا تحت يد الله القويَّة لكي يرفعكم في حينه» (1بط 5: 6،5). كمـا يُوصي الرسول بولس أيضاً أن نكـون «غـير مهتمين بالأمور العالية، بل مُنقادين إلى المتَّضعين» (رو 12: 16)، أي: ألاَّ نتطلَّع إلى الغِنَى والرفاهية، ولا نتعالى على بسطاء الحال، مُقدِّمين بعضنا بعضاً في الكرامة (رو 12: 10). وفي تعامُلنا مع المُخطئ لا نُحاكِم (رو 14: 13)، بل نجتهد أن نُصْلِحه بروح الوداعة: «ناظراً إلى نفسك لئلا تُجرَّب أنت أيضاً» (غل 6: 1). ونحن إذ نتواضع لا نتنازل، وإنما نحن نُقرُّ بحقيقة أنفسنا، وأننا بدون النعمة لا نساوي شيئاً، ولا نقوى على فعل شيء: «لأن الله هو العامل فيكم أن تُريدوا وأن تعملوا من أجل المسرَّة» (في 2: 13).

2. التسامُح والاحتمال:

لم يضع الرب حدّاً لعدد مرات التسامُح إزاء الآخرين «بل إلى سبعين مرَّة سبع مرَّات (كل يوم)» (مت 18: 22). والمسيحي، وهو يسامح، لا يتفضَّـل على الله أو النـاس، لأن الله سبق وسامحه وغفر خطاياه بالدم: «كما سامحكم الله أيضاً في المسيح» (أف 4: 32). والكتاب يحثُّنا: ”أن نحتمل أضعاف الضعفاء... وأن يُرضي كل واحد منَّا قريبه للخير لأجل البنيان... وأن نقبل بعضنا بعضاً كما أنَّ المسيح أيضاً قَبِلنا لمجد الله“ (رو 15: 7،2،1).

وليس التسامُح حيلة العاجز أمام تجبُّر العالم، ولكنه في حقيقته دليل القوة وعدم الانصياع للردِّ على الشرِّ بالشرِّ (رو 12: 17؛ 1تس 5: 15؛ 1بط 3: 9) (الذي هو انتصار للشرِّ ودوام هيمنته)، في حين أن مُجابهة الشر بالخير تغلبه (رو 12: 21) وتُوقِف دوران عَجَلته، وتفتح ثغرة للمعتدي كي يتوقَّف ويعود إلى صوابه ويفلت من سجن كراهيته، وهكذا يربح الطرفان.

والمؤمن إنْ لم يُسامح، فهو يُنكر المسيح وإنجيله، وسيسري عليه ما جاز على العبد الرديء الذي سامحه سيده بالكثير، ولكنه رَفَضَ أن يُسامح مَن دانه بالقليل، فاستحقَّ على العبد العقاب حتى يُوفِي كل ما عليه (مت 18: 23-32).

3. العفَّة وطهارة الحواس:

المسيحي المُتَّشح بالنعمة يأبَى الفساد الذي في العالم (2بط 1: 4)، حافظاً نفسه بلا دنس (يع 1: 27)، وأعضاؤه كلها تصير للمسيح (1كو 6: 14).

+ عن نقاوة القلب:

«الإنسان الصالح من الكنز الصالح في القلب يُخرِج الصالحات، والإنسان الشرير من الكنز الشرير يُخرِج الشرور... فإنه من فَضْلة القلب يتكلَّم فمه» (مت 12: 35؛ لو 6: 45)، «كل شجرة جيدة تصنع أثماراً جيدة» (مت 7: 17)، «فوق كل تحفُّظ احفظ قلبك، لأن منه مخارِج الحياة» (أم 4: 23)، «ولا يجعلون خمراً جديدة (الحياة الجديدة) في زِقاقٍ عتيقة (قلب لم يؤمن)، لئلا تَنْشقَّ الزقاق، فالخمر تَنْصَبُّ والزقاق تتلف (إشارة إلى الفشل). بل يجعلون خمراً جديدة في زِقاقٍ جديدة فتُحفَظ جميعاً» (مت 9: 17).

+ عن قداسة الجسد:

«+لْبسوا الربَّ يسوع المسيح، ولا تصنعوا تدبيراً للجسد لأجل الشهوات» (رو 13: 14)، «أم لستم تعلمون أنَّ جسدكم هو هيكلٌ للروح القدس الذي فيكم، الذي لكم من الله، وأنكم لستم لأنفسكم؟ لأنكم قد اشْتُرِيتُم بثمنٍ. فمجِّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله» (1كو 6: 20،19)، «اسلكوا بالروح فلا تُكمِّلوا شهوة الجسد... الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات» (غل 5: 24،16)، «أطلب إليكم كغُرباءَ ونُزلاءَ، أن تمتنعوا عن الشهوات الجسدية التي تُحارِب النفس» (1بط 2: 11)، «لأنـه قـد ظهرت نعمة الله المُخلِّصة لجميع الناس، مُعلِّمةً إيَّانا أن نُنكر الفجور والشهوات العالمية، ونعيش بالتعقُّل والبرِّ والتقوى في العالم الحاضر» (تي 2: 12،11)، «احفظ نفسك طاهراً» (1تي 5: 22)، «أمَّا الشهوات الشبابية فـاهرب منها، واتْبَع الـبرَّ والإيمان والمحبة والسلام مع الذين يَدْعُون الربَّ من قلبٍ نقي» (1تي 2: 22)، «لأنه إنْ عشتُم حسب الجسد فستموتون، ولكن إنْ كُنتم بالروح تُميتون أعمال الجسد فستَحْيَوْنَ» (رو 8: 13).

+ عن طهارة الحواس:

«كل مَن ينظر إلى امرأةٍ ليشتهيها، فقد زنى بها في قلبه. فإنْ كانت عينك اليُمنى تُعثرك فاقلعها وألقِها عنك (بتغيير القلب الذي هو نبع الخير والشر)» (مت 5: 29،28)، «وإن كانت يدُك اليُمنى تُعثرك فاقطعها وألقِها عنك» (مت 5: 30؛ 18: 9،8)، «اطرحوا عنكم الكذب، وتكلَّموا بالصدق كل واحدٍ مع قريبه (فالكلام الصريح المستقيم، لا يعرف الرياء أو الالتواء أو المراوغة)... لا تخرج كلمةٌ رديَّة من أفواهكم، بل كل ما كان صالحاً للبُنيان، حسب الحاجة، كي يُعطِيَ نعمةً للسامعين» (أف 4: 29،25)، «ولا القباحة، ولا كلام السَّفاهة، والهَزْل (والنميمة والثرثرة الفارغة) التي لا تليق» (أف 5: 4)، «لا تحلفوا البتَّة... بل ليكُن كلامكم: نعم نعم، لا لا، وما زاد على ذلك فهو من الشرير» (مت 5: 37،34؛ يع 5: 12)، «إنْ كان أحدٌ لا يَعْثُر في الكلام فذاك رجلٌ كامل، قادرٌ أن يُلْجِم كل الجسد أيضاً» (يع 3: 2)، «إنَّ كل كلمة بطَّالة يتكلَّم بها الناس سوف يُعطُون عنها حساباً يوم الدِّين، لأنك بكلامك تتبرَّر وبكلامك تُدان» (مت 12: 37،36).

4. ضَبْط النفس:

+ المسيـحي متوازِن ضابـطٌ لنفسـه (تي 1: 8)، لا ينساق وراء عواطفه، ولا تستولي عليه غرائزه الفطرية. والنعمة كَفَلَت له تقديس إرادته، ومِن ثمَّ التحكُّم في رغباته ليُتمِّم كلَّ برٍّ. والضبط الخارجي يعكس باطناً نقيّاً يسنده الروح (الذي أحـد ثماره ”التعفُّف“ self control - غل 5: 23)، وإلاَّ صار نوعاً من الكبت لا يمكن أن يدوم، وكلمة الله أمامه توصيه وتُنير له الطريق: «كل مَن يُجاهد يضبط نفسه في كل شيء» (1كو 9: 25)، «امتنعوا عن كل شِبْه شر» (1تس 5: 22)، «فـانظُروا كيف تسـلكون بـالتدقيق، لا كجهلاء بل كحكماء، مفتدين الوقت لأن الأيام شريرة» (أف 5: 16،15).

+ وبحسب الوصية، فالمسيحي يسعى بقدر طاقته أن يُسالِم جميع الناس (رو 12: 18؛ 1تس 5: 13)، وهـو يتجنَّب «المباحثـات الغبيَّـة والسخيفة... عالماً أنها تُولِّد خصومات» (2تي 2: 13؛ تي 3: 9). أما إذا جاء مَن يتجاوز ويهاجم، فالمؤمن لا يتسرع في الردِّ، بل يطلب معونة الروح، فيتماسك ويتروَّى حتى لا يفقد المنطق وحُسْن التصرُّف: «ليكن كل إنسان مُسرعاً في الاستماع، مُبطئاً في التكلُّم، مُبطئاً في الغضب، لأن غضب الإنسان لا يصنع برَّ الله» (يع 1: 20،19)، «إن كان أحدٌ فيكم يظُنُّ أنه دَيِّنٌ، وهو ليس يُلجم لسانه، بل يخدع قلبه، فديانة هذا باطلةٌ» (يع 1: 26).

+ وإن كانت غريزة الغضب هي في أساسها للدفاع عن الكيان؛ لكنها في المسيح هي للدفاع عن الحقِّ وعن الإيمان، فتتجرَّد من انفلات الأعصاب وانزلاق اللسان إلى الإسفاف والإهانة: «اغضبوا ولا تُخطئوا» (أف 4: 26). فالمسيحي لا يُجازي الشريـر بشرِّه (1بط 3: 9) طـائعاً الوصية: «لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحبَّاء، بل أَعطوا مكاناً للغضب (غضب الله الذي يُجازي)» (رو 12: 19). وهو في انحيازه للحق لا يُجامل على حسابه ولا ينحاز أو يُحابي (يع 2: 1)، ولا يتعصَّب، فذلك سلوك الجسديين (1كو 3: 4،3) والطائفيين، وليس نهج السالكين بالروح (غل 5: 16) أتباع المسيح الذي مات لأجل الجميع (2كو 5: 15).

+ وعن ضبط المسيحي لحاجات الجسد، تُلهمه هذه الآيات: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله» (تث 8: 3؛ مت 4: 4؛ لو 4: 4)، «لا تهتموا قائلين: ماذا نأكل، أو ماذا نشرب، أو ماذا نلبس؟ فإنَّ هذه كلها تطلبها الأُمم. لأن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها. لكن اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه، وهذه كلها تُزادُ لكم» (مت 6: 31-33)، «لا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة، بل امتلئوا بالروح» (أف 5: 18)، «انظروا وتحفَّظوا من الطمع، فإنه متى كان لأحدٍ كثير، فليست حياته من أمواله» (لو 12: 15)، «لأننا لم ندخل العالم بشيء، وواضحٌ أننا لا نقدر أن نخرج منه بشيء. فـإنْ كـان لنا قُوتٌ وكِسْوةٌ، فلْنَكْتَفِ بهما. وأمَّـا الذيـن يُريدون أن يكونوا أغنياء، فيسقطون في تجربةٍ وفَخٍّ وشهواتٍ كثيرة غبيَّـة ومُضرَّة، تُغَرِّق الناس في العَطَب والهلاك. لأن محبة المال أصل لكل الشرور، الذي إذ ابتغاه قومٌ ضلُّوا عن الإيمان، وطعنوا أنفسهم بأوجاعٍ كثيرة» (1تي 6: 6-10).

5. الرحمة والخدمة:

مثلما كان الرب رحيماً متحنِّناً على المحتاجين والمتألِّمين، ومُشارِكاً في الأفراح (يو 2: 1-11) والأحـزان (يـو 11: 1-45)؛ هكـذا يكـون المسيحي، وهكذا يوصي الكتاب. والرب طوَّب الرحماء (مت 5: 7)، ودعا المحتاجين إخوته الأصاغر، وجعل خدمتهم كأنها مُقدَّمة لشخصه المبارك: «فكونوا رحماء كما أنَّ أبـاكم أيضاً رحيم» (لو 6: 36)، «إني أُريد رحمة لا ذبيحة» (هو 6: 6؛ مت 9: 13؛ 15: 7)، «لا تنسوا فعل الخير والتوزيع، لأنه بذبائح مثل هذه يُسرُّ الله» (عب 13: 16)، «مشتركين في احتياجات القدِّيسين (هكذا يدعوهم الرسول بولس)» (رو 12: 13)، «بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر، فبِي فعلتم» (مت 25: 40)، «ومَن سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط باسم تلميذ، فالحق أقول لكم إنه لا يُضِيعُ أَجره» (مت 10: 42)، «الله ليس بظالم حتى ينسى عملكم وتعب المحبة التي أظهرتموها نحو اسمه، إذ قد خدمتُم القدِّيسين وتخدمونهم» (عب 6: 10)، «فرحاً مع الفرحين وبكاءً مع الباكين» (رو 12: 15)، «اذكروا المُقيَّدين (كل مَن هم في ضيقة) كأنكم مُقيَّدون معهم، والمُذلِّين كأنكم أنتم أيضاً في الجسد» (عب 13: 3).

(ختام المقال العدد القادم)

دكتور جميل نجيب سليمان

(1) فالقديس بولس يكتب لتلميذه تيموثاوس بهذا المعنى: «إنْ كان أحدٌ يُعلِّم تعليماً آخر، ولا يُوافق كلمات ربنا يسوع المسيح الصحيحة، والتعليم الذي هو حسب التقوى، فقد تَصلَّف، وهو لا يفهم شيئاً» (1تي: 4،3).
(2) فكما أنَّ لكل جهاز كُتيِّب يشرح كيفية استخدامه، يسمُّونه manual؛ فالكتاب المقدَّس هو الـ manual لمعرفة أُسس السلوك المسيحي وكيفية تفعيله وممارسته.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis