دير القديس العظيم أنبا مقار
الصفحة الرئيسية  مجلة مرقس الشهرية - محتويات العدد

في تدبير التجسُّد:
- 9 -
سـر الفداء
- 6 -
الخدمة المثلثة للمسيح
ككاهن أعظم، كنبي، كملك

لكي نصل إلى رؤية كاملة لعمل الخلاص الذي أتمَّه ربنا يسوع المسيح، نتأمل في هذه الثلاثة الأوجه لخدمة المسيح:

أ - خدمة الرب ككاهن أعظم،

ب - خدمة المسيح النبويَّة،

ج - مركزه كملك.

والسمة العامة والمشتركة لهذه الخدمات الثلاث: النبويَّة والكهنوتية والملكية، نجدها في العهد القديم، إذ كانت تتم بالمسح بالزيت؛ والذي كان يستحق إحدى هذه الخدمات الثلاث، كان يتأيَّد بالروح القدس.

واسم الرب يسوع الذي هو "المسيح" مُشتَقٌّ من كونه "الممسوح" (بينما اسم يسوع يعني: "المخلِّص"). وقد أشار الرب نفسه إلى خدمته هذه بكلمات النبوَّة التي فاه بها إشعياء النبي وتلاها الرب على مسامع اليهود في مجمع الناصرة: "روح الرب عليَّ لأنه مسحني لأُبشِّر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأُنادي للمأسورين بالإطلاق، وللعُمْي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرية، وأكرز بسنة الرب المقبولة." (لو 4: 18و19)

+ + +

1. المسيح الكاهن الأعظم

المسيح كما كُرز به في الأناجيل، ليس هو فقط حَمَل الله الذي قُدِّم كذبيحة من أجل حياة العالم؛ لكنه أيضاً وفي نفس الوقت هو مُقدِّم هذه الذبيحة، أي الكاهن الأعظم الذي قيل عنه: "إنه الذبيحة التي قُدِّمت والكاهن الذي قدَّمها، المقبولة والموهوبة للمؤمنين ليشتركوا فيها". فهو الذبيحة التي قُدِّمت عن حياة العالم، وهو الكاهن الأعظم الذي قدَّمها للآب. وهو الذي يدعو المؤمنين للاشتراك في تناولها: "خذوا كلوا هذا هو جسدي. وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: اشربوا منها كلكم." (مت 26: 26و27)

ويُعبِّر الرب يسوع عن خدمته باعتباره الكاهن الأعظم على الأرض بأعلى درجة وهو يرفع إلى أبيه صلاته الشفاعية الكهنوتية ليلة خميس العهد وهو في بستان جثسيماني متشفِّعاً عن تلاميذه وعن كل المؤمنين في كل العصور بقوله: "ولأجلهم أُقدِّس أنا ذاتي ليكونوا هم أيضاً مُقدَّسين في الحق. ولستُ أسأل من أجل هؤلاء فقط، بل أيضاً من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم." (يو 17: 19و20)

ويشرح القديس بولس الرسول خدمة الكهنوت التي مارسها المسيح، وذلك في الرسالة إلى العبرانيين (من أصحاح 5 إلى أصحاح 10). ويُقارن بين خدمة المسيح الكهنوتية وبين خدمة رئيس الكهنة في العهد القديم، ليُبيِّن أن خدمة المسيح كالكاهن الأعظم في العهد الجديد تفوق بمراحل خدمة الكاهن الأعظم في العهد القديم.

- فقد كان في القديم رؤساء كهنة على طقس كهنوت هارون، ومن حيث إن الموت لم يسمح لواحد منهم أن يبقى وحده إلى الأبد فكان يتعاقب كهنة كثيرون. أما المسيح رئيس الكهنة في العهد الجديد على طقس ملكي صادق فهو يبقى إلى الأبد، وكهنوته لا يزول (عب 7: 23و24).

- رؤساء الكهنة في العهد القديم كانوا يُقدِّمون ذبائح متكررة وباستمرار؛ أما المسيح فقد قدَّم ذبيحة نفسه مرة واحدة، لأنها كافية لمحو خطايا العالم كلها (عب 7: 27).

- رؤساء الكهنة في العهد القديم كانوا مُحاطين بالضعف البشري، أما الكاهن الأعظم في العهد الجديد المسيح يسوع فهو كامل مُكمَّل إلى الأبد (عب 7: 28).

- أولئك كانوا كهنة للهيكل الأرضي المصنوع بيد بشرية، أما هذا الكاهن الأعظم فهو مُتمِّم ذبيحته في الهيكل الأبدي في السماء غير المصنوع بيد بشرية (عب 9: 24). والذي رآه يوحنا الرائي في رؤياه السماوية (رؤ 5: 6).

- رؤساء الكهنة أولئك كانوا يدخلون إلى قدس الأقداس بدم ذبائح حيوانية: ثيران وتيوس؛ أما كاهن العهد الجديد الأعظم، فدخل بدم نفسه مرة واحدة إلى قدس أقداس السماء أمام العرش الإلهي وصنع من أجلنا فداءً أبدياً (عب 9: 12).

- أولئك كانوا كهنة عهد قديم انقضى وزال، أما هذا فهو كاهن العهد الجديد الذي يبقى ولا يزول إلى الأبد (عب 8: 1).

المسيح الكاهن الأعظم للعهد الجديد هو وحده حامل كهنوت العهد الجديد، أما الكهنة البشريون فهم خدَّام كهنوته الأعظم ويرفعون قرابين العهد الجديد من خبز وخمر لتصير هي الجسد والدم الإلهيين اللذين قُدِّما مرة واحدة من أجل الكل، وما زال يتغذَّى عليهما المؤمنون وإلى أبد الدهور، وذلك على المذبح السماوي الحي الوحيد والذي تمثـِّله المذابح الحجرية في الكنائس هنا على الأرض.

2. المسيح الكارز ببشارة الملكوت

(أو الخدمة النبويَّة للمسيح)

إن خدمة المسيح الكرازية أو التعليمية أو النبويَّة تمثـَّلت في إعلانه المستمر طوال حياته على الأرض، بكل الوضوح والكمال، عن محبة الآب ومشيئته للبشر من أجل خلاص العالم، وبتقديمه لهم الناموس أي الشريعة الكاملة الجديدة، شريعة الإيمان والتقوى التي تخدم مقاصد الله لخلاص البشر. هذه الخدمة مارسها المسيح أثناء تجواله بين البشر حيث كان يكرز ويُعلِّم في كل مكان: في مجامع اليهود وفي البيوت وفي الحقول وفي الأسفار، ومن خلال المعجزات والأعمال، وأسئلة التلاميذ، والمواقف العابرة التي كانت تواجهه.

وبعد صعوده إلى السموات أوصى المسيح تلاميذه أن يواصلوا خدمة الكرازة بملكوت الله والتعليم بكل ما أوصاهم به المسيح، فصاروا يكرزون في كل مكان بالأخبار السارة والبُشرى المُفرحة لكل الشعب ولكل الأقطار، ثم سلَّموا هذه الخدمة للكنائس التي بشَّروها وأقاموها في كل مكان، هذه الكنائس أقامت وما زالت تقيم المعلِّمين والكارزين إلى الآن ليواصلوا خدمة تعليم وكرازة المؤمنين وغير المؤمنين بإنجيل المسيح في كل الأزمان.

وقد أعلن الرب يسوع المسيح الأخبار السارة والبشارة المفرحة الخاصة:

1 - بتعليم الإيمان،

2 - بالتعليم عن الحياة المقدسة وحياة التقوى.

1. تعليم الإيمان:

أما التعليم المختص بالإيمان فهو يتمثـَّل في التعليم:

أ - المختص بالله، الآب السماوي، الكلِّي الصلاح، والذي تعلَّمنا أن نتوجَّه إليه بالصلاة كأبناء صارخين إليه: "يا أبانا". وقد خاطب المسيح الآب السماوي في صلاته قبل آلامه، عن هذا الإعلان الجديد والكامل المختص بالله الآب بقوله: "أنا أَظهرتُ اسمك للناس... عرَّفتُهم اسمك وسأُعرِّفهم" (يو 17: 6و26)،

ب - التعليم المختص بمجيء كلمة الله إلى العالم - الابن الوحيد للآب - من أجل خلاص البشر واتحادهم بالله،

ج - التعليم المختص بالروح القدس، المعزِّي، ومُكمِّل خلاصنا، ومُحقِّق اتحادنا بالله الذي هو الغاية من مجيء ابن الله إلى العالم،

د - التعليم المختص بطبيعة البشر، ودخول الخطية والموت إلى العالم، والتوبة، ووسائط النعمة والخلاص، وكيفية التقديس والولادة الجديدة،

هـ - والتعليم والكرازة بملكوت الله وكنيسة العهد الجديد،

و - وعن الدينونة العامة الآتية، ومصير الإنسان والخليقة في الدهر الآتي.

2. تعليم الحياة والتقوى في المسيح يسوع:

وهي الحياة القائمة على المحبة لله والقريب، والتي قدَّمها المسيح لنا بأكثر وضوح وكمال مما كانت عليه في العهد القديم، وهي التي تحثُّ الإنسان على التكريس والتكريم الكاملين لله من الأبناء.

وقد أعلن المسيح هذه الحياة في عظته على الجبل (إنجيل متى - الأصحاحات 5و6و7)، وهي تُعتبر بمثابة الناموس الجديد المُسمَّى "ناموس المسيح" (غل 6: 2)، المُعطَى على الجبل؛ مقابل "ناموس موسى" المُعطَى قديماً على جبل حوريب. وقد قدَّم المسيح في هذا الناموس الجديد الوصايا الكاملة التي تُكمِّل وترتفع بناموس العهد القديم. وكأمثلة لذلك، وصية عدم البغضة وعدم الغضب المُكمِّلة لوصية "لا تقتل" في العهد القديم، ووصية العفة الباطنية في القلب مقابل وصية "لا تَزْنِ"، ووصية محبة الأعداء والصلاة من أجل المسيئين ومباركة اللاعنين مقابل وصية "تحب قريبك وتبغض عدوك" في تعليم الربِّيين في العهد القديم، ووصية "مَن طلب ثوبك ، أعْطِه الرداء أيضاً" مقابل وصية "لا تسرق"؛ وغير ذلك من الوصايا التي وردت على فم المسيح في العظة على الجبل، والتي ارتفعت وسََمَت بالوصايا العشر وباقي الوصايا القديمة لتكون هي السبيل إلى برِّ المسيح، بدل تلك التي لم تستطع أن تبلغ بالإنسان إلى برِّ الناموس، والذي حكم على الإنسان بالموت واللعنة، لأنه لم يستطع أن يوفي الناموس وأحكامه.

وقد أعطى المسيح الروح القدس للمؤمنين ليكون هو الذي يخطُّ ويكتب شريعة المسيح الجديدة في قلوبهم تحقيقاً لنبوَّة النبي إرميا: "وأقطع مع بيت إسرائيل وبيت يهوذا عهداً جديداً... بل هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل... أجعل شريعتي في داخلهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً" (إر 31: 31-33)، وقد قال المسيح عن الروح القدس الذي سُيرسله للمؤمنين: "وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلَّم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلَّم به، ويُخبركم بأمور آتية. ذاك يمجِّدني لأنه يأخذ مما لي ويُخبركم. كل ما للآب هو لي، لهذا قلتُ إنه يأخذ مما لي ويُخبركم." (يو 16: 13-15)

وهكذا صار ناموس المسيح الجديد يُلهم المؤمنين المغفرة عن الإساءات ومحبة الأعداء، بل وإنكار الذات والاتضاع، والعفة الحقيقية، ليس فقط الجسدية بل أولاً الروحية، والخدمة بتواضع على مثال خدمة المسيح. بل وقد صار المسيح هو نفسه الناموس الجديد بقوله: "احملوا نيري عليكم وتعلَّموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب؛ فتجدوا راحة لنفوسكم، لأن نيري هيِّن وحِملي خفيف (مقابل قسوة نير الناموس القديم وثقله الذي قال عنه بطرس الرسول: "لماذا تجرِّبون الله بوضع نيرٍ على عُنق التلاميذ لم يستطع آباؤنا ولا نحن أن نحمله" - أع 15: 10)." (مت 11: 29و30)

وبينما يحث ناموس العهد القديم الإنسان اليهودي على أن يتمم الوصايا من أجل التمتُّع برفاهية أرضية زمنية كمكافأة له على تتميم الناموس، فإن ناموس العهد الجديد يُلهِم الإنسان المسيحي بالأمور الروحية الأبدية الأسمى من متاع هذا الدهر.

إلاَّ أن ناموس العهد القديم لم يُنقَضْ كما قال المسيح: "ما جئتُ لأنقض (الناموس)" (مت 5: 17)، بل جاء ليُكمِّله أي ليسمو به. فقد أعطى له التفسير والتطبيق الأسمى، ووضعه على أساسات أفضل؛ أما ناموس الطقوس اليهودية القديمة فهذه قد توقَّفت بعد أن أصبح المسيح نفسه هو الذبيحة الواحدة والوحيدة الكفؤ لخلاص كل البشر، وهو الكاهن الأعظم الذي يبقى إلى الأبد، والروح القدس أصبح هو عنصر التقديس والتطهير للروح، وليس بالماء لتطهير الجسد.

أما ناموس المسيح وشريعة العهد الجديد، فقد أُعطيت لجميع الناس وليس لأُمة دون أُمة، ولكل الأزمان وإلى نهاية الزمان، وهي ليست قابلة للنقض. لذلك لا يمكن وضع ناموس العهد القديم بدون تكميله بالمسيح كإلزام على المسيحي من حيث إن ناموس المسيح هو التكميل النهائي والتحقيق الأمثل.

3. المسيح، الملك، والرأس للسماء والأرض

(أو الخدمة الملوكية للمسيح)

ابن الله، خالق وسيد السماء والأرض، الملك الأزلي الأبدي بحسب لاهوته، وأيضاً الملك بحسب تجسُّده، ورئيس ملوك الأرض (رؤ 1: 5)، سواء في خدمته على الأرض وحتى موته على الصليب، أو في مجده بعد قيامته من بين الأموات.

وقد تنبَّأ عنه الأنبياء كملك كما نقرأ في نبوَّة إشعياء: "لأنه يولَد لنا وَلَد، ونُعطَى ابناً، وتكون الرياسة على كتِفِه، ويُدعَى اسمه: عجيباً مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام. لنموِّ رياسته وللسلام لا نهاية، على كرسي داود وعلى مملكته، ليُثبِّتها ويعضدها بالحق والبرِّ من الآن وإلى الأبد." (إش 9: 6و7)

هذه الخدمة الملوكية للرب قبل قيامته، استُعلنت وظهرت في:

أ - معجزاته، وسلطانه على الطبيعة،

ب - في سلطانه على قوات الجحيم، وذلك بشهادة معجزات إخراجه الشياطين، وبشهادة كلماته هو: "رأيتُ الشيطان ساقطاً مثل البرق من السماء." (لو 10: 18)

ج - وفي سلطانه على الموت، والذي ظهر في الحالات القليلة التي ذُكِرَت في الأناجيل (من بين حالات كثيرة لم تُذكَر) عن إقامة ابن أرملة نايين، وابنة يايرس رئيس المجمع، ولعازر بعد 4 أيام من موته.

وقد وافق الرب يسوع المسيح وأمَّن على كلام بيلاطس حينما سأله: "أأنت ملك اليهود؟" (مت 27: 11)، لكنه أوضح: "مملكتي ليست من هذا العالم." (يو 18: 36و37)

وقد ظهر الرب لتلاميذه وهو في مجده وعظمة قيامته، وذلك بعد أن قام من بين الأموات حينما قال لهم: "دُفع إليَّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض." (مت 28: 18)

وبعد صعوده إلى السموات، استُعلن رأساً للجسد الذي يملأ السماء والأرض وما تحت الأرض، وهو ما ذكره بوضوح القديس بولس الرسول في رسالته إلى أفسس: "ليجمع كل شيء في المسيح، ما في السموات وما على الأرض، في ذاك... إذ أقامه من الأموات وأَجلَسَه عن يمينه في السماويَّات... وإيَّاه جعل رأساً فوق كل شيء للكنيسة، التي هي جسده، ملء الذي يملأ الكلَّ في الكلِّ" (أف 1: 10و20و22). وقد ظهرت قوة وسلطان الرب يسوع الملوكية على ما تحت الأرض في نزوله إلى الجحيم وانتصاره على قوة الموت هناك، وتحطيمه لكل رباطاته على بني البشر، وذلك أولاً بقيامته من بين الأموات، ثم أخيراً بصعوده إلى السموات وافتتاحه ملكوت السموات لكل مَن يؤمن به.

(يتبع)