من تاريخ كنيستنا
- 63 -


الكنيسة القبطية في القرن الحادي عشر
البابا سينوتيوس الثاني
البطريرك الخامس والستون
في عداد بطاركة الكرسي الإسكندري
(1032 - 1047م)

ويواصل كتاب ”تاريخ البطاركة“ سرده لسيرة آبائنا البطاركة. فلما تنيح أنبا زخارياس البطريرك، طلب البعض أن يتولُّوا البطريركية وطمعوا أن ينالوها بيد السلطان، بحيث يُلزِموا الأساقفة بتقدُّمهم للرسامة. فلما عَلِمَ بذلك ”بقيرة“ حامل الصليب الذي كانت فيه الغيرة لله، جمع بعض المؤمنين الأخيار ومضى إلى الوزير ”الجرجراني“ وخاطبه في هذا الأمر. هكذا يبدأ كاتب سيرة البابا سينوتيوس الثاني في سرد كيفية اختيار البابا البطريرك.
ويقول كاتب السيرة إن هذا الوزير (الذي كان قبل تعيينه في القاهرة وزيراً للخليفة الظاهر في العراق) عرض على الأساقفة والأراخنة أن يستعملوا طريقة القرعة الهيكلية التي تستخدمها كنيسة النساطرة بالعراق، لكنهم لم يقبلوا بها، واتجهوا إلى رؤساء أديرة وادي هبيب (النطرون)، حيث جلس الجميع يُفكِّرون في قوم يختارونهم ليرسموا منهم واحداً. فذكروا اسم إنسان اسمه سينوتيوس. وكان بعض الأساقفة قد اختاروه لعلمه، وكان شيخاً، ولكنهم تردَّدوا في رسامته. وأقام الأساقفة في الأديرة بعد ذلك أياماً يجتمعون ويتشاورون.

ويقول كتاب ”تاريخ البطاركة“ إن كل واحد من الأساقفة كان يذكر واحداً من أقاربه أو أصدقائه ليصير بطريركاً. وظلوا على هذه الحال لمدة أسبوع، ثم أتى إليهم راهب اسمه يؤانس (كان قد سعى ضد البابا زخارياس لدى الحاكم(1))، وقال لهم: ”إلى متى جلوسكم هذا، وكل واحد منكم يطلب شهوة نفسه، ولكن ما يصلح لكم غير "سينوتيوس"“، ووصفه وأطنب في وصفه. فأرسلوا يطلبون ”سينوتيوس“، وجعلوه ”إيغومينوساً“، وساروا به إلى الإسكندرية. واجتمع الإسكندريون واشترطوا عليه كتابةً أن يدفع لهم 100 دينار كل سنة، ليصرفوها لمنفعة كنائسهم، وأخذ عليه الأساقفة تعهُّداً بأن لا يأخذ من أحد مالاً مقابل شرطونيته أسقفاً، كما ألزموه بأن يدفع للوالي 100 دينار قبل قسمته.

وكانت رسامته في شهر كيهك سنة 748 للشهداء / أواخر 1032 للميلاد، في عهد خلافة الظاهر ابن الحاكم بأمر الله.

بدء السجس مع الشعب:

بعد رسامة البابا سينوتيوس، طالبه الأراخنة بالمائة دينار ليرسلوها للوالي، ولكن لم يكن معه ما يدفعه للوالي. فقال له قومٌ من الأساقفة: ”هل أنت أَخْيَر من آبائك الذين كانوا يأخذون مُقابلاً للشرطونية، ويدفعونها للوالي ولأمور أخرى“؟ فاستحسن هذا الاقتراح. وكان كرسي ”بنا“ (مركز ميت غمر) خالياً، فطلب من المرشح لهذا الكرسي 600 دينار. فمضى المرشح للأسقفية إلى قوم مسلمين واقترض المبلغ منهم بالربا وكتب على نفسه حجة بدفع المبلغ. فقسمه البابا أسقفاً، وأقام على كرسيه سنتين ومات، واضطر البابا سينوتيوس أن يدفع ما كان على هذا الأسقف، أي ردَّ جزءاً كبيراً مما أخذه. وهكذا فسخ ما كان قد اتُّفق معه من عدم أَخْذ ثمن للشرطونية.

وللأسف يقول مؤرخ سيرته في كتاب ”تاريخ البطاركة“: إنه ”أحب المال، وجمع منه شيئاً كثيراً ووهبه لأهله، وكان مُحباً لمجد هذا العالم“.

- ولما سافر الأب سينوتيوس من الإسكندرية إلى القاهرة ليُكرِّسوه، نزل في كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل في ”جزيرة مصر“ (الآن جزيرة الروضة)، ومضى إليه جماعة من الكهنة والأراخنة ليتباركوا منه، وكان معهم شماس يُدعى ”بقيرة“ الرشيدي صاحب الصليب. فلما سلَّموا عليه وأخذوا بركته، جلسوا، وقال لبقيرة: ”مَلَكَ الرب، فلتُزجر (فلترتعد) الشعوب“. فسأله بقيرة: ”ما معنى هذا الكلام يا أبانا“؟ فقال له: ”أنا طلبتُ أسقفية مصر وما رضيتَ أنت بي... وهوذا الرب قد جعلني ملكاً بغير اختيارك“. فاغتاظ الأراخنة، ونظر بعضهم إلى بعض، وهمُّوا بالقيام. وقال له بقيرة: ”هذا الكلام قاله داود النبي في المزمور عن السيد المسيح وحده، لأنه مَلَكَ على اليهود من غير أن يطلبوه. وهوذا أنت الآن شبَّهتَ نفسك بالرب وشبَّهتنا نحن باليهود“. وقاموا وخرجوا وهم حزانى.

- وبعد ذلك قسم البابا سينوتيوس ”أبادير“ مطراناً على أسيوط، وأخذ منه مالاً كثيراً. فمنعه أهل أسيوط من الدخول إليهم ثلاث سنين لأجل المال الذي دفعه، لأنهم تمسَّكوا بالقوانين وقالوا: ”لا يجوز لمقدِّم ولا كاهن يُكرِّس نفسه لله أن يدفع مقابل ذلك مالاً. كما لا يأخذ مِمَّن يقسمه لخدمة الله شيئاً، كقول المسيح من فمه المبارك لتلاميذه لما أمرهم أن يُعمِّدوا الأُمم ويبشِّروهم بالإنجيل لخلاصهم، فقد قال لهم الوصية المشهورة في الإنجيل، وقال لهم في آخرها: «مجاناً أخذتم، مجاناً أعطوا»، أي أنكم قد أخذتم هذه النعمة بلا ثمن، فلا تطلبوا مِمَّن تعطونها له ثمناً“.

الأراخنة يُصالحون البابا،

ويتعهَّدون بسداد كل متطلباته:

حضر ”بقيرة“ الشماس صاحب الصليب إلى البابا وصالحه، وقال له: ”عندي كلام أريد أن أقوله يُرضي الله، والناس يفرحون به“. فقال له البابا: ”مهما أشرتَ به فعلتُه ولا أُخالفه“. فقال له بقيرة: ”لابد أن تترك أَخْذ المال مقابل الشرطونية، ولا تبيع موهبة الله بالمال“. فقال له البابا: ”ومِن أين لي ما أُنفقه على نفسي وتلاميذي، وما أحتاجه من المؤن واللوازم، وما عليَّ أن أُعطيه للسكندريين، وما أقوم به عن خِرَاج الأراضي التي عليَّ؟“ فقال له بقيرة: ”نحن نحسب كل ما تأخذه من الأساقفة عن الديارية (الأموال الواجب دفعها للبابا كل عام). فإن عجزتَ عن دفع ما هو عليك، نحن (الأراخنة العلمانيين) سنتعهَّد باقتراضه ونُسدِّد نحن أقساطه، ونُعطيه لك، وأنت تستريح من هذه الوصمة التي يكرهها الله والناس“. وأظهر البابا كل رضا بهذا الكلام، وطلب بقيرة خطاباً بهذا؛ فكتبه البابا بخط يده، وأخذه بقيرة وانصرف.

- ثم أرسل البابا للأساقفة يدعوهم ليُطيِّب قلبهم بهذا. ولكن دخل إليه أسقف منهم وأقنعه بأن يعود مرة أخرى ليأخذ مالاً مقابل الشرطونية.

ولما سمع بقيرة بأن الأساقفة قادمون إليه، حضر هو إليه لأخذ بركته كالعادة، وقال له: ”يا أبانا قد حضر الأساقفة، فلا تُشِرْ أن أحداً أشار عليك بهذا الاتفاق، فيكون هذا حسناً قدَّام الله والجميع“. فوافق، ولكنه طلب منه الخطاب الذي كتبه بخطِّه لكي يُريه لهم، فقدَّمه إليه. فما أن أخذه في يده حتى مزَّقه وجعله قصاصات ورق. فتعجَّب الحاضرون من هذا الفعل. وصمَّم الأساقفة على ما كان البابا قد اتفق عليه مع ”بقيرة“. وظلوا طوال النهار إلى الليل يُحاولون إقناعه، فما قدروا على مقاومته. ثم أومأ إلى تلاميذه، فوثبوا على ”بقيرة“ وضربوه ضرباً موجعاً. ثم غادر البابا المجلس، ومضى كلٌّ منهم إلى موضعه.

البابا يستخدم سلاح الحرم

ضد أحد الأساقفة:

ثم أظهر البابا قرار حرم عجيب لم يُسمَع بمثله (كما بنص المكتوب في كتاب: ”تاريخ البطاركة“) ضد الأسقف ”يؤانس“ الذي رسمه البابا أسقفاً على الفرما مقابل مبلغ من المال يدفعه للبطريرك، على أن يُعطيه البابا 30 ديناراً في كل سنة بسبب عوز الأسقف وفقره، ويجعل أخاه أسقفاً. فلما لم يدفع البابا لهذا الأسقف مبلغ الثلاثين ديناراً كل سنة، هدَّده يؤانس بأن يشتكيه للوالي. فأصدر البابا هذا الحرم ضد الأسقف: أن لا يقبله أي أحد في كل كورة مصر، ولا يُطعموه خبزاً، ولا يدفعوا له أي مال. وكان بهذا يريد أن يُسْكِت الأساقفة عن مراجعتهم له في أَخْذ المال (السيمونية).

مرض البابا وانتقاله:

وبعد هذا نزل على الأب سينوتيوس الثاني آلام في رأسه مع سعال شديد وسخونة كالنار تُلهِب رأسه، كما لحقه ألم في أُذنه. وظل في هذه الآلام ثلاث سنين إلى أن افتقده الرب - جلَّ اسمه - فتنيَّح يوم الثاني عشر من هاتور سنة 763 للشهداء / 1047 ميلادية، بعد أن قضى 14 سنة وسبعة أشهر وخمسة عشر يوماً على الكرسي المرقسي. ودُفن في الكنيسة الكبرى في ”دمرو“ التي كان قد بناها أنبا زخارياس البطريرك الخامس والستون في عداد بطاركة كرسي الإسكندرية، وأكملها البابا سينوتيوس. ?

(1) مقال: ”من تاريخ كنيستنا- البابا زخارياس“، مجلة مرقس - عدد نوفمبر 2008، ص 34.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis