دير القديس العظيم أنبا مقار
الصفحة الرئيسية  مجلة مرقس الشهرية - محتويات العدد

المصادر الأساسية لتعاليم الكنيسة الأرثوذكسية
- 1 -

تابع الاستعلان الإلهي
التسليم الرسولي
(أو التقليد الرسولي الكنسي)
(3)

1 - الاستعلان الإلهي (الوحي):
    أ - الكتاب المقدس.

   ب - التقليد.

2 - الليتورجية.

3 - المجامع.

4 - آباء الكنيسة.

5 - القديسون.

6 - القوانين الكنسية.

7 - الفن المقدس (الأيقونات).

 

يقول الأب متى المسكين في فاتحة كتابه ”الوحدة الحقيقية ستكون إلهاماً للعالم“:

[العقيدة في الكنيسة تعني وجود الكنيسة، فلأنه وُجدت عقيدة قبطية أرثوذكسية، وُجدت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. والعقيدة هذه، إذ لا تزال موجودة كما هي، فالكنيسة القبطية لا تزال قائمة كما هي أيضاً. وكل عقيدة ليست مجرد بنود أو مقولات أو قوانين، بل هي أولاً عبادة روحية وإيمان حي ذو سمات معينة واضحة ومميزة. وهذه السمات المعيَّنة والمميَّزة هي التي تعطي كل عقيدة طابعها الذي بقدر ما تتمسك به تحيا وتدوم، وإلاَّ فإنها تتغيَّر عن شكلها بل ويتغيَّر اسمها ويزول](1).

وهذا يعني أنه حيث لا تكون هناك عقيدة أرثوذكسية، فالكنيسة لا يمكن أن تضمن بالتالي شرعية وفاعلية الأسرار. وبالتالي، فهناك حقيقة مرتبطة بالحقيقة الأولى وهي: إنه بحسب تعليم آباء الكنيسة الأبرار، فالعقيدة الأرثوذكسية لا يمكن أن تنفصل عن الروحانية. فحيث تكون عقيدة خاطئة، فهناك توجد بالضرورة روحانية خاطئة، والعكس بالعكس.

والبعض يفصلون - سواء عن حُسن نية أو غيرها - بين العقيدة والتقوى، ولكن هذا خطأ فادح.

يقول الرب يسوع المسيح: «كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل» (مت 5: 48)، وكأنه بهذا يقول ضمناً إن الشخص يجب أن يعرف ما هو المقصود بالكمال. وهكذا، فإن المسيحي الأرثوذكسي يعرف جيداً أن مقياس شرعية الأسرار هو ”العقيدة الأرثوذكسية“.

فالتقوى الصحيحة والعقيدة الصحيحة هما وجهان لحقيقة واحدة لا يمكن فصلهما الواحدة عن الأخرى. فحيث يوجد تعليم أرثوذكسي صحيح، هناك أيضاً توجد - بالضرورة - الحياة والممارسة الأرثوذكسية الصحيحة. فالأرثوذكسية كما أنها تعني التعليم الصحيح، فهي تعني التمجيد الصحيح لله، وكذلك الطريق الصحيح، أي الممارسة الصحيحة للتقوى.

والكنيسة المجاهدة على الأرض هي الكنيسة الأرثوذكسية. والعقيدة الأرثوذكسية وتعليم الإنجيل هما واحد ونفس الشيء، لأن العقيدة موجودة في الكتاب المقدس وهي مستمدة منه. لذلك، فعلى كل أرثوذكسي أن يدقِّق فيما يسمعه من على المنابر ويقرأه في الكتب والمجلات ما يمسُّ العقيدة الأرثوذكسية، ويعرف خطورة الانحراف عن العقيدة، لأن هذا الانحراف لابد سيمسُّ حياته الروحية والتقوى التي لابد أن يتأصَّل فيها.

وديعة الإيمان والتقليد المقدس:

الإيمان هو المحور والقوة التي تصيغ التقليد المقدس. وفي حديثنا عن التقليد المقدس نفترض وجود ثلاثة عناصر:

1 - واهب التقليد أو التسليم،

2 - العطية،

3 - مستلم التقليد، وحارس التقليد، وموصِّل التقليد.

أولاً: واهب التقليد أو التسليم:

الله الآب هو الواهب. وكلمة الله أيضاً هو واهب العطية باعتباره هو نفسه عطية الآب للبشر بالتجسُّد. والروح القدس أيضاً هو الواهب، لأنه في الروح منح الله من خلال كلمته القدوس موهبة الشركة في سرِّ مجده وملكوته، مستخدماً كأدوات للروح القدس، الأنبياء، والرسل، والقديسين، وخدَّام الكهنوت.

ثانياً: عطية الشركة في مجد الله:

وعطية الشركة في مجد الله من خلال ابن الله، في الروح القدس، قد أُنعم بها للأنبياء ولبعض من شعب الله في العهد القديم، ولكن كمال العطية تمَّ بتجسُّد كلمة الله.

وبالرغم من أن شعب الله في القديم كانت له شركة وسبق تذوُّق لمجد الله، إلاَّ أن الشيطان كان له السلطان عليهم من خلال الموت. وليس فقط الأثمة، بل وأيضاً الأبرار وأحباء الله في العهد القديم، كانوا واقعين جميعهم تحت سلطان الموت. لكن الموت أُبيد في المسيح، وذاك الذي له سلطان الموت - أي إبليس - جرَّده المسيح من سلطانه، الذي ساد ظلماً على الأبرار. وأبواب الجحيم - أي الموت - الذي ساد على كنيسة العهد القديم، كفَّ عن سلطانه عليها بقيامة المسيح، وبإبطاله الموت الأول.

وقبل التجسُّد، كانت الشركة في مجد الكلمة وملكوته، التي تمتع بها الأنبياء وبعض المؤمنين، مؤقتة؛ لكنها صارت دائمة في العهد الجديد بموت وقيامة كلمة الله المتجسِّد. وفي كِلاَ العهدَيْن القديم والجديد، كان مجد المسيح وملكوته ذا صبغة استعلانية للخلاص والتقديس. وهذه هي وديعة الإيمان والتقليد المقدس.

ثالثاً: مُستلم التقليد، وحارس التقليد، وموصِّل هذه العطية الإلهية:

هؤلاء هم: الأنبياء، والرسل، والقديسون في الكنيسة؛ وهؤلاء يعملون عملهم هذا بموجب شركتهم في الروح القدس، إنهم شعب الله الجديد، المؤمنون بالمسيح.

والقوة التي تجعل من الممكن تسلُّم وحراسة وتوصيل عطية الله الاستعلانية والمخلِّصة والمقدِّسة (أو وديعة الإيمان، أو نعمة الله)، هي نعمة ملكوت الله، من خلال كلمة الله المتجسِّد، وبواسطة الروح القدس.

هذه الوديعة وهذا الميراث ليس وديعة حجرية بلا حياة:

فهي ليست آثاراً حجرية ميتة أو مباني قديمة مدفونة تحت الأرض يحتفظ بها الأثريون من العصور الغابرة (كما ظن البعض منذ فترة).

ولكن كلمة الله، أعلن نفسه (بدون تجسُّد) للأنبياء في العهد القديم، ثم بالتجسُّد للرسل في العهد الجديد، الذي اسْتَعلَن في نفسه بالروح الله الآب، هذا الذي في الأيام الأخيرة وُلد إنساناً من الثيئوطوكوس القديسة العذراء مريم. لذلك فهناك حقيقة هامة عن التسليم الرسولي، أَلاَ وهي أنَّ:

المسيح هو نفسه الوديعة والميراث

«... المسيح، المذَّخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم» (كو 2: 2و3)

الذي تناقله وسلَّمه الآباء من جيل إلى جيل في سرِّ الإفخارستيا لشعب الله الجديد في الكنائس، والذين استودعوه للأساقفة والقسوس في وقت رسامتهم ووضع اليد عليهم، حتى من خلالهم تُحفظ الوديعة وتُحرس، وتوصَّل لشعب الله من أجل تقديس المؤمنين. لكن المسيح نفسه هو الذي في جسده السرِّي يجتمع ويتحد ويلتئم المؤمنون. المسيح هو الذي يوصِّل نفسه كوديعة (بواسطة أحبائه وملائكته). المسيح هو الكنيسة أو الكرمة، التي غرسها الله عن يمينه (أي من خلال مجده وملكوته)، فأباد ملكوت الموت، وأطلق سراح الموتى من الجحيم، ثم من خلال المعمودية أقام نفوس المؤمنين وطهَّرهم، وأنارهم وقدَّسهم. هذه النفوس صارت، بالمعمودية، أغصاناً في الكرمة، والآب هو الكرَّام. والله من خلال كلمته المتجسِّد في الروح القدس، جعل هذه الأغصان قادرة على النمو والإثمار، ليس ضد إرادتها؛ بل على العكس، بمشاركة وتعاون بين مشيئتها والنعمة.

أما الأغصان العديمة الثمر والجافة والتي يقطعها الكرَّام، فهي لا تعود حاملة الوديعة، حيث لا يمكن أن تكون الوديعة كرمة ميتة، حيث إن الكرمة تُعرف بأغصانها المثمرة (وهؤلاء هم الأعضاء الأحياء في جسد المسيح كلمة الله الكرمة الحقيقية، مع قديسيه ومؤمنيه الذين قد تطعَّموا في الكرمة أي جسد المسيح السرِّي وتذوَّقوا عربون ملكوته).

وكل ما توضَّح سابقاً، إنما يقودنا إلى نتيجة هامة، أنه إن كان يجب علينا فهم صحيح صادق للتقليد المقدس أو الوديعة، فنحن محتاجون أن نحدد:

1 - مَن هو، وكيف يصير كلٌّ من: مستلم وديعة الإيمان، وحارس الوديعة، وموصِّل الوديعة؟

2 - كيف يجب عليه أن يستلم، ويحرس، ويوصِّل؟ (يتبع)

 


(1) كتاب: ”الوحدة الحقيقية ستكون إلهاماً للعالم“، دير القديس أنبا مقار، 1984، ص 5.