|
|
|
|
بعد أن تحدَّثنا عن الآية الأولى التي بدأ بها هذا الأصحاح عن البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته، نأتي إلى خلاصة ما قاله في هذه البركة.
2. فقد افتتح موسى بركته للأسباط بمقدمة (33: 2-5) تهدف إلى توجيه الانتباه إلى ما سوف يحدث في المستقبل العاجل على ضوء ما حدث لهم في البرية. فهناك خيط دقيق يسري خلال هذه الفقرة مُشيراً إلى مجيء الرب لمعونة إسرائيل قادماً من سيناء ومُشرقاً من سعير ومتلألئاً من جبل فاران، ومعه جيش من الجُند السماوي وربوات من القدِّيسين، وفي يمينه نار شريعته التي تُنير أمامهم. فقد أحب الرب شعبه، وهم محفوظون في يده «مَن يمسُّهم يمسُّ حدقة عينه» (زك 2: 8)، وهم جالسون عند قدميه مستعدِّين لتلقِّي جميع أقواله. وقد أوصاهم موسى بناموسٍ تقبَّله من الله ليكون ميراثاً لهم من الرب لبني إسرائيل. وقد أقام الرب نفسه ملكاً لإسرائيل ”يشورون“.
3. ثم تأتي البركات بعد المقدمة (33: 6-25) تشوبها رنَّةٌ من جهاد الحرب والانتصارات القادمة عند افتتاح أرض الموعد وتملُّكها، ودعاء لكل سبط. فلرأوبين يدعو بأن يُكثِّر أولاده. وليهوذا يطلب أن يسمع الرب صوته ويكون عوناً له على أضداده. وللاوي يلتمس له البركة وأن يُقوِّيه الرب ويرتضي بعمل يديه ويُحطِّم متون مقاوميه ومُبغضيه حتى لا يقوموا. ولبنيامين يدعو له أن يسكن لدى الرب آمناً. وليوسف يطلب له نفائس الأرض وملئها ورضا الساكن في العُلَّيقة. ولزبولون ويسَّاكر يتمنَّى لهما الفرح في خروجهما ودخولهما. ولجاد يلتمس له الاتساع. ولدان يدعو له بالنصرة مثل شبل أسد. ولنفتالي يطلب له الشبع والرضا والامتلاء بالبركة. ولأشير يرجو له أن يكون مقبولاً من إخوته. ولم يأتِ ذِكْر لسبط شمعون فقط. وقد نطق موسى بهذه البركات من وحي معرفته بأحوال كل سبط وبإيحاءٍ من الله، ولماذا لا يكون قد رأى بروح النبوَّة ما يؤول إليه مستقبل كل سبط؟
4. ثم يختتم موسى بركاته للأسباط بتسبحة حمد ختامية (33: 26-29)، فكما بدأت بحمد الله تُختَم أيضاً بحمده. فليس مثل الله إله قدير «يركب السماء في معونتك، والغمام في عظمته».
وبعد أن استعرضنا خلاصة هذا الأصحاح، دعنا نحاول أن نتأمَّل في تفاصيله:
المقدِّمة: (33: 2-5)
+ «فقال (موسى): جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه نارُ شريعةٍ لهم. فأحبَّ الشعب، جميع قدِّيسيه في يدك، وهم جالسون عند قدمك يتقبَّلون من أقوالك. بناموسٍ أوصانا موسى ميراثاً لجماعة يعقوب. وكان في يشورون مَلِكاً حين اجتمع رؤساء الشعب أسباط إسرائيل معاً» (33: 2-5).
يقصد بقوله: «جاء الرب من سيناء»، أي تجلَّى بمجده في سيناء عندما أعطى الشريعة المقدسة لشعبه. فقد حدث منذ صباح ذلك اليوم أن «صارت رعودٌ وبروقٌ وسحابٌ ثقيل على الجبل، وصوتُ بوقٍ شديد جداً... وكان جبل سيناء كله يُدخِّن من أجل أنَّ الرب نزل عليه بالنار. وصعد دخانه كدخان الأتون، وارتجف كل الجبل جداً. فكان صوتُ البوق يزداد اشتداداً جداً، وموسى يتكلَّم والله يُجيبه بصوتٍ» (خر 19: 16-19).
ولم يقتصر ظهور مجد الرب وبهاء نوره على جبل سيناء، بل انعكست أضواؤه على سعير وجبل فاران، حتى أنه قيل في سفر القضاة: «يا ربُّ بخروجك من سعير، بصعودك من صحراء أدوم، الأرض ارتعدت. السموات أيضاً قطرت. كذلك السُّحُب قطرت ماءً. تزلزلت الجبال من وجه الرب وسيناء هذا من وجه الرب إله إسرائيل» (قض 5: 5،4)، هذه هي تسبحة دبورة وباراق بعد انتصارهم على يابين ملك كنعان. فقد انعكس ضياء مجد الرب الذي تراءى على جبل سيناء، وأشرق بنوره على سعير التي كانت تقع في الشمال الشرقي من جبل سيناء، وتحيط بها صحراء أدوم.
أما جبل فاران فإنه يقع جنوبي فلسطين بالقرب من قادش برنيع التي كانت من المحطات الهامة التي نزل عندها بنو إسرائيل بعد أن تركوا سيناء متَّجهين نحو أرض الموعد، حيث أرسل موسى الجواسيس من فاران ليتجسَّسوا أرض الموعد. ولا شكَّ أن موسى بقوله: إنَّ الربَّ «تلألأ من جبل فاران»، فإنه يعني أن مجد الرب وقوته رافقت الشعب في كل مسيرته حتى وصلوا جبل فاران. فقد سبَّح حبقوق النبي مُعبِّراً عن مجد الرب الذي ملأ الأرض المُحيطة بأرض كنعان قائلاً: «الله جاء من تيمان (جزء من مملكة أدوم)، والقدوس من جبل فاران، سلاه. جلاله غطَّى السموات، والأرض امتلأتْ من تسبيحه. وكان لمعانٌ كالنور. له من يده شعاعٌ وهناك اسْتِتَار قدرته» (حب 3: 4،3).
أما قوله: «وأتى من ربوات القدس»، فقد جاءت في الترجمة الحديثة: «وأتى من رُبَى القدس»، وفي الترجمة الكاثوليكية: «وأتى من ربوات قادش»؛ بمعنى أنه أتى من الأسباط المجتمعة في قادش. وفي الترجمة الإنجليزية (NRSV) جاءت هكذا: ”with him were myriads of holy ones“، «ومعه ربوات من القديسين (الملائكة)»؛ وهي تعني أن الله تنازَل وجاء من علياء سمائه ومعه ربوات من الملائكة القديسين. فهناك تقليد يهودي بأنَّ شريعة موسى قد سُلِّمت لموسى على يد ملائكة، كقول القديس استفانوس الشهيد: «الذين أخذتم الناموس بترتيب ملائكة ولم تحفظوه» (أع 7: 53). كما قال أيضاً بولس الرسول: «لأنه إن كانت الكلمة (الناموس) التي تكلَّم بها ملائكة قد صارت ثابتة، وكل تعدٍّ ومعصية نال مجازاة عادلة، فكيف ننجو نحن إنْ أهملنا خلاصاً هذا مقداره» (عب 2: 3،2).
أما قوله: «وعن يمينه نارُ شريعةٍ لهم»، فيمين الرب تعني دائماً قوة الرب وقدرته العظيمة. لذلك يقول في المزمور: «يمين الرب صانعة ببأس (صنعت قوة)، يمين الرب مرتفعة (رفعتني)» (مز 118: 16،15). كما جاءت أيضاً في مزامير أخرى: «في يمينك نِعَم إلى الأبد» (مز 16: 11)، «يمينك تعضدني» (مز 18: 35)، «يمينك ملآنة برّاً» (مز 48: 10)، «قوية يدك، مرتفعة يمينك» (مز 89: 13). كما أنَّ يمين الرب تُشير إلى ابن الله الكلمة الذي قيل عنه في المزمور: «قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك... الرب عن يمينك يُحطِّم في يوم رجزه ملوكاً» (مز 110: 5،1). فإذا كانت يمين الرب تعني قوته وقدرته العظيمة، كما تُشير إلى ابن الله الكلمة الجالس في يمين العظمة في الأعالي؛ فقد تبيَّن لنا أنَّ مُعطي الشريعة هو الله الكلمة، وأنها نار مُطهِّرة للقلوب ونور للعقول، وهي في نفس الوقت نار تحرق المعاندين: «لأن إلهنا نارٌ آكلة» (عب 12: 29).
ثم يقول موسى في تجلِّيه: «فأحبَّ الشعب، جميع قدِّيسيه في يدك، وهم جالسون عند قدمك يتقبَّلون من أقوالك»، هنا يُعلِن موسى سِرَّ أعمال الرب العجيبة من بني إسرائيل، واستعلانه لذاته لهم، وتجلِّيه في سيناء، وتلألئه في جبل فاران، وإشراقه في سعير، وإعطاءه شريعته لهم؛ إنما هو خير برهان على حبِّه لهم، وهذا ما قاله لهم قبلاً: «لأنك أنت شعبٌ مقدَّسٌ للرب إلهك. إيَّاك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعباً أخصَّ من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض. ليس من كونكم أكثر من سائر الشعوب التصق الرب بكم واختاركم، لأنكم أقل من سائر الشعوب. بل من محبة الرب إيَّاكم وحِفْظه القَسَم الذي أقسم لآبائكم، أخرجكم الرب بيدٍ شديدة، وفداكم من بيت العبودية من يد فرعون ملك مصر» (تث 7: 6-8).
فالله قد أحبَّ شعبه فعلاً واختاره ميراثاً له: «اختارنا ميراثاً له، جمال يعقوب الذي أحبه» [مز 47: 4 - (46) حسب الترجمة السبعينية]. وكما يقول هوشع النبي أيضاً: «لما كان إسرائيل غلاماً أحببته، ومِن مصر دعوتُ ابني» (هو 11: 1).
وبما أنَّ الرب قد أحب الشعب، فجميع قدِّيسي الشعب الحافظين وصاياه والطالبين مرضاته، هم في يد الرب. فقد وعدنا الرب يسوع قائلاً: «خرافي تسمع صوتي، وأنا أعرفها فتتبعني. وأنا أُعطيها حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحدٌ من يدي» (يو 10: 28،27).
كما أنَّ أحبَّاء الله ليسوا فقط في يده، بل هم جالسون دائماً عند قدميه يتقبَّلون أقواله ويرتشفون من غِنَى نعمته، حسب قول المزمور: «ورثت شهاداتك إلى الدهر، لأنها بهجة قلبي» (مز 119: 111)، وكما تقول عروس النشيد: «تحت ظله اشتهيتُ أن أجلس، وثمرته حلوة لحلقي» (نش 2: 3). وكما جلست مريم أُخت لعازر عند قدمَي المخلِّص تسمع كلامه (لو 10: 39)، ولما اضطربت مرثا أُختها في خدمتها الكثيرة، وطلبت من الرب يسوع أن يقول لمريم أن تقوم وتساعدها؛ أجابها الرب يسوع: «مرثا مرثا، أنتِ تهتمين وتضطربين لأجل أمورٍ كثيرة. ولكن الحاجة إلى واحد. فاختارت مريم النصيب الصالح الذي لن يُنزع منها» (لو 10: 40-42).
ثم جاء قوله: «بناموسٍ أوصانا موسى ميراثاً لجماعة يعقوب. وكان في يشورون مَلِكاً حين اجتمع رؤساء الشعب أسباط إسرائيل معاً»، وكأنَّ موسى يقول على لسان الشعب: ”بناموسٍ أوصانا موسى ليصير ميراثاً لجميع أسباط يعقوب إسرائيل، وذلك حينما كان الرب ملكاً على يشورون (لقب إسرائيل المُحبَّب)“. وموسى مُمثِّلٌ ليهوه الرب، ووسيط العهد. وقد ارتبط الناموس بموسى كميراث ثمين ورَّثه موسى لبني إسرائيل ميراثاً من الرب يخصُّهم وحدهم، باعتباره أعظم ميراث لشعب إسرائيل، وعماد حياتهم، لأنَّ «ناموس الرب كامل يردُّ النفس. شهادات الرب صادقة تُصيِّر الجاهل حكيماً. وصايا الرب مستقيمة تُفرِّح القلب. أَمْر الرب طاهر يُنير العينين. خوف الرب نقي ثابت إلى الأبد. أحكام الرب (أحكام) حق وعادلة معاً. أشهى من الذهب والإبريز الكثير (الثمن) وأحلى من العسل وقَطْر الشِّهَاد» (مز 19: 7-10). وقد شهد الإنجيل بأنَّ: «الناموس بموسى أُعطِيَ، أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا» (يو 1: 17).
بركة موسى للأسباط:
بعد أن ثبَّت موسى - في مقدِّمة البركات - عقيدة الشعب وإيمانهم في كون الرب هو الملك على يشورون (إسرائيل)، باعتباره:
( أ ) هو الذي حرَّر شعبه من العبودية (خر 15: 18)،
(ب) وهو الذي أعطاهم الناموس في سيناء (خر 20،19)،
(ج) وهو الذي نصرهم على أعدائهم، في الماضي والحاضر، وهو الذي سينصرهم أيضاً في المستقبل، ووهبهم أرض الموعد.
فهو الآن ينطق بالبركات لكل أسباط إسرائيل المجتمعة أمامه مع رؤسائهم، مُبيِّناً أنه وإنْ كان هو الذي ينطق بها إلاَّ أن تحقيقها يقع في يدي الله الملك الحقيقي الدائم إلى الأبد لشعبه إسرائيل. أما موسى، فإنه على وشك أن يموت ويتوارى عن أعينهم، ويتركهم بعد أن عرفوا أنَّ الرب الإله هو ملكهم، وأنَّ موته لا يعني أبداً أنَّ بني إسرائيل قد صاروا بلا قائد؛ بل إنَّ رحيله سوف يجعلهم يزدادون في تعلُّقهم واعتمادهم على الرب إلههم.
بركة رأوبين:
+ «ليحْيَ رأوبين ولا يَمُتْ، ولا يَكُنْ رجاله قليلين» (33: 6).
رأوبين هو الابن البِكْر ليعقوب من ليئة. وبركة موسى لهذا السبط هو أن يبقى ويعيش ولا ينقرض، ويستمر في الحياة ولا يكون رجاله قليلين؛ إلاَّ أنهم لن يكونوا كثيرين في عددهم. فقد تعرَّض هذا السبط لظروف قاسية لعدة أسباب:
- فرغم أنه بِكْر يعقوب، إلاَّ أنه أخطأ في حقِّ أبيه خطيةً أفقدته حقوق بكوريته، حتى أنَّ أباه لما جمع أولاده في أواخر أيامه ليُباركهم، قال لابنه رأوبين: «رأوبين أنت بِكْري، قوتي وأول قدرتي، فضل الرِّفعة وفضل العِزِّ. فائراً كالماء، لا تتفضَّل. لأنك صعدتَ على مضجع أبيك، حينئذ دنَّسته. على فراشي صَعِدَ» (تك 49: 4،3).
- كما ظهر من سبطه في أيام موسى، داثان وأبيرام، اللذان عارضا التدبير الإلهي في اختياره لسبط لاوي أن يكون هو المختص بالكهنوت، واشتركا مع قورح في خطيته. وكانت العاقبة أن أهلك الرب عدداً كبيراً من سبط رأوبين، لأن الأرض انشقَّت وابتلعتهم (عدد 16).
- كما أنَّ رأوبين قد اختار أن يأخذ نصيبه من أرض الموعد شرقي الأردن، مِمَّا جعله في شِبْه عُزلة عن باقي الأسباط التي أقامت غربي الأردن، ما عدا سبط جاد ونصف سبط منسَّى؛ مِمَّا عرَّضهم أكثر من إخوتهم لتعدِّيات الغُزاة المحيطين بهم.
ويُفسِّر الحكيم الفارسي المسيحي ”أفراهات“ (280-345م) كيف بَقِيَت لرأوبين بقية من الرجاء، فيقول:
[منذ أن رقد يعقوب وحتى زمان رقاد موسى، انقضت مائتان وثلاثون سنة؛ حينذاك أراد موسى بسلطان الكهنوت أن يحلَّ رأوبين من تعدِّيه وخطيته في كونه اضطجع مع بلهة سرية أبيه، لكي عندما يقوم إخوته لا يُقطَع من جملتهم. لذلك قال في بداية بركته له: «ليحْيَ رأوبين ولا يَمُتْ، ولا يَكُنْ رجاله قليلين»](1).
(يتبع)
(1) ANF, 2nd Series, Vol. XIII, p.377.
سفر التثنية

(تابع)
الأصحاح الثاني والثلاثون