دراسات كتابية


لماذا أمات الله مَن سَنَدَ بيده
تابوت العهد لئلا يسقط؟

+ يَقُصُّ علينا سِفْر صموئيل الثاني قصة غريبة، معناها غامضٌ للغاية. فعندما قرَّر داود الملك نَقْل تابوت العهد إلى مكانٍ مؤقت لحين بناء هيكل مهيب ليحتويه، حدثت حادثة ليس لها مُبرِّر بالمرَّة، قلبت الابتهاج والفرح إلى مناحةٍ وغَمٍّ. والغريب في ذلك أنَّ السبب هو الله نفسه!

«وجَمَعَ داود أيضاً جميع المُنتخَبين (لحضور الاحتفال) في إسرائيل، ثلاثين ألفاً. وقام داود وذهب هو وجميع الشعب الذي معه من بَعَلَة يهوذا ليُصْعِدوا مِن هناك تابوت الله الذي يُدْعَى عليه بـالاسم، اسـم ربِّ الجنود الجالس على الكاروبيم. فأركبوا تابوت الله على عَجَلَةٍ جديدة، وحملوه من بيت أبيناداب الذي في الأَكَمَة، وكان عُزَّة وأَخِيُو ابنا أبيناداب يسوقان العَجَلَة الجديدة. فأخذوها مـن بيت أبيناداب الذي في الأَكَمَة مع تابوت الله. وكان أَخِيُو يسير أمام التابوت، وداود وكلُّ بيت إسرائيل يلعبون (أي يرقصون) أمام الرب بكلِّ أنواع الآلات من خشب السَّرو بالعيدان وبالرَّباب وبالدُّفوف والجُنُوك وبالصنوج. ولما انتهوا (أي وصلوا) إلى بَيْدَر ناخُون، مدَّ عُزَّة يده إلى تابوت الله وأَمسَكَه (خوفاً من وقوعه على الأرض)، لأن الثيران انْشَمَصَتْ (تَعَثَّرَت). فحَمِيَ غضبُ الربِّ على عُزَّة وضَرَبه الله هناك لأجل غَفَلِهِ (أي جهله)، فمات هناك لدى تابوت الله. فاغناظ داود، لأنَّ الربَّ اقْتَحَمَ (أي أَهلك) عُزَّة اقتحاماً، وسَمَّى ذلك الموضع ”فَارَصَ عُزَّة“ (أي انكسار عُزَّة) إلى هذا اليوم» (2صم 6: 1-8).

قبل كل شيء، يجب أن نعرف: ما هو تابوت العهد أو تابوت الله؟

كُتِبَ في رسالة العبرانيين بشأن خيمة الاجتماع ما يلي: «ثم العهد الأول كان له أيضاً فرائضُ خدمةٍ والقُدْس العالمي، لأنه نُصِبَ المسكن الأول الذي يُقال له ”القدس“ الذي كـان فيه المنارة، والمائدة، وخُبز التقدمة. ووراء الحجاب الثاني المسكن الذي يُقال له ”قُدْس الأقداس“ فيه مبخرةٌ من ذهب، وتابوت العهد مُغَشًّى من كلِّ جهةٍ بالذهب، الذي فيه قِسْطٌ مـن ذهب فيه المَنُّ، وعصا هـارون التي أَفرَخَتْ، ولوحا العهد» (عب 9: 1-4).

+ السؤال الآن، ونحـن في العهد الجديـد: ما هو تابوت العهد المصنوع من خشب السَّنْط الذي لا يفسد، وهو مُغَشًّى بالذهب من داخل ومن خارج؟

واضحٌ أنَّ تابوت العهد كان يُمثِّل المسيح نفسه بطبيعته الإلهية التي لا تفسد والتي اتَّحدت بالطبيعة البشرية: فالذهب الذي كان يُمثِّل اللاهوت، والخشب المُمثِّل للناسوت، متَّحدَيْن معاً في طبيعة واحـدة(1) بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير.

+ ولكـن، مـا علاقة ذلك بعُزَّة الذي أَمسك التابوت بيده، فضربه الرب ومات؟

يلزمنا الآن الرجوع إلى العهد الجديد لنفهم هذا السر: «وكان أُناسٌ يونانيُّون من الذين صَعِدوا ليسجدوا في العيد. فتقدَّم هؤلاء إلى فيلُبُّس الذي من بيت صيدا الجليل، وسألوه قائلين: ”يا سيِّد، نُريد أن نرى يسوع“. فأتى فيلُبُّس وقال لأندراوس، ثم قال أندراوس وفيلُبُّس ليسوع. وأمَّا يسوع فأجابهما قائلاً: ”قد أتت الساعة ليتمجَّد ابن الإنسان. الحقَّ الحقَّ أقول لكم: إنْ لم تقع حبَّة الحنطة في الأرض وتَمُتْ فهي تبقى وحدها. ولكن إنْ ماتت تأتي بثمرٍ كثير“» (يو 12: 20-24).

+ إنَّ وقوع حبَّة الحنطة في الأرض لتموت، هو أساس الخلاص في المسيح. ولكن هذه الحقيقة أعثرت (ولا زالت تُعثر) الغالبية العُظمى من الناس: «من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يُظهِرُ لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألَّم كثيراً مـن الشيوخ ورؤساء الكهنة والكَتَبَة، ويُقتل، وفي اليوم الثالث يقوم. فأَخذَه بطرس إليه وابتدأ ينتهره قائلاً: ”حاشاكَ يا ربُّ! لا يكون لك هذا!“. فالتفت وقال لبطرس: ”اذهبْ عني يا شيطان. أنت مَعْثَرَةٌ لي، لأنك لا تهتمُّ بما لله لكن بما للناس“» (مت 16: 21-23).

+ لقد أراد بطرس، كما أراد عُزَّة ”في غَفَلِهِ“ أي جهله، أن يمنع المسيح عن الصليب، ولم يكن يدري أنَّ الشيطان نفسه هو الذي يتكلَّم على فمه!! ولكـن ردَّ المسيح هو الذي صَرَعَ الشيطان في الحال!!

«هـا نحن صاعـدون إلى أُورشليم، وابن الإنسـان يُسلَّم إلى رؤساء الكهنـة والكَتَبَـة، فيحكمون عليه بالموت، ويُسلِّمونه إلى الأُمم لكي يَهْزأُوا به ويَجلدوه ويصلبوه، وفي اليوم الثالث يقوم. حينئذٍ تقدَّمت إليه أُمُّ ابنَيْ زَبْدي مع ابنيها، وسجدتْ وطلبتْ منه شيئاً. فقـال لها: ”مـاذا تُريدين؟“. قالت له: ”قُـلْ أن يجلس ابناي هذان واحدٌ عن يمينك والآخر عن اليسار في ملكوتك“» (مت 20: 18-21).

+ وعلى القارئ أن يُقارِن بنفسه بين ما كان يجوزه المسيح في الداخل وما كانت تحلم به أُمُّ ابنَي زبدي، والتي أثبتت أنها مثل عُزَّة الذي كان ”في غَفَلِهِ“!

+ نعـود ونقول إنَّ وقـوع حبَّة الحنطة في الأرض، هو أكبر عثرة في حياة الإنسان، ولا يستطيع أحدٌ قبول المسيح والاعتراف به ربّاً إلاَّ بالروح القدس (1كو 12: 3). ويكفي دليلاً على ذلك أنَّ غير المسيحيين عندما يُشاهدون أي فيلم عـن آلام المسيح، يـدور كـلُّ تعليقـهم على ما فعله ”اليهود الأشرار“، أو على قسوة ووحشية الرومان الذين نفَّذوا الحُكْم، أو على قدرة المسيح غير العادية على احتمال التعذيب!

+ أمـا البُعْد الخلاصي للصليب، فلا يقدر إنسانٌ على فهمه إلاَّ بمبادرة شخصية من الله ذاته، واستنارة الذهن بالروح القدس وحده، ربما لا يكون للإنسان أيُّ فَضْلٍ فيه! ومَن يُريد مَثَلاً، فلْينظُرْ إلى شاول الطرسوسي!

(1) هذا يؤيِّد مذهب الطبيعة الواحدة مـن طبيعتين في المسيح يسوع، كما وردت في ثيئوتـوكية الأحـد: ”التابوت المُصفَّح بالذهب مـن كلِّ ناحيـة المصنوع من خشب لا يُسوِّس، سبق أن دلَّنـا على الله الكلمة الـذي = = صار إنساناً بغير افتراق. واحدٌ من اثنين: لاهوت قدُّوس بغير فساد مساوٍ للآب، وناسوت طاهر بغير مُباضعة (بغير زواج) مساوٍ لنا كالتدبير“.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis