ادخل إلى العمق


- 20 -
كنوز روحية من رموز العهد القديم
شركة الكاهن في الذبيحة


تمهيــد:

تُمثِّل الذبائح في العهد القديم - بصفة عامة- مظهرًا أساسيًّا وهامًّا من مظاهر أركان العبادة والإيمان بالله. علمًا بأنَّ تقديم الذبائح كان معروفًا في العالم القديم منذ بداية الخليقة؛ مثلما ذُكر عن تقدمتَي هابيل وقايين وقبول الله لذبيحة هابيل. وكانت الذبيحة تُقدَّم أولًا بواسطة الأب أو الشخص الأكبر أو مُمثِّل العائلة أو الجماعة أو الشعب سواء كانت بغرض الشكر أو طلب رضاء الله أو طاعة لوصاياه أو غير ذلك من الأسباب. إلَّا أنَّ مهمة تقديم الذبائح قد أُوكِلت إلى الكهنة من سبط لاوي من بني إسرائيل فيما بعد، كمُمَثِّلين عن الشعب بحكم اختيار الربِّ لهم لخدمة الكهنوت وتقديم الذبائح. وقد تطوَّرت مراسم وطقوس تقديم هذه الذبائح الدموية في العهد القديم، وتعدَّدت أنواعها وشروط تقديمها على مرِّ العصور، إلى أن قنَّنَ الله لها قواعد ومواصفات محدَّدة وفق ما أوضحه لعبده موسى النبي بعد خروج بني إسرائيل من أرض مصر، عندما وضع لهم ترتيب طقوس العبادة في خيمة الاجتماع بالبرِّية. وكانت أول ذبيحة لبني إسرائيل يرتِّبها الله لهم - من أرض مصر- هي ذبيحة خروف الفصح، ثمَّ تنوَّعت الذبائح بعد ذلك مثل: ذبائح المحرقة والسلامة والخطية والإثم. وأيضًا ذُكرت أنواع متنوِّعة للمذابح كمذبح البخور ومذبح المحرقة وغيرهما. هذا فضلًا عن نوع التقدمة من كلِّ ذبيحة، إن كانت بقرًا أو خرافًا، أو جداءً أو طيورًا، مع التفاصيل والطقوس التي ترافقها عند تقديمها.

لكننا في هذه المقالة الموجزة لسنا بصدد البحث في هذه الأمور المتسعة والتفصيلية الخاصة بأنواع وأقسام وأسباب تقديم هذه الذبائح، بل ما يهمُّنا هنا هو التلميح عن بعض الرموز المختفية وراء تقديم هذه الذبائح، وما يمكننا الاستفادة منها، لا سيما بالنسبة للخُدَّام الذين يخدمون في حقل خدمة كلمة الله.

نصيب الكاهن (الخادم) في الذبيحة:

يلزم في البداية أن نقول إنَّ الكهنة واللاويين في العهد القديم كانوا رمزًا لرسل المسيح وتلاميذه، ومِن بعدهم خدَّام المسيح في العهد الجديد. وهؤلاء يقول عنهم بولس الرسول: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الأَشْيَاءِ الْمُقَدَّسَةِ، مِنَ الْهَيْكَلِ يَأْكُلُونَ؟ الَّذِينَ يُلاَزِمُونَ الْمَذْبَحَ يُشَارِكُونَ الْمَذْبَحَ؟ هكَذَا أَيْضًا أَمَرَ الرَّبُّ: أَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَ بِالإِنْجِيلِ، مِنَ الإِنْجِيلِ يَعِيشُونَ» (1كو9: 13 و14). ويقول أيضًا: «مَنْ تَجَنَّدَ قَطُّ بِنَفَقَةِ نَفْسِهِ؟ وَمَنْ يَغْرِسُ كَرْمًا وَمِنْ ثَمَرِهِ لاَ يَأْكُلُ» (1كو 9: 11). وهذه القاعدة هي التي كانت سارية على الكهنة من بيت لاوي في العهد القديم؛ حيث يقول الربُّ لهم: «لاَ يَكُونُ لِلْكَهَنَةِ اللاَّوِيِّينَ، كُلِّ سِبْطِ لاَوِي، قِسْمٌ وَلاَ نَصِيبٌ مَعَ إِسْرَائِيلَ. يَأْكُلُونَ وَقَائِدَ الرَّبِّ وَنَصِيبَهُ» (تث 18: 1 و2)، ويقول أيضًا عنهم: «الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ هُوَ نَصِيبُهُمْ» (يش 13: 33؛ تث 10: 9). ويُسهب سفر العدد (عد: 18) في ذكر نصيب الكهنة من الذبائح كما ذكرنا. أخيرًا نُنوِّه لما قاله بطرس الرسول للربِّ يسوع: «هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ» (مر 10: 28). وخلاصة القول أنَّه منذ القديم أمَّن الله لكهنته وخدامه الذين تركوا كلَّ شيء، وتخصَّصوا لخدمته أن يشتركوا معه فيما يُقدَّم للربِّ.

ويحدِّثنا كاتب سفر التثنية عن نصيب الكاهن (الخادم) من الذبائح التي يقدِّمها عن الشعب فيقول: «وَهذَا يَكُونُ حَقُّ الْكَهَنَةِ مِنَ الشَّعْبِ، مِنَ الَّذِينَ يَذْبَحُونَ الذَّبَائِحَ بَقَرًا كَانَتْ أَوْ غَنَمًا. يُعْطُونَ الْكَاهِنَ السَّاعِدَ وَالْفَكَّيْنِ وَالْكِرْشَ. وَتُعْطِيهِ أَوَّلَ حِنْطَتِكَ وَخَمْرِكَ وَزَيْتِكَ، وَأَوَّلَ جَزَازِ غَنَمِكَ» (تث 18: 3 و4). والسؤال هنا؛ لماذا يُعطَى الكاهن هذه الأجزاء بالذات؟ وما هي دلالاتها من الذبيحة المقدَّمة، وإلى أي شيء ترمز بالنسبة للكاهن (أو الخادم)؟ وما هو المفهوم الروحي وراءها؟ هذه الأسئلة وغيرها، سنحاول - بنعمة الله - أن نجيب عليها ونكشف غوامضها لنُدرِك - بقدر طاقتنا - عمق دلالاتها ومعانيها، فيما يختصُّ بدعوة خادم الله، والسِّمات التي ينبغي توافرها فيه.

أولاً: أجزاء الذبيحة كرموز لمؤهلات المدعوِّين للخدمة:

1- الساعد: وهو يرمز إلى الاتضاع كونه أضعف أطراف الحيوان، وقد أُشير إليه بكونه الساق اليمنى من ذبيحة السلامة في كلِّ من (لا 7: 32 و33؛ عد 18: 18). فهو يذكِّر كلَّ خادم بأنَّ قوَّة الله في الضَّعف تُكمَل (انظر: 2كو 12: 9)، وأنَّ كلَّ من يتَّكل على قُدراته ومواهبه أو حتى صلواته وقامته الروحية ولا يتضع أمام الله، ولا يُرجِع فضل القوة لله في كلِّ ما يعمله، حسب قول الرسول: «لِيَكُونَ فَضْلُ الْقُوَّةِ للهِ لاَ مِنَّا» (2كو 4: 7)، فإنَّه لن يقدِر أن يُتمِّم خدمته بنجاح، أو ينال نعمة ومعونة من الله في حينه، لأنه سيكون كمن يختلس مجدَ الله لنفسه. ذلك لأنَّ قبول الخدمة والدخول في حقلها بغير إحساس الضعف وعدم الاستحقاق، هو بعينه قمة الكبرياء وبداية السقوط.

ولنتذكَّر أنَّ داود النبي حينما ارتدى ثياب الحرب وتقلَّد السيف، ثقُلت عليه عُدَّة القتال هذه ولم يستطع أن يتحرك أو يفعل شيئًا بها، ولكن عندما تَسربَل بثوب قوة ربِّ الجنود فوق ضَعفِه، وآمَنَ أنَّ الحرب هي للربِّ، استطاع أن يقضي على جليات الجبَّار ويهزم الفلسطينيين! كذلك بولس الرسول، أُعطيَ شوكة في الجسد لكي يتضع ويُدرِك أن القوة والنُصرة والنجاح الذي يحرزه في خدمته، إنَّما هي من الله وحده. وأيضًا الرسولان المُكرَّمان بطرس ويوحنا حينما شفيا الأعرج المولود من بطن أمه، أمام باب الهيكل الجميل، أرجعا الفضلَ والمجدَ لاسم الربِّ يسوع (انظر: أع 3: 12).

إذن؛ فالمتضِعون وحدهم هم المؤهَّلون للخدمة، مثل الساعد الضعيف المقدَّم للكاهن من الذبيحة. حتى يتمَّ القول فيه وفينا إنَّنا «كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ، كَأَنَّ لاَ شَيْء لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ» (2كو 6: 10)، ومن قِبَل قوة الله ومعونته يقدر أن يهتف بثقة مع معلِّمنا بولس الرسول أيضًا: «أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي» (في 4: 13).

2 - الفَكَّان: هما رمز الهذيذ والتلذذ بكلمة الله، فكما أنَّ وظيفة الفَكَّين هي طحن الأطعمة واجترارها وتسهيل عملية هضمها، هكذا أيضًا خادم الله عليه أن يدْرس ويُفتِّت كلمة الله، ويجترَّها ليلًا ونهارًا ويلهج فيها بكلِّ شَغَفٍ واشتياقٍ واجتهادٍ، كَمنْ يطحن الطعام بفكَّيه، وأن تكون دراسته وتمحيصه لكلمة الله بكلِّ اجتهاد ومثابرة بروح الاتضاع والصلاة وطلب معونة الروح القدس، حتى يستنير بها عقله وتملك على كيانه، فيتقوَّم سلوكه ويكون مطابقًا لأقواله، وتصير خدمته شهادة حسنة لمجد إلهه، فيصدق عليه قول إرميا النبيّ: «وُجِدَ كَلاَمُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلاَمُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي» (إر 15: 16)، وأيضًا قول يوحنا المعمدان: «لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلاَمِ اللهِ» (يو 3: 34).

3- الكِرش: هو رمز أحشاء الرحمة على المخدومين، وأيضًا رمزُ الحياة الداخلية الواجب أن يحياها الخادم، إذ ينبغي أن يكون متحنِّنًا على رعيته مثل سيده يسوع، الذي قيل عنه إنه تحنَّن على الجمع وقال لتلاميذه: «إِنِّي أُشْفِقُ عَلَى الْجَمْعِ، لأَنَّ الآنَ لَهُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يَمْكُثُونَ مَعِي وَلَيْسَ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ. وَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَصْرِفَهُمْ صَائِمِينَ لِئَلاَّ يُخَوِّرُوا فِي الطَّرِيقِ» (مت 15: 32)، وكذلك تحنَّن على المرأة الأرملة التي من نايين وأقام ابنها الوحيد من الموت (راجع: لو 6: 13). ويَعْضُد ذلك قول الكتاب المقدَّس: «إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً» (هو 6: 6). فمِن قِبَل هذه الرحمة نقدر أن نقدِّم حياتنا وذواتنا لأحبَّائنا، كما صنع الربُّ يسوع معنا. فالخادم الأمين لابد أن تكون له أحشاء الرحمة والرأفة، التي يوصي بها بولس الرسول قائلًا: «فَالْبَسُوا كَمُخْتَارِي اللهِ الْقِدِّيسِينَ الْمَحْبُوبِينَ أَحْشَاءَ رَأْفَاتٍ، وَلُطْفًا، وَتَوَاضُعًا، وَوَدَاعَةً، وَطُولَ أَنَاةٍ...» (كو 3: 12). وهذه عطية المسيح لأولاده الذين أوصاهم بها من نحو رعيتهم وكل من يخدمونهم، كشهادة حبٍّ وأمانة عملية لسيدهم، والتي تمثَّلت في سؤال الربِّ يسوع لتلميذه بطرس: «أَتحبُّني؟ ارْعَ غَنَمِي» (يو 20: 16).

ثانيًا: رموز عن التزامات وواجبات الخادم:

أ - يُعطَى أول الحنطة: (شِبعُ النفس): الحنطة رمز الشِبع الروحي، وهو ما يتحقق أولًا بالتناول من جسد الربِّ ودمه الأقدسين والاتحاد به. وثانيًا بالثبات والمداومة الكاملة على الاغتذاء من كلمة الإنجيل وتعاليمه المُبهِجة والمُحيية؛ ومن ثمَّ يقدر الخادم - حينما يرتوي وينمو ويحيا بهذين المصدرين - أن يقدِّمهما لإشباع نفوس مخدوميه الجائعة والمتعطِّشة لخبز الحياة، ليغتذوا من المن الحقيقي النازل من السماء والمُعْطِي الحياة للعالم.

والحنطة أيضًا رمزٌ سري للآلام والموت والدفن في باطن الأرض، وهي المراحل التي بدون أن تمرَّ بها حبة الحنطة وتجوزها فلن تعطي ثمرًا إلاّ بموتها. ولا ننسى أن نذكر هنا أنَّ الربَّ يسوع - وهو رئيس كهنة الخيرات العتيدة وخادم خلاصنا - كان هو حبة الحنطة المحيية التي وقعت في الأرض، وماتت بالجسد من أجلنا على الصليب ودُفنت في القبر، فأثمرت لنا أثمار الحياة الأبدية. وهذا أيضًا هو ما يطالبنا نحن أيضًا أن نجوزه بإرادتنا لكي نثمر ويدوم ثمرنا، إذ يخاطبنا السيد بقوله: «إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ» (يو 12: 24). وكم من آباء وشهداء وخدَّام قدَّموا أنفسهم وحياتهم فِدية عن رعيتهم ومَن يخدمونهم، وماتوا من أجل خلاصهم، فأنبتت دماؤهم وحياتهم - التي جعلوها كحبَّات الحنطة المطحونة حُبًّا لفاديهم ولأولاده - أنبتت ثمارًا كثيرة لمجد إلههم، مثل الشهيدين العظيمين إغناطيوس الأنطاكي (107 م)، وبوليكاربوس أسقف سميرنا (167 م)، والقديس بطرس خاتم الشهداء (311 م)، وغيرهم.

ب - يُعطَى أول الخمر: (فرح الروح): الخمر هو تعبير عن الفرح الروحي الحقيقي الذي يعطيه الله لخُدَّامه ولكل من يتبعه، كما يذكِّرنا بمعجزة تحويل الماء خمرًا التي صنعها الربُّ يسوع في عرس قانا الجليل، واهبًا الفرح للجميع. والشركة التي يعيشها الخادم باتحاده بالرب بتناوله من جسده ودمه الأقدسين؛ هي التي تملأ قلبه ببهجة الخلاص الموهوب له بدم المسيح. وهو ليس كفرح العالم بالسكر والملذات الأرضية الزائلة، بل هو ما لا يمكن التعبير عنه من الفرح الروحي الذي لا يُنطق به، والذي ينقله الروح القدس من الخادم إلى كلِّ من يخدمهم. كما أنَّ دخول الخادم في معصرة الآلام واحتمالها بشكر، تعطيه نعمة أن يصير - هو بذاته - خمرًا طيِّبًا يُقدَّم للعالم شهادة حيَّة ورائحة زكية لإلهه. وهنا تتحقق فيه غاية إرساليته أمام العالم الذي سيتذوق بسببه حلاوة عشرة الربِّ وروعتها، حسبما يقول الكتاب: «ذُوقُوا وَانْظُرُوا مَا أَطْيَبَ الرَّبَّ» (مز 34: 8). أمَّا الخادم نفسه فيتمُّ فيه قول الرسول: «إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ» (رو 8: 17).

ج - يُعطَى أول الزيت: (استنارة الحياة): الزيت الذي يُعطَى للكاهن (الخادم) هو رمزٌ ومثالٌ لعطية وعمل الروح القدس في النفس، فهو النار الإلهية القادرة أن تحرق كلَّ الأدناس والضعفات وتطهِّر الحياة، وتنير وتضيء العينين والقلب بمصباح الوصيَّة المقدَّسة وفهمها. وكما كان الزيت يشعل المنارة ذات السبعة سُرُج في الهيكل وفي خيمة الاجتماع قديمًا ويُنيرها، فإن الزيت أيضًا يُمثِّل رصيد النعمة المُذَّخَر في الآنية مع المصباح - أي في حياة الخادم - على مثال العذارى الحكيمات (راجع مت25)، وهذا الرصيد سوف يهب الاستنارة والإفراز الروحي من أجل إدراك وفهم كلمات الروح ورسائله لنا كخُدَّام للربِّ، فنستطيع أن نفرح بها ونُعلِنها في حياتنا وسلوكنا وتعليمنا للجميع، فلا يصير عمل الله خفيًّا أو مكتومًا فيما بعد، بل تغدو شهادة المسيح مضيئةً ومُعلَنةً ليفرح الزارع والحاصد معًا.

فعلينا إذن أن نحترس ألَّا نُحزِن الروح داخلنا، بالإهمال أو الانشغال عن سماع صوته وأنَّاته في قلوبنا، أو أن نُطفئه في حياتنا، بسبب عدم توبتنا وإصرارنا على أخطائنا وخطايانا، وذلك لكي ما نقدر أن نحفظ لأنفسنا نصيبنا من زيت النعمة والنور والفرح - كأبناء النور - حتى تشتعل في قلوبنا نار المحبة الإلهية، ونستنير بنور ومشورة روح المسيح في حياتنا.

د - يُعطَى أول جِزاز الغنم: (سَتر المسيح وحُبُّه): لابد لكلِّ خادم للمسيح أن يتذكَّر أن سيِّده قد تعرَّى لكي يكسونا بثوب نعمته، وأنَّه احتاج لكي يدفِّئنا برحمته وحنانه. وكما يستسلم الحَملُ الوديع ليد الذي يجزُّه، هكذا صنع الربُّ يسوع أمام ظالميه، من جمهور اليهود والرومانيين، بل ومع كلِّ الذين أرادوا أن يستفيدوا من موته. فالربُّ قَبِلَ أن يموت بالجسد لأجلنا دون أية مقاومة، كما يقول إرميا النبي: «وَأَنَا كَخَرُوفٍ دَاجِنٍ يُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ» (إر 11: 19). فحينما يتذكَّر الخادم هذا الأمر سوف يُدرِك مدى أهمية ومعنى النير الموضوع عليه ليسلك مثل سيِّده، كحملٍ وديع، ويتهيَّأ في كلِّ حين لكي يحتمل من أجل خدمة يسوع ومن أجل مخدوميه، بعدما عرف عِظم الثمن المدفوع لأجله، وأنَّ المسيح من أجل محبته له قَبِلَ أن يصير لعنة، فالنبي يقول عنه: «... تَعْيِيرَاتُ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ» (مز 69: 9)، والربُّ يسوع نفسه يقول: «وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي» (يو 17: 19). فلنسعَ نحن أيضًا ونقدِّم أقصى ما نستطيعه لفداء وخلاص نفوس من نخدمهم، ولتكن غاية إيماننا هي خلاص أنفسنا وأنفس من نخدمهم (انظر: 1بط 1: 9). وكما غفر المسيح لنا وسترَ عيوبنا، فلنصنع نحن أيضًا مع الجميع من أجل ذاك الذي أحبَّنا فضلًا.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis