|
من تاريخ كنيستنا
|
|
|
في العدد الماضي (أكتوبر 2008، ص 40) قدَّمنا لسيرة البابا زخارياس بذِكْر طريقة اختياره وبدء الاضطهاد العنيف بعد 7 سنوات سلام، وذلك على يد الحاكم بأمر الله، وذكرنا طرفاً من سجايا وسمات شخصية البابا زخارياس من فم أساقفته. إلى المعتقل ثلاثة شهور:
أول تجربة أدَّت بالبطريرك
وكان البابا زخارياس، كما ذكرنا، رجلاً عفيفاً جداً مثل الخروف الوديع ولم يكن يقبل مالاً مقابل الرسامات. لذلك أرسله البابا إلى الأساقفة لكي يفحصوه ويُقرِّروا صلاحيته من عدمها. فرآه أحد الأساقفة واسمه ميخائيل أسقف سخا، وهو ابن شقيق البابا، وطلب منه مبلغاً من المال مقابل الأسقفية! فاعتذر يوحنا ووعده بالوفاء بعد تعيينه، فعمل ميخائيل على معاكسته، إلاَّ أن البطريرك لم يقطع أمله بالمرة بل وعده بالأسقفية بعد حين. لكن القس ألحَّ عليه بإجراء الرسامة حالاً، وهدَّده بأن يوقِع به إذا امتنع.
فازدرى به البطريرك لوقاحته وطرده. فأضمر له القس الشر. ولما كانت له كلمة في دوائر الحُكْم، عَزِمَ على تقديم شكواه للخليفة. فشعر بعض أراخنة الأقباط بذلك وأخذوا يُلاطفونه، وخافوا أن تؤول هذه الشكوى إلى موجة اضطهاد عنيف، فكتبوا له تزكية منهم وخطاباً إلى الأب البطريرك يطلبون منه تعيين يوحنا أسقفاً.
وكان البطريرك غائباً بوادي هبيب. وحدث أن تقابل القس يوحنا مع عدوه الأسقف ميخائيل، فلما علم بأمره خَشِيَ أن يُقابل الأب البطريرك فيرسمه، وسلَّم الراهب إلى بعض خفراء الأديرة من العرب. فأخذوه وألقوا به في بئر وصاروا يرجمونه بالحجارة ليقتلوه. لكن لحسن حظ هذا الراهب، وجد في قاع البئر شبه فتحة كبيرة استطاع أن يحتمي بها، فلم يُصبه ولا حجر واحد.
فلما سمع البطريرك الخبر، حمل التراب على رأسه ونتف شعر لحيته وحرم ابن أخيه على ما فعله بالراهب، وأرسل تلاميذه إلى البئر، وأصعدوا الراهب منه وعزَّوه. ووعده البطريرك بجعله أسقفاً على كرسي حينما يخلو. فصبر على خلو كرسي، إلى أن خلي كرسيان، ولكن لم يجعله البطريرك على أيِّ واحد منهما. حينئذ امتلأ الراهب حنقاً، فمضى إلى ”مصر“ (أي القاهرة) ليشتكي للحاكم بأمر الله، ووَشِيَ بالبطريرك أنه يُخاطب ملوك الحبشة (إثيوبيا) والنوبة ويكشف لهم كل ما يجري بالبلاد، ويُعرِّفهم سوء معاملة المسيحيين. فغضب الحاكم وأمر باعتقال البابا البطريرك وبعض الأساقفة، وألقاهم في السجن ثلاثة شهور، ثم طرح البطريرك بعد ذلك في السجن. وكانوا يهدِّدونه كل يوم بالحريق والرمي للأسود إن لم يدخل في دين الإسلام، ويعدونه أنه إن أجاب طلبهم نال مجداً عظيماً ويجعله الحاكم ”قاضي القضاة“. أما البابا البطريرك فلم يلتفت إليهم.
وحدث أن رجلاً مسلماً من المقدَّمين وذوي السمعة الحسنة لدى الحاكم، كان له صديق مسيحي عزيز جداً لديه، أُلقِيَ في السجن لأنه لم يُوفِ ديناً قدره ثلاثة آلاف دينار لديوان الحاكم، وتصادف أن يكون مكان اعتقاله مع البابا زخارياس. فلما توسَّط الصديق المسلم لإخراج صديقه المسيحي من الحَبْس، ردَّ عليه المسجون المسيحي: ”ما أقدر أن أخرج من السجن وأترك هذا الأب الشيخ البطريرك“. فدبَّر الرجل المسلم أن يتوسَّط لدى الحاكم ليُخرِج كل مَن في هذا السجن حتى يخرج معهم الأب البطريرك والصديق المسيحي.
ثم اجتمع هذا الرجل بالحاكم، وكان قد قضى له خدمات كثيرة، فطلب منه أن يُخلي هذا السجن من نزلائه. وهكذا خرج الأب البطريرك، وفرح الأقباط فرحاً عظيماً، وأشاروا على البابا البطريرك أن يمضي إلى وادي هبيب لئلا يرجع الحاكم عن أمره ويكتشف أنه خرج سهواً عن الحاكم. فسمع البابا مشورتهم وسار لوقته إلى وادي هبيب، فأقام في أديرته تسع سنوات.
البابا زخارياس في وادي هبيب
2 - حالة الأقباط والأديرة:
+ يذكر كاتب ”تاريخ البطاركة“ أن معظم الأساقفة كانوا مقيمين مع البطريرك في دير أنبا مقار لخوفهم من الإهانة والتعب.
+ كما يذكر أن معظم المسيحيين كانوا يأتون إلى البرية مرتين في السنة وهما: في عيد الغطاس، وفي عيد القيامة. وكانوا يشتهون التناول من القربان ”كما يشتهي الطفل اللبن من ثديي أمه“.
+ وكان على المسيحيين في هذه التسع السنين ضيق عظيم وطرد وشتم ولعن من المسلمين، وكانوا يبصقون على وجوههم. وكان أكثر ما يفعلون هذا في مدينة تنِّيس وأعمالها. وإذا عَبَرَ مسيحي عليهم يشتمونه ويقولون: ”اكسرْ هذا الصليب (الذي أمر الحاكم بأمر الله أن يلبسه المسيحيون حول أعناقهم)، وادخلْ في الدين الواسع“؛ وإن نَسِيَ مسيحي صليبه ومَشِيَ بلا صليب كان يواجه إهانات كثيرة!! (أي أنه حتى حينما ينسى المسيحي علامة مسيحيته لم يكن ينجو من الإهانات)!!
+ ويُسجِّل كتاب ”تاريخ البطاركة“ أنه في هذه التسع السنين ”التي كان فيها الأدب من الرب“ (لاحِظ اللغة التي يصف بها المؤرخ الاضطهاد العنيف الواقع على الأقباط)، كان هناك ثلاث سنين منها لم يقدر أحد أن يعمل فيها ”ضورون“ (النُّطق العربي للكلمة القبطية اليونانية doron أي ”قربان“ أي ذبيحة جسد المسيح ودمه الأقدسين)، أي لم تكن هناك قداديس تُقام في بلاد مصر إلاَّ في الأديرة فقط. ولذلك كانوا يتوجَّهون لدير القديس أنبا مقار في عيدَي الغطاس والقيامة لتناول الأسرار المقدسة.
وكما يقول المؤرخ إن المؤمنين الأخيار لم يصبروا على البُعد عن الأسرار المقدسة، وكانوا يسألون الولاة ويرشونهم بالدنانير الكثيرة والهدايا حتى يسمحوا لهم أن يتقرَّبوا في الليل سرّاً في الكنائس المهدَّمة الشاسعة، ويبيتوا في ليالي الأعياد الكبار ليُصلُّوا القداديس ويتقرَّبوا من الأسرار ليلاً. وكانت كسوة المذبح والآنية الكنسية مخبَّأة في بيوتهم، وكانت الكتب المقدسة (المخطوطة) قد أُحرقت.
+ وبعد ثلاث سنوات أُخر، بدأ الأقباط يُعمِّرون الكنائس في البيوت ويدشِّنونها سرّاً ثم يصلُّون فيها ويتقرَّبون من الأسرار المقدسة. لكن رئيس الشرطة كان يكتب للسلطان الذي هو الحاكم بأمر الله بأن المسيحيين قد بنوا كنائس في مصر (القاهرة) والريف (باقي الأقاليم) سرّاً ويتقرَّبون فيها. أما الحاكم بأمر الله فكان يتغافل عنهم.
+ وبعد ذلك تقدَّم إلى الحاكم بأمر الله جماعة من المسيحيين الذين أسلموا وقالوا له: ”تُعيدنا إلى ديننا المسيحي“. فردَّ على كل واحد منهم: ”أين زنَّارك (المِنْطقة التي يلفها على حقويه)، وصليبك (الصليب الخشبي الثقيل الذي يحمله على عنقه)، وغيارك (نوع الملابس التي حكم عليهم بلبسها)“, فأخرج كلٌّ منهم هذه الأشياء من تحت ثيابه. فأمر الحاكم بأمر الله بلبس ثيابهم العادية بين يديه. وأرسل مع كل واحد ”ركابي“ أي مندوب يكتب له سجلاً يكون بيده بأن لا يعترض أحدٌ عليه. فعاد كثيرون مِمَّن أسلموا إلى دينهم.
3 - تعمير دير القديس مرقوريوس
بشهران (المعصرة حالياً):
+ وكان من جملة مَن أسلم ورجع إلى دينه، راهب اسمه بيمن عاد إلى دينه وسأل الحاكم أن يُمكِّنه من تعمير دير خارج مصر على اسم شهيد المسيح القديس مرقوريوس، وهو المسمَّى ”دير شهران“. فبناه وسكن فيه هو وإخوة له من الرهبان. وكان الحاكم بأمر الله يجيء إلى عندهم دفعات كثيرة ويُقيم هناك، ويأكل من طعامهم البسيط. وكان كل مَن له حاجة عند الحاكم يمضي إلى الراهب بيمن الذي كان يُخاطب الحاكم عند حضوره عنده فيقضيها له.
ولما رأى بيمن أنه قد صار له عند الحاكم حظوة وقول مقبول، ذكَّره بوضع البابا زخارياس البطريرك، وسأله الإذن في بناء الكنائس، فوعده بذلك. وأرسل الراهب بيمن للبطريرك زخارياس يلتمس منه الحضور من دير القديس أنبا مقار، وأخفاه عنده في دير القديس مرقوريوس بشهران إلى أن جاء الحاكم بأمر الله وتحاور مع الأساقفة والبطريرك (وقصة هذا اللقاء مع الحاكم بأمر الله ذكرناها في العدد الماضي من مجلة مرقس: أكتوبر 2008، ص 41-42).
4 - رجوع الحاكم بأمر الله
عن اضطهاده للمسيحيين:
ثم إن الحاكم بأمر الله عاد إلى البطريرك زخارياس والأساقفة الذين معه في دير القديس مرقوريوس ومعه سجل عظيم بفتح الكنائس كلها التي في مملكته وبعمارتها، وأن تُعاد لهم الأخشاب والأعمدة والطوب المأخوذ منها والأراضي والبساتين التي كانت لهذه الكنائس في كل أرض مصر. وكان هدم الكنائس (كما يُسجِّل تاريخها مؤرخ البطاركة) عام 721 للشهداء، ثم فُتحت وأُطلق عمارتها في سنة 736 للشهداء. وفي هذا السجل أُعفِيَ الأقباط من لباس الغيار وحمل الصليب، وسُمِحَ لهم أن يضربوا النواقيس في كل الكنائس بكل موضع كما كانت تجري عادتهم.
وسجَّل مؤرخ كتاب ”تاريخ البطاركة“ فرحة الأقباط بذلك بقوله: ”فيا له من فرح كان في ذلك اليوم لجميع المسيحيين الذين كانوا في أرض مصر“.
اختفاء الحاكم بأمر الله، واحتمال اغتياله:
وفي السنة التي كان فيها الخلاص وإطلاق تعمير الكنائس، حدث أمرٌ عجيب، ذلك أن الحاكم بأمر الله كان كعادته يطوف بالجبال الشرقية حيث جبل المقطم في الليل والنهار ومعه ثلاثة ركابية (أي سائقي حمير) أو رِكاب واحد. فلما كان في ليلة من الليالي، بلغ إلى حلوان ومعه ركابي واحد، فنزل عن دابته وقال للركابي: ”أوثق هذا الحمار“، ففعل كما أمره. ثم قال له: ”امضِ إلى القصر ودعني أنا ههنا“، فمضى كما أمره. فلما أصبح أهل القصر ولم يجدوه، فذهبوا يبحثون عنه في كل موضع ولم يُعرف له مكان أو وجود.
ويقول المؤرِّخون إنه اغتيل بإيعاز من أخته المُسمَّاة ”ست المُلْك“، لأنه كان قد شهَّر بشرفها قبل ذلك بقليل، فلما عرفت أنه ينوي الذهاب إلى المقطم في هذه الليلة، أوعزت إلى عَبْدَين ليختبئا في كهوف الجبل إلى أن وصل الحاكم بأمر الله، وفاجآه وهو وحده وليس معه سوى الركابي، فطرحاه أرضاً وقتلاه وقطعا ذراعيه، وشقَّا جوفه، واستخرجا أمعاءه، وقتلا الصبي الركابي، وحملا أشلاء الحاكم بأمر الله إلى سيدهما وكان يُدعَى ”ابن دواس“، الذي رافقهما إلى ”ست المُلْك“ وسلَّمها الجثة، فدفنتها، وأنعمت على ابن دواس بمال وتحف كثيرة. وقد قتلت بعد ذلك كل الذين عرفوا بأمر الجريمة، وادَّعت أن أخاها سيغيب ولكن سيُبلِّغها بتعليماته.
+ والذين يدَّعون أنه تنصَّر واختفى في دير القديس مرقوريوس بشهران (المعصرة) حالياً، لا يستندون على أية وثيقة تُثبت ذلك. وليس هناك أية كرامة للأقباط ولا للكنيسة أن يكون مثل هذا الرجل أحد أتباع المسيحية.
+ على أنه هناك روايات أخرى كثيرة تحكي قصة قتله، وهي وإن اختلفت في بعض التفاصيل، لكنها تُجمِع على أن قاتله هو ”ابن دواس“، وإن اختلفت في أمر المُحرِّض على القتل. ولكن كل طاغٍ لابد أن يأتي يوم اغتياله على يد هذا أو ذاك. فالذي قتل عشرات الآلاف من رجاله وقادة حُكْمه، لابد أن يخرج من ذويهم مَن ينتقم لقتل وليِّهم. وهذا ما علَّمه لنا التاريخ.
الرب يتمجَّد بعجيبة
حدثت في حياة البطريرك:
في نهاية سيرة البابا زخارياس ذكر كاتب سيرته هذه العجيبة: إن أنبا مرقوريوس أسقف تلبانة كان قد ابيضَّ جسمه من البَرَص، فحضر عند البابا زخارياس بدمرو (مقر البطريركية أيام البابا زخارياس، وهي مدينة قريبة من المحلة الكبرى) في يوم أحد، وهو يشكو له ويطلب منه الصلاة من أجله. فقال له الأب زخارياس بتواضع وسكينة ووجع قلب: ”يا أخي أبَّا مرقورة أنا مُشارِك لك فيما أنت فيه، ولكن لا تكهن إلى أن يزول عنك البرص، حسب أمر الله لموسى النبي“. فبكى الأسقف وقال له: ”أعنِّي بصلواتك يا أبي القديس“.
ومضى الأسقف إلى كنيسة العذراء، وأخذ يُصلِّي أمام صورتها من يوم الاثنين إلى يوم الأربعاء وهو صائم. وفي الساعة التاسعة من يوم الأربعاء، أُرهق من الصوم فنام، ولكنه رأى يد العذراء تمتد من صورتها وتمسح جسمه. فاستيقظ وقد عوفي من مرضه. ثم أخذ خبزاً قليلاً وماءً، وأقام ثلاثة أيام في الكنيسة وهو يشكر الرب على ما أَنعَمَ به عليه. ثم توجَّه إلى الأب زخارياس وحكى له ما حدث. وحينئذ طلب البابا من الأسقف أن يُصلِّي القداس، ومجَّد الجميع الله صانع العجائب.
+ وتنيَّح الأب البطريرك في سنة 748 (أو سنة 745 في قولٍ آخر) للشهداء، يوم الثالث عشر من شهر هاتور 1032م. ودُفن في كنيسة الدرج (بابليون الدرج) بمصر القديمة. صلواته تكون معنا. آمين. +