|
دراسة الكتاب المقدس
|
|
|
مقدِّمة الحديث الثالث:
أتينا إلى الحديث الثالث والأخير في سفر التثنية الذي يتضمن ما سيفعله الله لإسرائيل في المستقبل، وما يتطلَّبه الله من إسرائيل، والذي على أساسه تنبَّأ موسى بما يترتب على ذلك من حلول البركات أو اللعنات إذا أطاع إسرائيل ما أوصاه به الله أو إذا عصاه.
وقد ذكرنا في المقدِّمة العامة للسفر أنه يُعتبر بمثابة مراجعة للعهد المُبرَم مع شعب إسرائيل عند جبل سيناء، وامتداد له، وترسيخ لأحكامه، وفي النهاية إقرار وتوثيق لبنوده.
وقد أكمل موسى كل ذلك في ثلاثة أحاديث تبدأ باستعادة الأحداث الماضية والتأمُّل فيها واستخراج العِبَر منها (تث 1: 1-4: 43)؛ ثم انتقل إلى سرد الأحكام والوصايا المختصة بفحص النفس وعرضٍ لتفاصيل العهد وأحكامه المتعلِّقة بالعبادة والشرائع المدنية والاجتماعية (تث 4: 44-26: 19). وفي النهاية يختتم أحاديثه بنظرة نبويَّة عمَّا يمكن أن يعمله الله لشعبه إذا أطاعه، وما سيفعله إذا خالفه، وهذا هو ما نحن بصدده في الحديث الثالث.
أ - إقامة نصب تذكاري وكتابة الناموس عليه:
يبدأ الحديث الثالث بغير ما اعتدنا عليه في الحديثين الأول والثاني، الذي كان يبدأ بقوله:
- في الحديث الأول: «هذا هو الكلام الذي كلَّم به موسى جميع إسرائيل» (1: 1).
- في الحديث الثاني: «ودعا موسى جميع إسرائيل وقال لهم...» (5: 1).
ولكنه في الحديث الثالث يُضيف شيوخ إسرائيل إلى موسى في توصيته لبني إسرائيل فيقول:
+ «وأوصى موسى وشيوخُ إسرائيل الشعبَ قائلاً: احفظوا جميع الوصايا التي أنا أُوصيكم بها اليوم» (27: 1).
ولعله بذلك يُشير إلى اتجاه موسى لتسليم مسئولياته في قيادة الشعب لشيوخ إسرائيل وللكهنة اللاويين (27: 9) ثم ليشوع بن نون (31: 23). ثم أضاف قائلاً:
+ «فيوم تعبرون الأردن إلى الأرض التي يُعطيك الربُّ إلهك تُقيم لنفسك حجارةً كبيرة وتَشيدُها بالشِّيد، وتكتب عليها جميع كلمات هذا الناموس حين تَعْبُر لكي تدخل الأرضَ التي يُعطيك الرب إلهك أرضاً تفيض لبناً وعسلاً، كما قال لك الربُّ إله آبائك. حين تعبُرون الأردن تُقيمون هذه الحجارة التي أنا أُوصيكم بها اليوم في جبل عيبال وتُكَلِّسُها بالكِلْس» (27: 2-4).
هنا يتكلَّم موسى عن أمور مستقبلة وكأنه يراها من بعيد وهي تتحقَّق حسب مواعيد الله الصادقة التي لا تكذب، فهو يخبرهم عن عبور الأردن وعن الحجارة الكبيرة التي سوف يأخذونها من وسط الأردن من عند موقف أرجل الكهنة حاملي تابوت العهد لكي يُقيموها نصباً تذكارياً ويكتبوا عليها جميع كلمات الناموس، كما جاء في سفر يشوع (يش 4: 1-7).
أما عن جبل عيبال الذي أمرهم موسى أن يُقيموا هذه الحجارة فيه تذكاراً لهم، فقد سبق موسى وأنبأهم عن ذلك في حديثه الثاني عندما وضع أمامهم، في ختام الأصحاح 11 من هذا السفر، هذا التحذير الخطير، حينما كان مزمعاً أن يُكلِّمهم عن الفرائض والأحكام التي ينبغي أن يحفظوها في أرض الموعد قائلاً: «انظر، أنا واضعٌ أمامكم اليوم بركةً ولعنةً: البركة إذا سمعتم لوصايا الرب إلهكم التي أنا أُوصيكم بها اليوم. واللعنة إذا لم تسمعوا لوصايا الرب إلهكم وزُغتم عن الطريق التي أنا أوصيكم بها اليوم لتذهبوا وراء آلهة أخرى لم تعرفوها. وإذا جاء بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخلٌ إليها لكي تمتلكها، فاجعل البركة على جبل جِرِزِّيم واللعنة على جبل عيبال. أَمَا هما في عبر الأردن وراء طريق غروب الشمس في أرض الكنعانيين الساكنين في العَرَبة مقابل الجلجال بجانب بلوطات مورة» (تث 11: 26-30). وهكذا يتضح أنه بمجرد عبورهم الأردن، كان عليهم أن يُقيموا تلك الحجارة على جبل عيبال غربي الأردن لكي توجد كشاهد عليهم إذا عصوا وصايا الرب إلههم، في الموضع الذي حدَّده موسى قبلاً.
إقامة مذبح وإصعاد محرقات وذبائح سلامة:
+ «وتبني هناك مذبحاً للرب إلهك مذبحاً من حجارة لا ترفع عليها حديداً، من حجارة صحيحة (غير منحوتة بآلة حادة) تبني مذبح الرب إلهك وتُصْعِدُ عليه محرقات للرب إلهك. وتذبح ذبائح سلامة وتأكل هناك وتفرح أمام الرب إلهك. وتكتب على الحجارة جميع كلمات هذا الناموس نقشاً جيداً» (27: 5-8).
بالإضافة إلى الحجارة التي يُقيمونها تذكاراً لعبورهم نهر الأردن، يجب عليهم أن يبنوا أيضاً مذبحاً للرب من الحجارة الصحيحة غير المنحوتة، حسب الشروط التي سبق الرب وأعطاها لهم في (خر 25: 25): «وإن صنعتَ لي مذبحاً من حجارة لا تبنه منها منحوتة. إذا رفعت عليها إزميلك تدنِّسها». فالله يطلب في عبادته البساطة والاتضاع والتوقير الخالي من كل مظاهر التنميق. كما حذَّرهم من استخدام آلة لنحت الحجارة لأنه كان يخشى أن يرجعوا بقلوبهم إلى نحت الحجارة وصناعة التماثيل لعبادتها مثلما رأوا عند المصريين. وهكذا يُصعدون على هذا المذبح محرقات، ”وقود رائحة سرور للرب“، لأنها كانت تُحرق كلها في النار على المذبح، باعتبارها اختصَّت كلها لله دون سواه لكي يشتمَّها رائحة رضا وسرور للرب. كما يُصعدون عليه ذبائح سلامة، وهي الذبيحة التي تُقدِّم الشكر، وهي أكثر الذبائح المصحوبة بالفرح والمسرَّة والشركة بين الكهنة والشعب. فهي ذبيحة سرور وابتهاج من أجل الصُّلح والسلام الذي تمَّ بين الله ومُقدِّم الذبيحة. وفي سفر يشوع نقرأ أن يشوع نفَّذ أَمْر الرب في إقامة هذا المذبح بعد انتصاره على أريحا وعاي، فبنى مذبحاً للرب إله إسرائيل: «كما هو مكتوب في سفر توراة موسى: مذبح حجارة صحيحة لم يرفع أحد عليها حديداً، وأصعدوا عليه محرقاتٍ للرب وذبحوا ذبائح سلامة. وكتب هناك على الحجارة نسخة توراة موسى التي كتبها أمام بني إسرائيل» (يش 8: 30-32).
ب – الحث على حفظ وصايا الرب والنطق بالبركات واللعنات:
+ «ثم كلَّم موسى والكهنة اللاويون جميع إسرائيل قائلين: انصِتْ واسمَعْ يا إسرائيل، اليوم صرتَ شعباً للرب إلهك. فاسمع لصوت الرب إلهك واعمل بوصاياه وفرائضه التي أنا أُوصيك بها اليوم. وأوصى موسى الشعبَ في ذلك اليوم قائلاً: هؤلاء يقفون على جبل جرزِّيم لكي يُباركوا الشعب حين تعبُرون الأردن: شمعون ولاوي ويهوذا ويسَّاكر ويوسف وبنيامين. وهؤلاء يقفون على جبل عيبال للَّعنة. رأوبين وجاد وأشير وزبولون ودان ونفتالي. فيُصَرِّح اللاويون ويقولون لجميع قوم إسرائيل بصوتٍ عالٍ: ملعونٌ الإنسان الذي يصنع تمثالاً منحوتاً أو مسبوكاً رِجساً لدى الرب عَمَلَ يدي نحَّات ويضعه في الخفاء. ويُجيب جميع الشعب ويقولون: آمين. ملعونٌ مَن يستَخِف بأبيه أو أُمه. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعونٌ مَن ينقل تُخْمَ صاحبه. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعونٌ مَن يُضِلُّ الأعمى عن الطريق. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعونٌ مَن يُعوِّج حقَّ الغريب واليتيم والأرملة. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعونٌ مَن يضطجع مع امرأة أبيه لأنه يكشف ذيل أبيه. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعونٌ مَن يضطجع مع بهيمةٍ ما. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعونٌ مَن يضطجع مع أخته بنت أبيه أو بنت أُمه. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعونٌ مَن يضطجع مع حماته. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعونٌ مَن يقتل قريبه في الخفاء. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعونٌ مَن يأخذ رشوة لكي يقتل نفسَ دمٍ بريء. ويقول جميع الشعب: آمين. ملعونٌ مَن لا يُقيم كلمات هذا الناموس ليعمل بها. ويقول جميع الشعب: آمين.» (27: 9-26).
نُلاحظ هنا - كما ذكرنا سابقاً - أنَّ موسى النبي يُشرك معه الكهنة اللاويين في توجيه توصياته للشعب، كما سبق أن أشرك في بداية حديثه الثالث شيوخ الشعب. وهو هنا يقول لهم: «اليوم صرت شعباً للرب إلهك». الكلام موجَّه لكل شعب إسرائيل الذي سبق الرب فواعده في نهاية الأصحاح السابق (26: 16-19) قائلاً له بأنه إن كان قد واعد الربَّ اليوم أن يكون له إلهاً، وأن يسلك في طُرقه، ويحفظ فرائضه ووصاياه وأحكامه، ويسمع لصوته؛ فإنَّ الرب بدوره قد واعده أن يكون اليوم له شعباً خاصاً، وأن يجعله مستعلياً على جميع القبائل التي عملها الرب في الثناء والاسم والبهاء، وأن يكون له شعباً مقدَّساً كما قال. وفي هذا تأكيد من الرب لوعده السابق بأنه في تجديده للعهد الذي أبرمه معهم، يُجدِّد إسرائيل وضعه في كونه هو شعب الله الخاص. لقد كانوا بالفعل هم شعب الله، ولكن الاحتفال الذي تمَّ الآن على سهول موآب في وداع موسى لهم، هو تأكيدٌ وتجديدٌ لهذه الحقيقة. فالإحساس بأنه شعب الله يُقوِّي شعورهم بالمسئولية في تجديد عهدهم مع الله قبل دخولهم أرض الموعد، والتعهُّد بحبه والإخلاص له، وذلك بحفظ وصاياه.
وهكذا صار مسرح الأحداث مُهيَّأً لإجراء مراسم النطق بالبركات واللعنات التي سوف تأخذ مجراها عند تجديد العهد الذي سوف يُعقد بالقرب من شكيم بعد عبورهم نهر الأردن؛ حيث يقف ستة من أسباط إسرائيل: شمعون ولاوي ويهوذا ويسَّاكر ويوسف وبنيامين على جبل جرزِّيم لكي يُباركوا الشعب، يُقابلهم الستة الأسباط الباقية: رأوبين وجاد وأشير وزبولون ودان ونفتالي الذين يقفون على جبل عيبال للَّعنة. أما البركة فهي لأولئك الذين يُطيعون وصايا الله، واللعنة لمَن لا يُطيعون وصاياه.
والجبلان قريبان من بعضهما، ويواجه أحدهما الآخر، وبينهما وادٍ ضيِّق. وجبل جرزِّيم يُدعَى اليوم ”جبل الطور“ ويقع جنوبي الوادي، وفي هذا الوادي توجد مدينة ”نابلس“ وهي قديماً مدينة ”شكيم“ التي كان يحكمها حمور أبو شكيم (تك 34: 2). وتوجد بئر يعقوب بالقرب من جبل جرزِّيم. وقد بنى السامريون هيكلهم على هذا الجبل، وكانوا يقولون إنه الموضع الذي ينبغي أن يُسجَد فيه لله (يو 4: 20). أما جبل عيبال فيُدعَى الآن ”عماد الدين“ أو ”السلامية“، ويقع شمال الوادي مواجهاً لجبل جرزِّيم(1). ويُلاحَظ أن الأسباط التي حدَّد موسى وقوفها على جبل جرزِّيم هم من نسل ليئة ومعهم يوسف وبنيامين من نسل راحيل. بينما الأسباط الأخرى التي ستقف على جبل عيبال هم رأوبين بكر يعقوب من زوجته ليئة والذي حرمه يعقوب من البكورية (تك 49: 4،3)، وزبولون الابن الأصغر لليئة، وجاد وأشير ابنا زلفة جارية ليئة، ودان ونفتالي ابنا بلهة جارية راحيل.
وحسب الوصف الذي جاء في سفر يشوع عن مراسم هذا الطقس عندما أكمله يشوع حينذاك، فقد وقفت الأسباط حسب الترتيب المعيَّن لها على جبلَي جرزِّيم وعيبال؛ بينما وقف في وسطهم في الوادي جميع شيوخ إسرائيل وعرفائهم وقضاتهم بجانب تابوت العهد الذي يحمله الكهنة واللاويون. وكان الذي ينطق بالبركات واللعنات هم اللاويون. وكما جاء في سفر يشوع أيضاً: «وبعد ذلك قرأ جميع كلام التوراة: البركة واللعنة، حسب كل ما كُتب في سفر التوراة. لم تكن كلمة من كل ما أمر به موسى لم يقرأها يشوع قدَّام كل جماعة إسرائيل والنساء والأطفال والغريب السائر في وسطهم» (يش 8: 33-35).
إلاَّ أننا نجد في هذا الأصحاح الـ 27 من سفر التثنية، أنه بعد البداية المُشجِّعة والمُفرحة باعتراف إسرائيل بأن يهوه هو إلههم، وإعلان الله بأن اليوم قد صار إسرائيل شعبه الخاص الذي سيجعله مستعلياً فوق جميع الأمم في الثناء والاسم والبهاء؛ إذا بنا نجد موسى النبي يُكلِّمهم عن مراسم طقوس النطق بالبركات واللعنات التي سوف تُقام على جبلَي جرزِّيم وعيبال بعد عبورهم نهر الأردن. ولكننا لا نسمع في هذا الأصحاح إلا النطق باللعنات التي بدأ بها موسى مُحذِّراً ومُنذراً هذا الشعب الغليظ الرقبة.
والواقع أن الله الذي خلق العالم وبارك كل ما جبله، وبارك الإنسان تاج الخليقة ورأسها الذي خلقه على صورته ومثاله، وسلَّطه على كل ما خلقه، «ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسنٌ جداً» (تك 1: 31)؛ ولكنه لما أخطأ آدم، لعن الله الأرض بسببه، ولعن الحية التي تسبَّبت في سقوطه بخديعتها له. ولما أخطأ قايين وقتل أخاه هابيل، نطق الله بأول لعنةٍ للإنسان: «ملعونٌ أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك، متى عملتَ الأرض لا تعود تُعطيك قوتها، تائهاً وهارباً تكون في الأرض» (تك 4: 12،11). فاللعنة حلَّت على الأرض بسبب خطية الإنسان وعصيانه لوصية الله، وحلَّت على الإنسان بسبب حقده وكراهيته لأخيه الإنسان، الذي خلقه الله على صورته.
ولكن لما زادت تعدِّيات الإنسان على الأرض أعطاهم الله الناموس كمؤدِّب (انظر غل 3: 24)، إلاَّ أنه «بالناموس معرفة الخطية» (رو 3: 20)، «فإنني لم أعرف الشهوة لو لم يَقُل الناموس: لا تشته» (رو 7: 7). وهكذا صار الجميع تحت قصاص من الله إذ أخطأ الجميع: «وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع» (رو 5: 12). وبما أنه «مكتوبٌ: ملعون كل مَن لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به» (غل 3: 10)، من أجل هذا صار الجميع تحت لعنة الناموس؛ لذا جاء المسيح الذي «افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنةً لأجلنا، لأنه مكتوبٌ: ملعونٌ كل مَن عُلِّق على خشبة» (غل 3: 13).
(يتبع)
(1) مقتبسة من كتاب: ”تفسير سفر التثنية“ للأرشيدياكون نجيب جرجس.
