|
|
|
|
حينما كان الرب يسير في الطرقات، كانت جموع كثيرة تتبعه، فهو مُعلِّم فريد وصانع معجزات. فالبعض كان يأتي ليسمع تعاليمه، والبعض كان ينشد الشفاء، ولكن كان هناك أيضاً المتفرِّجون الذين جاءوا ليُشبِعوا فضولهم. وبين هؤلاء وأولئك مَن هو محب منحاز، ومَن هو ناقد معترض.
والرب أراد أن يُبصِّر الجموع بما تتطلَّبه تبعيته من التزامات. فالأمر ليس مجرد السير وراءه في الزحام والتمتُّع بالسماع والمشاهدة وربما أيضاً بتناول الطعام، وإنما هو موقف صارم لن يقبل به إلاَّ المؤمنون الحقيقيون والمنتمون الصادقون لشخص الرب. فتبعية المسيح هي مُكلِّفة بالفعل، والإيمان به اختيار مصيري، وعلى كل واحد أن يحسبها من البداية، فهي ليست نزهة ولن تكون، لكي لا يُقدِم على ما هو ليس مستعدّاً له، أو لئلا يبدأ ثم يتراجع خائباً.
? عن التزامات بالتبعية:
هكذا التفت الرب إلى الجموع من حوله وأكَّد على عدد من الالتزامات لابد منها لمَن يريد أن يتبعه كي ينجح في مسيرة خلاصه ويصير له تلميذاً:
الأول: أن يحب الرب إلهه من كل كيانه، أي ”من كل القلب، ومن كل النفس، ومن كل الفكر، ومن كل القدرة“ (لا 19: 18؛ تث 6: 5؛ مت 22: 37-39؛ مر 12: 31،30؛ لو 10: 27)؛ أي أكثر من كل عائلته(1)، بل ومن نفسه أيضاً (مت 10: 37؛ لو 14: 26)؛
والثاني: أن يُنكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعه (مت 10: 38؛ 16: 24؛ مر 8: 34؛ لو 9: 23؛ 14: 37)؛
والثالث: أن يترك جميع أمواله وممتلكاته (مت 19: 21؛ لو 14: 33).
وبالنسبة للالتزام الأول، فقد واجهت الأجيال الأولى من المؤمنين المصاعب من جهة الأهل الرافضين انسلاخ أولادهم وأقاربهم من عبادتهم القديمة إلى هذا الإيمان الجديد، فكانوا يُقاومونهم، وبالتالي فقد كان محتَّماً أن يتحرَّر مَن قَبِلَ الإيمان من سلطان عائلته ومحبته لهم، بحيث تفوقها محبته لإلهه، حتى ليبدو كأنه ”يُبغض“ أهله إلى حدِّ أن ينفصل عنهم.
فإذا كان الرب قد جاء ليصنع سلاماً بين الإنسان والله؛ فهو، في نفس الوقت، قد صنع انقساماً بين مَن يريد الإيمان به وبين مجتمعه وعائلته التي تُقاوم هذا التوجُّه. هكذا صار الإيمان الجديد كأنه سيف يفصل شخصاً عن آخر، وجماعة عن جماعة:
+ «لا تظنُّوا أني جئتُ لأُلقي سلاماً على الأرض. ما جئتُ لأُلقي سلاماً بل سيفاً. فإني جئتُ لأُفرِّق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أُمِّها، والكَنَّة ضد حماتها. وأعداء الإنسان أهل بيته (عندما يعترضون مسيرته نحو الله)» (مت 10: 34-36).
+ «أتظنُّون أني جئتُ لأُعطي سلاماً على الأرض؟ كَلاَّ أقول لكم، بل انقساماً. لأنه يكون من الآن خمسةٌ في بيت واحد منقسمين: ثلاثة على اثنين واثنان على ثلاثة. ينقسم الأب على الابن، والابن على الأب، والأُمُّ على البنت، والبنت على الأُم، والحماة على كنَّتها، والكَنَّة على حماتها» (لو 12: 51-53).
وفيما يتعلَّق بالالتزام الثاني، فعلى المستوى الشخصي والاجتماعي والروحي، نحن نتبع مُخلِّصاً صنع لنا فداءنا بالدم وحَمَل صليبه قبل أن يحمله صليبه مرفوعاً عليه خارج أورشليم. وكما رفضه العالم سيرفض العالم كلَّ أتباعه. والرب يُنبِّه منذ البداية أنَّ تبعيته يُرافقها العناء والاضطهاد والعار والسخرية والتمييز وسَلْب الحقوق. ومطلوب، إذاً، أن يتنازل المؤمن عن محبته لذاته بحيث يُنكرها تماماً كأنها غير موجودة. وهكذا يتخلَّى راضياً عن شهوات جسده وطموحاته الأرضية ويقبل التألُّم مع سيده كختم تبعيته.
هكذا فعل تلاميذه الذين بعد محاكمتهم وجَلْدهم «ذهبوا فرحين من أمام المجمع، لأنهم حُسِبوا مستأهلين أن يُهانوا من أجل اسمه» (أع 5: 42، من الإبركسيس)، وواحدٌ منهم هو بطرس، كتب مُشجِّعاً المؤمنين المتألِّمين: «كما اشتركتم في آلام المسيح، افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضاً مُبتهجين» (1بط 4: 13؛ من الكاثوليكون).
فالذين يعتزُّون بكرامتهم ومواقعهم الأولى، ولا يرضون لأنفسهم بالبذل والتعب وخدمة الآخرين وقبول الآلام بالرضا والشكر؛ لن تُغريهم دعوة المسيح، ولن تجد صداها في نفوسهم.
وإلى هذا اليوم، فنحن نرى من حولنا الذين يتحوَّلون من عقائد أخرى إلى المسيح، يُعانون الأَمَرَّين من الحُكَّام ومن الأهل الذين انقسموا عليهم. فإنْ نجوا من القتل، فالمطاردة والتنكيل والاعتقال في انتظارهم، ولا تترك لهم مفرّاً غير تَرْك العائلة، بل وهجرة الوطن بكامله إلى التغرُّب في أرض تقبلهم. فهم يتخلون عن الممتلكات والموقع ويسيرون وراء مُخلِّصهم حاملين صليبه الذي هو صليبهم. هؤلاء حسبوا النفقة جيداً عندما قبلوا دعوة الرب، ولم تكن نفوسهم ثمينة عندهم حتى يُتمِّموا بفرح سعيهم ويفوزوا بتبعية الرب.
يبقى الالتزام الثالث: بأنْ يُخلي المؤمن قلبه من محبة المال والممتلكات، رغم أن المال في حدِّ ذاته هو نعمة وعطية من الله يُشكَر عليها(2) على أن يظل خادماً طائعاً للمؤمن يُلبِّي حاجته ويفيض به خيراً على كل محتاج، فهو من الله وإليه، وألاَّ يُسمَح له أن يصير سيِّداً حاكماً وإلهاً يُعبَد؛ ذلك أنَّ مَن يحب ماله سينزلق إلى كل الشرور (1تي 6: 10)، وسيخفق حتماً في تبعية الرب، وسيرجع حزيناً خائباً مستعظماً الثمن كما فعل الشاب الغني رغم بدايته المُبشِّرة وتوقه للحياة الأبدية (مت 19: 22، مر 10: 22؛ لو 18: 23).
? مصاعب الطريق:
نعرف أنَّ الله هو الذي تكفَّل بقضية خلاص الإنسان. فهو الذي «أحبنا أولاً» (1يو 4: 19) ولم يقبل بموتنا، ودبَّر أَمْر انتشالنا من سقطتنا بموت ابنه ذبيحاً على الصليب وقيامته منتصراً، فأتاح لنا أن ننجو من الموت ونتمتع بالحياة الأبدية.
ولكن كان مطلوباً أيضاً من الإنسان لكي يخلص، أن يؤمن بالمخلِّص الوحيد ويطيع وصاياه. على أنَّ الطريق في كل الأحوال لم يكن سهلاً. فالقُوَى المتسلِّطة على الإنسان ليس هيِّناً عليها أن تُطلقه.
وهكذا صار عليه دائماً أن يختار بين طريقين: الحياة أو الموت (إر 21: 8)، وأن يُعلِن انحيازه لمَن هو الطريق والحق والحياة والقيامة والنور، وأن يقتدي بمَن هو خبز الحياة (يو 6: 35)، ومَن عنده الماء الحي الذي مَن يشرب منه لا يعطش إلى الأبد (يو 4: 14)؛ أو أن يظل أبداً خاضعاً لأهواء الجسد، ومحبة العالم، وتسلُّط رئيسه إبليس، ليذوق الموت في النهاية.
ويكشف الكتاب عن إخفاق الكثيرين في قبول دعوة المسيح. والرب وبَّخ كورزين وبيت صيدا وكفرناحوم لأنها لم تَتُب، رغم أنه صنع فيها أكثر قوَّاته، وأنبأ عن مصيرها الأليم في يوم الدين (مت 11: 20-24).
وكان أكثر الناس مقاومة له هم حَفَظَة الناموس ورجال الشريعة، أصحاب التديُّن الشكلي والحرفي، الذين خشوا أن يفقدوا مراكزهم وسلطانهم، وضللوا شعبهم، والرب نعتهم بالرياء والفساد ومقاومة الحق؛ بينما كان أكثر الذين تبعوه وفازوا بالخلاص، هم من بسطاء الناس وفقرائهم، والجُهَّال والضعفاء وأدنياء العالم والمُزدَرَى وغير الموجود (1كو 1: 28،27).
والرب كشف في تعاليمه عن مصاعب الطريق والعقبات أمام طاعة الله وقبولها. ففي مَثَل الزارع يُشير إلى هؤلاء اللاَّهين الشاردين الذين تعبُر عليهم كلمة الله فيخطفها العالم فلا تؤثِّر فيهم؛ أو العاطفيين الطيبين سريعي التأثُّر الذين لا تستقر الكلمة فيهم، لأن الآلام والضيقات تزيح تأثيرها المؤقت؛ أو هؤلاء المنشغلين بأمور الحياة الحاضرة وغرور الغِنَى والهموم المُصاحبة، وهذه كالأشواك تخنق الكلمة ولا تسمح بإثمارها.
? عن حساب النفقة:
ولإيضاح أهمية التدبُّر وحساب النفقة قبل القبول بعلاقة مع المسيح دون إدراك لمتطلباتها، فقد قدَّم الرب مثالين:
أولهما: عن مَن يريد أن يبني برجاً، فعليه أن «يجلس أولاً ويحسب النفقة، هل عنده ما يلزم لكماله؟ لئلا يضع الأساس ولا يقدر أن يُكمِّل» (لو 14: 29،28).
فالحياة المسيحية ليست بناء من طابق واحد وينتهي الأمر، ولكنها علاقة تبدأ صغيرة ثم تنمو لتتصاعد كبرجٍ عالٍ، طابقاً فوق طابق، وخبرات تتراكم، ومعرفة تتضاعف بكلمة الله، وانسلاخاً من العالم الحاضر، وارتباطاً أكثر بالأبدية، وثماراً للروح تتكاثر مرحلة بعد مرحلة، وتجارب تتوالى لتُوثِّق العلاقة مع المخلِّص.
فالذي يبني البرج عنده تصوُّر لشكله النهائي وتكلفته الكليَّة. فإنْ بدأ في البناء، ولم يكن معه المال والمواد والخبرات المطلوبة، فلن يُكْمِل ويصبح موضع سخرية الناس، وعلى المستوى الروحي فإنَّ فشله هذا يصير بهجةً لعدو الخير وأتباع الشر.
والمثال الثاني: عن أنَّ مَن يذهب للقتال ينبغي أن يكون مستعدّاً لكي ينتصر. فإنْ وجد أن إمكاناته لا تكفل له الغلبة، لأن الجانب الآخر أكثر قوةً وعتاداً، فالحل الأقل هو السعي للصُّلح لتفادي خسائر الهزيمة، إلى أن يكون قد استكمل استعداده، وعندها يدخل الحرب لينتصر؛ أي عندما يكون قادراً بالنعمة على غلبة أهوائه، ورافضاً لسيادة العالم ورئيسه، ويأتي ليتبع المخلِّص مؤمناً واثقاً لا ينظر إلى الوراء.
? وصايا ذهبية:
وفي أحاديث الرب العديد من التحذيرات والنواهي التي تضمن للسائرين في طريق الرب عدم النكوص أو الفشل في بلوغ الهدف، وضمنها:
1. «لا يقدر أحدٌ أن يخدم سيِّدَيْن» (مت 6: 24)، ذلك أن الإيمان يفترض أنَّ مَن يتبع الرب هو كلِّيّاً للرب وإلاَّ فهو ليس له. والعرج بين الفرقتين فشلٌ مُحقَّق، وإرضاء الأضداد أمر مستحيل؛ وواهم مَن يريد أن يحب الله والمال، أو الله والعالم، أو الله ونفسه. فالإنسان لن يستطيع، والله لن يقبل. وفي الرؤيا يقول الرب لملاك كنيسة اللاودكيين: «ليتك كنتَ بارداً أو حارّاً... أنا مُزمِعٌ أن أتقيَّأك من فمي» (رؤ 3: 16،15).
فإمساك العصا من المنتصف، والهرب من اتِّخاذ المواقف إلى جانب الحق، وتبنِّي الحياد بين الصواب والخطأ؛ هو موقف غير مسيحي، فضلاً عن أنه موقف لا أخلاقي. فالمؤمن منحازٌ بطبيعته لسيِّده وحده وإنجيله. والخاطئ الصريح أهون حالاً من المؤمن المدَّعي العارج بين الفرقتين. فالأول قد يتوب ويخلُص؛ أما الثاني فبشعوره ببرِّه وعدم حاجته إلى التوبة، قد يفقد فرصة الحياة.
2. «ادخلوا من الباب الضيِّق» (مت 7: 13؛ لو 13: 24)، فتبعية المسيح هي قبول بالدخول من الباب الضيِّق إلى طريق كَرِب لكنه يؤدِّي إلى الحياة الأبدية؛ وترك الباب الواسع والطريق الرَّحب لأهل العالم يمرحون فيه لينتهي بهم إلى الهلاك، وهذا هو الفرق.
3. «مَن أراد أن يُخلِّص نفسه يُهلكها، ومَن يُهلك نفسه من أجلي يجدها (فهذا يُخلِّصها أو يُحييها)» (مت 16: 25؛ مر 8: 35؛ لو 9: 24؛ 17: 33). فالذين رفضوا الرب كي يبقوا في تنعُّمهم ومحبتهم لأنفسهم والعالم، هم في الحقيقة اختاروا الموت؛ أما الذين أنكروا أنفسهم، وتنازلوا عن مكاسبهم الأرضية، فقد حفظوا أنفسهم للملكوت الأبدي.
ولكن، هل يستحق الأمر كل هذه الالتزامات والشروط؟
وهل لابد من الصليب والنير والباب الضيِّق وكل هذا العناء؟
نعم، يستحق. لأنه: «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟» (مت 16: 26؛ مر 8: 36؛ لو 9: 25). فنفوسنا عطية عظمى من الله، ومَن يحبها فهو يُهلكها في الحقيقة، ومَن يُبغضها أي يتصدَّى لانحرافها وخيانتها فهو الذي «يحفظها إلى حياةٍ أبدية» (يو 12: 25).
أما المتهرِّبون من الدعوة، والمعتذرون دائماً بما لا يـليق بقيمة الـداعي، فليس لهم مكـان في عشاء عُرْس الخروف (لو 14: 24؛ رؤ 19: 9).
ولكننا في كل هذا لسنا وحدنا. فالله الذي دعانا دعوة مقدسة، والذي بيَّن لنا مصاعب الطريق، هو الذي يقود مسيرتنا.
وعندما يقول: «احملوا نيري عليكم» (مت 19: 29)، فهو الشريك الأقوى بما لا يُقاس في حَمْل النير، وعندما نصلب نفوسنا معه يأتي لكي يحيا فينا (غل 2: 20)، وكما نختبر شركة آلامه نتمتَّع أيضاً بقوة قيامته (في 3: 10). ونعمته معنا في كل خطوة، وروحه يُثمر فينا ويُعزِّينا، وهو يُقاتل عنا ونحن صامتون (خر 14: 14)، «وغير المستطاع عنـد الناس مستطاع عند الله» (مـت 19: 26؛ مـر 10: 27؛ لـو 18: 27).
وتراجُع المسيحي عن السير في طريق المسيح يعني تخلِّيه عن مهمته ”كملح للأرض“ (مت 5: 13)، يُضفي على العالم صفاته النبيلة، ويُصلِح حياة مَن يختلط بهم، وينتشر ذاتياً بين الناس يجول يصنع خيراً كسيِّده. فعندما يرجع عن تعهُّده، ويتحلَّل من التزامه؛ يفقد موقعه في العالم، فلا يعتدّ بـه أحد، فهـو لم يَعُد يفيد بشيء، فيُطرح خارجاً لتدوسه الناس. ويا لبئس النهاية!
دكتور جميل نجيب سليمان
(1) باعتبار أنها محبة فطرية ومُفترَضة، وإن كانت أحياناً لا تتحقق، وقصص وحوادث الكراهية بين أفراد العائلة الواحدة تصدمنا كل يوم.
(2) الآباء إبراهيم وأيوب وغيرهم كانوا أغنياء، ولكنهم أحبوا الله أكثر من أموالهم. والقديس أنطونيوس باع كل ماله ووزَّعه على الفقراء وعاش باختياره فقيراً، ولكنه اجتذب بسيرته الملايين في كل العالم إلى حياة التكريس الكامل. وفي أيامنا هذه يوجد أغنياء كثيرون كرَّسوا معظم أموالهم في خدمة العالم بمكافحة الفقر والجهل والمرض.
