دير القديس العظيم أنبا مقار
الصفحة الرئيسية  مجلة مرقس الشهرية - محتويات العدد

مقالات تعليمية

المصادر الأساسية

لتعاليم الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية

- 7 -

 

الفن الكنسي المقدس

(الأيقونات - الألحان -

المعمار الكنسي... إلخ)

 

1 - الاستعلان الإلهي (الوحي): أ - الكتاب المقدس، ب - التقليد؛ 2 - الليتورجية؛ 3 - المجامع؛

4 - آباء الكنيسة؛ 5 - القديسون؛ 6 - القوانين الكنسية؛ 7 - الفن المقدس (الأيقونات).

الفن الكنسي أداة في يد العابدين لتمجيد الله وللتعبير عن التقليد المسيحي والتعليم الأبوي لآباء الكنيسة والمجامع المقدسة.

وهذا التقليد الفني قائم ومؤسَّس على تعليم الكنيسة الأرثوذكسية عن موهبة الإبداع التي وضعها الله في نفس المؤمن المسيحي ليُعبِّر بها عن محبة الله للإنسان والعالم، وليرفع من خلالها التمجيد لله على هذه المحبة.

الأيقونات:

ولأن الإنسان مخلوقٌ حسب صورة الله ومثاله (تك 1: 27،26)، ولأن الله هكذا أحب الإنسان والعالم، إذ خلقه وخلَّصه ومجَّده بمجيئه وسطه في ابنه يسوع المسيح والروح القدس؛ فإن التعبيرات الفنية للإنسان والبركة والإلهام الآتي له من الله، تحوَّلا إلى إبداع فني مقدَّس، قادر أن يُعبِّر بحقٍّ عن أعمق الحقائق المختصة بالرؤية المسيحية لله، والإنسان، والقداسة.

والأيقونة هي أسمى إنجاز فني في الأرثوذكسية. إنها إعلان الإنجيل المقدس، ووسيلة تعليم العقائد، وإلهام روحي مُعبَّر عنه بالألوان والخطوط.

إنها أيضاً الكتاب المفتوح المقروء حتى من الأُمِّيين، تعلِّمهم معظم بنود الإيمان لِمَن يعرف كيف يقرأها. لذلك يلزم توفُّر شروط كثيرة للأيقونة لتكون كتاباً مفتوحاً من الجميع: المتعلِّم والأُمِّي، المتخصِّص والعامي... إلخ.

إن الأيقونة أيضاً هي إطلالة على السماء، نافذة مفتوحة على الأسرار السماوية ليقرأها ويتعلَّم منها المؤمن، لأن راسم الأيقونة يلتزم بتقليد صارم وبأسلوب قاسٍ؛ إذ يجب أن يكون رجل صلاة وصوم، يمارسهما قبل وأثناء ما يتقدَّم لرسم الأيقونة، دارساً جيداً للإنجيل بكل دقائقه وتفاصيله، واضعاً في اعتباره أن ”قارئ“ الأيقونة سيرى فيها حضوراً حقيقياً سرائرياً للشخص أو الأشخاص أو الأحداث المصوَّرة فيها. كما يجب أن يكون دارساً العقيدة الأرثوذكسية وعلم اللاهوت الأرثوذكسي في عمقه وأصالته ومن مصادره الأساسية، لأنه سيجعل الأيقونة شاهداً وشارحاً وموضِّحاً التقليد والتعليم العقائدي للكنيسة.

لذلك، فالأيقونة الأرثوذكسية التقليدية ليست مجرد صورة دينية. إنها ليست مجرد تصوير لقديس أو قديسة مسيحية أو حَدَث من تاريخ الكنيسة كأنها ناسخة فوتوكوبي؛ بل هي - على العكس تماماً - التعبير عن الحقيقة الأبدية والإلهية ومغزاها، والغرض والهدف من تصوير الشخص أو الحَدَث.

وفي جوِّ الحرية الموهوبة من الإلهام الإلهي لراسم الأيقونة، يستطيع الراسم أن يُصوِّر موضوعها باعتباره موضوعاً إنسانياً، لكنه في نفس الوقت ممتلئاً من المسحة الإلهية؛ فهو من الأرض، لكنه في نفس الوقت يشدُّ القارئ إلى السماء؛ ماديٌّ، وفي نفس الوقت روحيٌّ؛ سواء كانت تُصوِّر استشهاداً أو صليباً، ولكنه ممتلئ نعمةً ونوراً وسلاماً وفرحاً، هو فرح القيامة والتجلِّي.

بهذه الطريقة تصير الأيقونة تعبيراً عن ”الواقعية“ المسيحية أكثر من كونها صورة فوتوغرافية لشخصٍ أو حدث من التاريخ، أو لوحة فنية من كبار الفنانين الإيطاليين أو غيرهم ما تزخر بمثلها المكتبات وكثير من الكنائس.

وبهذه الأوصاف الفريدة للأيقونة المسيحية بمختلف أنواعها، ومن خلال تشكيلها وأسلوب وطريقة تصويرها، بالإضافة إلى مضمونها الواقعي واستعمالها في الكنيسة؛ تصير مصدراً لا ينضب من الإعلان عن الإيمان الأرثوذكسي وتعاليمه.

الموسيقى الكنسية:

وكمثل فن الرسم، هكذا الفن الموسيقي في الكنيسة؛ يُضاف على الأيقونة كمصدر أساسي للتعبير عن مكنونات النفس المسيحية التقية الواقفة للصلاة في الليتورجية المقدسة، وهي تسمع نداء الشماس بين الحين والآخر صارخاً: ”قفوا بخوفٍ أمام الله...“، ”اسجدوا لله بخوفٍ ورعدة“... إلخ.

وهنا تقابلنا صعوبة أكثر، لأن إغراء جمال الصوت قد يتحوَّل إلى رخامة وطرب وروح غناء. ولا ننسى قول القديس أثناسيوس الرسولي: ”لا تُصلِّي بلذة بل بفهم“. وفي كنائس الأديرة كان الآباء القدامى يُحاصرون ”الصلاة بلذة“ أو برخامـة وطرب الصوت لتتوافق مع روح التقوى والمخافة واستمطار رحمة الله على المصلِّين.

وقد كان أبونا القمص متى المسكين يقول للكاهن الراهب الذي يُصلِّي القداس في مغارة وادي الريان: ”إبقى صلِّي يا أبونا... وأنت بتصلِّي“. وهكذا كان يفعل بعد مجيئه إلى دير القديس أنبا مقار، حتى صارت صلوات الليتورجية الإلهية حقاً بمثابة وقوف في السماء أمام العرش الإلهي المهوب الممتلئ رهبة، والمستوجب الخشوع والمخافة. لكن قد لا يجد كهنة المدن والقرى مَنْ يُنبِّههم إلاَّ ضمائرهم وحُسن إدراكهم لمعنى الصلاة أمام المذبح الإلهي في السماء، والقوات السمائية مجتمعة ربوات ربوات، والقديسون والشهداء والمعترفون من كل قبيلة ولسان واقفون معهم يُرتِّلون ويُسبِّحون أمام ابن الإنسان، كما رآه القديس يوحنا الرائي، فلم يحتمل فسقط عند رجليه كميت (رؤ 1: 17).

فن المعمار الكنسي:

لقد تطوَّر فن المعمار الكنسي منذ أن بُدئ ببناء كنائس، حيث إن المسيحيين في عصر الرسل ظلُّوا يُصلُّون داخل الهيكل اليهودي (اليهـود الذين آمنوا - أع 3: 1)، ثم بعد انفصال الكنيسة عن الهيكل اليهودي صاروا يُصلُّون في بيوتهم (أع 2: 1-4؛ 4: 23-31؛ أع 12: 12).

ولما اشتدَّ الاضطهاد صاروا يُصلُّون في السراديب تحت الأرض جنباً إلى جنب مع الموتى المدفونين فيها. لكن منذ عصر الملك قسطنطين بُدئ في بناء كنائس كثيرة.

وللكنيسة المسيحية تقليد خاص في بنائها، يختلف من قومية إلى قومية. أما الكنائس القبطية فقد جرى العُرف على بنائها على هيئة سفينة رمزاً إلى أنها مثل سفينة تُنجِّي المحتمين فيها من موت بحر هذا العالم. ورواق الكنيسة هو الاستعداد للدخول إلى السماء، وجناحا الكنيسة اللذان يُغطِّي كلٌّ منهما قبة يمثِّلان السماء بعينها. أما الهيكل وفوقه القبة الدائرية فهو يمثل ”قدس الأقداس“ أي موضع ترائي الله، وفي وسطه المذبح الذي يُمثِّله عرش الله في السماء.

إن هذا التصميم المعماري يُعلِّم المؤمنين أن الكنيسة هي مصعد إلى السماء حالما تبدأ الليتورجية الإلهية، وقد رأى منظر الليتورجية السمائية في السماء القديس يوحنا الرائي في سفر الرؤيا (الأصحاحان الرابع والخامس).

لهذا يبدأ قداس المؤمنين بنداء الكاهن: ”أين هي قلوبكم“؟ أو ”ارفعوا قلوبكم“. فيردُّ الشعب: ”هي عند الرب“. وتجري صلوات الليتورجية والكنيسة كلها واقفة - سرائرياً - في السماء أمام العرش الحقيقي، وفي وسطه المذبح الحقيقي الواحد الذي عليه الذبيحة الحقيقية الواحدة الدائمة إلى الأبد؛ يتناول منها المؤمنون الحياة الأبدية في شكل الخبز والخمر المتحوِّل سرائرياً إلى جسد ودم المسيح الأقدسَيْن الحقيقيَّيْن.

وبهذا يكون ملكوت الله قد أتى فعلاً - بالرجاء - في انتظار استعلان الدهر الآتي، بتجديد الأجساد واستعلان الخليقة الجديدة، وحيث يصير الله هو كل شيء في كل واحد.

*********************************************************

استمع إلى عظات الأب متى المسكين عن الكتاب المقدس:

73 / 18، 74 / 15

75 / 6، 77 / 14