دراسة الكتاب المقدس



سفر التثنية
سفر توصيات موسى الوداعية لبني إسرائيل
- 35 -


(تابع)
تفاصيل العهد وشروطه
(12: 1 - 26: 19)
أولاً: الأحكام المتعلقة بالعبادة
(12: 1-16: 17)


(تابع)
الأصحاح السادس عشر

(تابع) الأعياد الثلاثة الكبرى
(16: 9-17)

ثانياً: عيد الأسابيع أو عيد الخمسين:

+ «سبعة أسابيع تَحسب لك من ابتداء المنجل في الزرع تبتدئ أن تحسب سبعة أسابيع. وتعمل عيد أسابيع للرب إلهك على قدر ما تسمح يدك أن تُعطي كما يُباركك الرب إلهك. وتفرح أمام الرب إلهك أنت وابنك وابنتك وعبدك وأَمَتك، واللاويُّ الذي في أبوابك، والغريب واليتيم والأرملة الذين في وسطك في المكان الذي يختاره الرب إلهك ليحلَّ اسمه فيه. وتذكُر أنك كنتَ عبداً في مصر، وتحفظ وتعمل هذه الفرائض» (16: 9-12).

هذا هو ثاني الأعياد الكبرى، وهو عيد الأسابيع، الذي يُدعى أيضاً عيد الحصاد، كما جاء في سفر الخروج: «وعيد الحصاد أبكار غلاَّتك التي تزرع في الحقل» (خر 23: 16)، وهو أيضاً عيد الباكورات، كما يتضح ذلك أيضاً من سفر الخروج عند قوله: «وتصنع لنفسك عيد الأسابيع أبكار حصاد الحنطة» (خر 34: 22)، وكذلك في سفر العدد عند قوله: «وفي يوم الباكورة حين تُقرِّبون تقدمة جديدة للرب...» (عد 28: 28).

وقد دُعِيَ أيضاً فيما بعد ”عيد الخمسين“ نسبةً لِمَا جاء في سفر اللاويين بقوله: «ثم تحسبون من غد السبت من يوم إتيانكم بحزمة الترديد سبعة أسابيع تكون كاملة، إلى غد السبت السابع تحسبون خمسين يوماً...» (لا 23: 16،15). ويأتي هذا العيد في نهاية موسم حصاد القمح، لذلك يُعتبر من وجهة معينة أنه احتفالٌ بغِنَى سخاء عناية الله في تدبيره لمؤونة البشر من الحبوب في موسم حصاد القمح؛ وإن كان أساساً يحمل مغزىً روحياً، تذكاراً لإعطائهم الناموس على جبل سيناء، بعد خمسين يوماً من خروجهم من أرض العبودية. لذلك فقد كان يأتي بعد خمسين يوماً من عيد الفصح وعيد الفطير اللذين كانا تذكاراً لخروجهم من مصر. وكأن عيد الفصح وعيد الفطير كانا يُمثِّلان استعداداً وتمهيداً لعيد الخمسين.

فعيدا الفصح والفطير كانا يُحدِّدان بدء حصاد الشعير، وعيد الخمسين الانتهاء من حصاد القمح بعد سبعة أسابيع، حسب قول الكتاب: «سبعة أسابيع تحسب لك من ابتداء المنجل في الزرع (أي من بدء الحصاد) تبتدئ أن تحسب سبعة أسابيع. وتعمل عيد أسابيع للرب إلهك» (تث 16: 10،9). وحيث إنه عيد احتفال بسخاء الله وعنايته باحتياج البشر إلى خبز الجسد، لذلك يُوصي الرب بأن يحتفل كل واحد بهذا العيد «على قدر ما تسمح به يدك أن تُعطي كما يُباركك الرب إلهك» (16: 10). فهو عيد عطاء وسخاء، فيه يُقدِّم كل واحد تقدمةً اختيارية على قدر سخاء الرب وبركته له، دون تحديدٍ لشيء، أنه بكامل حريته، ومسرَّة قلبه، لأن «المُعطي المسرور يحبه الرب»، إذ هو عيد شكر لله على غِنَى نعمته.

وعيد الأسابيع، كغيره من الأعياد الكبرى الثلاثة، كان فرصة ليفرح فيها العابدون ويتمتعون معاً في وليمة جماعية أمام الرب وفي حضرته، يُشركون فيها كل أفراد الأسرة مع الخدم والعبيد واللاوي والغريب واليتيم والأرملة، الذين في وسطهم، وذلك «في المكان الذي يختاره الرب إلهك ليحلَّ اسمه فيه» (16: 11).

ويتضح هنا أن التركيز ليس على تفاصيل طقوس الاحتفال بالعيد - كما في الأسفار الثلاثة السابقة - بل على ما يُقدِّمه كلُّ إسرائيلي، وما يجب عليه أن يهتم به بأن يُشْرِك المحيطين به في الاحتفال بالعيد، من أجل بركة الرب عليهم في الأيام المقبلة في أرض الموعد، ومن أجل أن تكون هذه الأعياد فرصةً للحج إلى ذلك الموضع المقدس الذي سيختاره الرب ليحلَّ اسمه فيه. وليس ذلك فقط، بل لكي تكون هذه الفرص مُذكِّراً مستديماً لهم بأنهم يُمثِّلون معاً أُمةً مقدسةً، وشعب الله المختار. وهكذا يزداد تماسُك جماعة العهد وترابُطها معاً سنة بعد سنة من خلال اجتماعهم واحتفالهم معاً بهذه الأعياد، مهما ازداد تعدادهم وتباعدت أماكن سكناهم في أرض الموعد.

وفي وسط الاحتفال المُبهج، لا ينسى موسى أن يجعلهم يذكرون دائماً هذه الحقيقة: «وتذكر (دائماً) أنك كنتَ عبداً في مصر، وتحفظ وتعمل هذه الفرائض» (16: 12). فلابد أن يذكروا سنوات العبودية حتى تقودهم ذكرى هذه السنوات وخبرات إسرائيل خلالها، إلى العديد من التأثيرات التي تنعكس على معاملاتهم مع العبيد والغرباء والنزلاء والأرامل والأيتام، من حيث العطف عليهم ومشاركتهم في ضيقتهم. ويرمز عيد الأسابيع أو عيد الخمسين في العهد القديم، إلى عيد الخمسين أو عيد حلول الروح القدس في عهد النعمة. ويُعلِّق على ذلك القديس كيرلس الكبير قائلاً:

[يُعطينا النص تصويراً مُسبقاً للخمسين المقدسة عندما يقول إنه يجب أن يحسبوا سبعة أسابيع من يوم إتيانهم بحزمة الترديد (التي كانت تُقدَّم في أول أيام الفطير كباكورة لحصاد الشعير – لا 23: 15،10)، (وفي اليوم الخمسين يُقرِّبون تقدمة جديدة للرب)، لأنه بالحقيقة، بعد قيامة المخلِّص ننتظر سبعة أسابيع إلى أن نحتفل بهذا العيد](1).

كما علَّق على ذلك أيضاً القديس يوحنا كاسيان قائلاً:

[لقد تحقَّقت بوضوح عدد (الأسابيع التي تسبق) هذا الاحتفال بالعيد، الذي نقرأ عنه بالرمز والمُشار إليه قبلاً في العهد القديم، عندما أُمروا بأن يُقدِّموا في نهاية السبعة أسابيع، الخبز المصنوع من الباكورات للرب بواسطة الكهنة (انظر لا 23: 16،15). وقد عُرف عن ذلك بكل صدقٍ، أنه قد قُدِّم للرب بواسطة كرازة الرسل، الذين قيل عنهم أنهم وعظوا الشعب في ذلك اليوم («وانضم في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس» - أع 2: 41). هذا هو الخبز الحقيقي من باكورة الثمار، الذي قُدِّم في بداية التعليم الجديد عندما امتلأ خمسة (ثلاثة) آلاف نفس من موهبة هذا الغذاء الذي قدَّس وكرَّس للرب شعباً مسيحياً مولوداً جديداً من اليهود](2).

وقد أشار إلى ذلك أيضاً العلاَّمة أوريجانوس بقوله:

[كان عليهم أن يُقدِّموا تقدمةً من باكورات غلات الحصاد. وأظنكم تذكرون أن الناموس كان يطلب ذلك منهم لكي يُقدِّموه في يوم الخمسين. وواضح أنه قد أُعطِيَ ذلك لهم كرمز، ولكن الحقيقة قد حُفظت لنا، لأنه في يوم البنتيقسطي (الخمسين) بعد أن قدَّموا تقدمات صلواتهم، تقبَّلت كنيسة الرسل باكورات حلول الروح القدس](3).

ثالثاً: عيد المظال أو عيد الجمع:

+ «تعمل لنفسك عيد المظال سبعة أيام عندما تجمع من بيدرك ومن معصرتك. وتفرح في عيدك أنت وابنك وابنتك وعبدك وأَمتك واللاويُّ والغريب واليتيم والأرملة الذين في أبوابك. سبعة أيام تُعيِّد للرب إلهك في المكان الذي يختاره الرب، لأن الرب إلهك يُباركك في كل محصولك وفي كل عمل يديك فلا تكون إلاَّ فرحاً» (16: 13-15).

هذا هو العيد الثالث من الأعياد الثلاثة الكبرى التي يلزم أن يحج فيها كل إسرائيلي بالغ إلى الموضع المقدس الذي يختاره الرب لكي يحلَّ اسمه فيه. وقد ورد ذكره من قبل في (خر 23: 16؛ 34: 22؛ لا 23: 33-36؛ 23: 39-43؛ عد 29: 13،12). وقد سُمِّي أيضاً عيد الجمع، أي موسم جمع كل المحاصيل: «من بيدرك ومن معصرتك»، حيث يُجمع العنب والزيتون والبلح والتين، وذلك في أواخر الصيف وأوائل الخريف في شهرَي سبتمبر وأكتوبر. ومحور الاحتفال بهذا العيد هو تقديم الشكر للرب بالفرح والتسبيح على كل خيراته التي أغدقها عليهم من ثمار الأرض، ومن أجل بركة الرب الإله في كل محاصيل أرض الميعاد وفي كل عمل أيديهم. ومما يلفت النظر هنا أن الرب يلزمهم بألاَّ يكونوا إلاَّ فرحين في هذا العيد، لأن الفرح قرين الشكر على بركة الرب واعتراف بفضله.

ولم يُذكر هنا بالتحديد موعد هذا العيد، ولكنه ذُكر في سفر اللاويين أنه يُحتفل به من اليوم الخامس عشر من الشهر السابع حتى اليوم الحادي والعشرين منه، وينتهي في اليوم الثامن بمحفل مقدس. وأهم ما يُلفت النظر أيضاً اهتمام الرب دائماً بأن يُشركوا معهم في الاحتفال بأعيادهم «العبد والأَمة واللاويُّ والغريب واليتيم والأرملة الذين في أبوابك». فالله دائماً نصير المساكين، وهو يقول في سفر الأمثال: «مَن يرحم الفقير يُقرِض الرب، وعن معروفه يُجازيه» (أم 19: 17)، كما قال الرب يسوع: «بما أنكم فعلتموه (من الرحمة) بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم» (مت 25: 40). فهو يحسب المسكين والغريب واليتيم والأرملة كأنهم شخصه، فكلُّ ما يعمل لهم من رحمة فقد عملها لشخص المسيح نفسه. كما أن الكنيسة - في أوشية الأهوية والأثمار - تطلب من الرب أن يُبارك إكليل السنة بصلاحه قائلة:

[من أجل فقراء شعبك، من أجل الأرملة واليتيم والغريب والضيف، ومن أجلنا نحن كلنا الذين نرجوك ونطلب اسمك القدوس، لأن أعين الكل تترجاك، لأنك أنت الذي تُعطيهم طعامهم في حين حسن](4).

وما هو جدير بالذكر أن هذا العيد قد دُعِيَ بعيد المظال لكي يتذكَّر الشعب دائماً الأيام التي عاشها بنو إسرائيل في مظالٍ في البرية أربعين سنة بعد خروجهم من أرض مصر، لذلك كانت توصية الرب لهم أن يسكنوا في مظال في هذه الأيام السبعة، تذكاراً لتلك الأيام، كما جاء في (لا 23: 41-43).

أما الفرح في العبادة أمام الرب وفي موضع قدسه، فكان من أهم مظاهر هذا العيد. ففي محضر الله ينتبه العابد إلى المراحم التي أسبغها الله عليه في الماضي، والغفران الذي يتمتع به في الحاضر، والبركة التي ينتظرها في المستقبل، فمن الطبيعي أن يشعر بالفرح العميق مقترناً بالشكر على نِعَم الرب الجزيلة المعطاة له.

وسوف نرى في ختام سفر التثنية هذا، كيف «كتب موسى هذه التوراة وسلَّمها للكهنة بني لاوي حاملي تابوت عهد الرب، ولجميع شيوخ إسرائيل. وأمرهم موسى قائلاً: في نهاية السبع السنين في ميعاد سنة الإبراء في عيد المظال، حينما يجيء جميع إسرائيل لكي يظهروا أمام الرب إلهك في المكان الذي يختاره، تُقرأ هذه التوراة أمام كل إسرائيل في مسامعهم» (تث 31: 9-11).

توصية عامة تشمل الثلاثة الأعياد الكبرى معاً (16: 17،16):

+ «ثلاث مرات في السنة يحضر جميع ذكورك أمام الرب إلهك في المكان الذي يختاره في عيد الفطير وعيد الأسابيع وعيد المظال. ولا يحضروا أمام الرب فارغين. كل واحد حسبما تُعطي يده كبركة الرب إلهك التي أعطاك» (16: 17،16).

هذا تأكيد لضرورة حضور جميع ذكور بني إسرائيل أمام الرب في الموضع المقدس للاحتفال بهذه الأعياد الثلاثة. ونُلاحظ أن الأمر بحضور الذكور لا يمنع من حضور الإناث إذا أردن. ولعل الرب لم يؤكِّد على حضورهن تقديراً لظروفهن الخاصة.

ولا شكَّ أنه كان لاجتماع شعب الله معاً في مكان واحد ثلاث مرات في السنة حِكَم ثمينة، منها: أنها تشير إلى وحدة إيمانهم، وإلى التفافهم حول إله واحد هو الرب يهوه الذي يعبدونه؛ كما كانت أيضاً فرصة لاستماعهم إلى شريعة الرب ومراجعة حياتهم وأعمالهم بموجبها.

كما يوصيهم ألاَّ يحضروا إلى أعياده فارغين، بل يحملوا معهم قرابينهم ونذورهم وعطاياهم السخية، «كل واحد حسبما تُعطي يده». ويُعلِّق على ذلك أحد آباء الكنيسة الأوائل هو الأب باتيريوس قائلاً:

[إن الذي يظهر فارغ اليدين في حضرة الرب، هو ذاك الذي لا يُحضر معه ثماراً من تعب يديه، مثل واحد يشتعل رغبةً من أجل ازدياد قُوَّته، وآخر يلهث جرياً وراء الشهرة. إلاَّ أن الإنسان حينما يموت يترك كل شيء خلفه ويظهر أمام الرب خالي الوفاض، وفارغ اليدين، لأن أحداً لا يقدر أن يُحضر معه شيئاً حينما يظهر أمام الديَّان. لذلك ينصحنا الناموس أن نعمل أعمالاً صالحة حينما يقول لنا: «لا تظهروا أمام الرب فارغين» (تث 16: 16). لأن الإنسان الذي لا يعمل حساباً للمكافأة من أجل العمل الصالح، يظهر أمام الرب فارغ اليدين. لذلك يقول المرتِّل عن الرجل البار: «يعودون بالفرح حاملين أغمارهم» (مز 126: 6 - سبعينية). فأولئك الذين يأتون إلى كرسي الديَّان حاملين ثمار أتعابهم، هم أولئك الذين حرصوا في أنفسهم أن يعملوا أعمالاً صالحة يستحقون بها الحياة الأبدية](5).

لذلك يوصينا الرب يسوع قائلاً: «بيعوا مالكم وأعطوا صدقة. اعملوا لكم أكياساً لا تَفْنَى وكنزاً لا ينفد في السموات، حيث لا يقرب سارق ولا يُبلي سوس. لأنه حيث يكون كنزكم هناك يكون قلبكم أيضاً» (لو 12: 34،33).

(يتبع)

(1) Glaphyres, LXIX, 1097A.
(2) John Cassian, Conferences, 21,20,2, ACW 57:73A.
(3) Origen, Homilies on Leviticus 2.2.5, FC 83:42.
(4) الخولاجي المقدس - ختام أواشي المياه والزروع وأهوية السماء وثمرات الأرض.
(5) Paterius, Exposition of the O.T. & N. T., PL 79:77.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis