دير القديس العظيم أنبا مقار
الصفحة الرئيسية  مجلة مرقس الشهرية - محتويات العدد

دراسة الكتاب المقدس:
 

سفر العدد

سفر التيه والتجربة في البرية

-42-

ملخص دراسة السفر

أولاً: إعداد الجيل القديم ليرث أرض الموعد (1:1ــ10:10).
1- تنظيم الجماعة تمهيداً للارتحال ( 1:1ــ49:4).
2 ــ تقديس الجماعة (1:5ــ10:10).
ثانياً: فشل الجيل القديم في أن يرث أرض الموعد (11:10ــ18:25).
1 ــ بدايات الفشل في الطريق إلى قادش (11:10ــ16:12).
2 ــ أزمة قادش برنيع (1:13ــ45:14).
3 ــ إخفاق إسرائيل المتواصل (1:15ــ22:19).
4 ــ حوادث في الطريق إلى موآب (1:20ــ18:25).
ثالثاً: إعداد الجيل الجديد لميراث أرض الموعد (1:26ــ13:36).
1 ــ إعادة تنظيم إسرائيل (1:26ــ23:27).
2 ــ شرائع للتقدمات والنذور (1:28ــ16:30).
3 ــ الانتصار على الشعوب في شرق الأردن وتقسيمها على أسباط إسرائيل (1:31ــ13:36).

ثالثاً: إعداد الجيل الجديد لميراث أرض الموعد (26: 1-36: 13)

3 - تقسيم الأرض في شرق الأردن على

سبطَي رأوبين وجاد ونصف سبط منسَّى (32: 1-42)

 

انتهى موسى النبي من المهمة التي كان ينبغي أن يُتمِّمها قبل أن يرقد ويُضمَّ إلى آبائه، وهي الانتقام لبني إسرائيل من المديانيين الذين كانوا سبباً في سقوط بني إسرائيل في الزنا مع بناتهم والبُعد عن الله الحي بعبادة بعل فغور صنم المديانيين. وهكذا خضعت كل أراضي وممالك شرق الأردن لبني إسرائيل.

وكانت هذه الأراضي هي التي أخذوها من عوج ملك باشان وسيحون ملك الأموريين (عد 21: 21-35)، ومن باراق ملك موآب ومن جميع ملوك مديان (عد 31: 1-12). وكانت تتميَّز بكونها غنية بالعشب والكلأ مما يجعلها صالحة لرعي الماشية والأغنام. وكانت تُدعى أرض جلعاد، كما ذُكِرَت في سفر يشوع، حيث حُدِّدت كل أرجائها ومدنها والملوك الذين أخضعهم بنو إسرائيل فيها (يش 12: 1-6).

بنو رأوبين وبنو جاد يطلبون أن يرثوا أرض جلعاد:

يُطلق اسم جلعاد على تلك الأرض الجبلية الواقعة بين اليرموك شمالاً ووادي حشبون عند نهر أرنون جنوباً والأردن غرباً، بينما تمتد إلى الصحراء شرقاً (انظر الخريطة). وما زال اسم جبل جلعاد يُطلق حتى الآن على الجبل الواقع إلى الجنوب من نهر الزرقا، إلاَّ أن الكتاب يشير إلى كل المنطقة الواقعة شرق الأردن باعتبارها أرض جلعاد.

+ «وأما بنو رأوبين وبنو جاد فكان لهم مواشٍ كثيرة وافرة جداً. فلما رأوا أرض يعزير وأرض جلعاد وإذا المكان مكان مواشٍ، أتى بنو جاد وبنو رأوبين وكلَّموا موسى وألعازار الكاهن ورؤساء الجماعة قائلين: عطاروت وديبون ويعزير ونمرة وحشبون وألعالة وشبام ونبو وبعون، الأرض التي ضربها الرب قدام بني إسرائيل هي أرض مواشٍ ولعبيدك مواشٍ. ثم قالوا: إن وجدنا نعمةً في عينيك فلْتُعطَ هذه الأرض لعبيدك مُلْكاً ولا تُعبِّرنا الأردن.» (عد 32: 1-5)

رأوبين هو بكر يعقوب من ليئة زوجته، وجاد هو بكر إخوته من زلفة جارية يعقوب. وقد تجاور السبطان في إقامتهما في المحلة جنوبي خيمة الاجتماع تحت عَلَم رأوبين، ومعهما سبط شمعون، كما جاء في (عد 2: 10-16). ولعل تجاور السبطين في محلة واحدة نحو ما يقرب من ثمانٍ وثلاثين سنة جعل مصالحهما مشتركة، علاوة على كونهما كانا يمتلكان مواشٍ كثيرة جداً، مما دعاهما يطلبان الأماكن الغنية بالمراعي والكلأ.

لقد كان اهتمامهما محصوراً في معيشتهما الأرضية، ولم يشغل تفكيرهما القصد الإلهي من عبور الأردن وامتلاك الأرض التي وعد بها الرب أجدادهما إبراهيم وإسحق ويعقوب، ولا المغزى الروحي لهذا الميراث الذي ظل يصبو إليه الشعب، وما برحوا يجاهدون من أجل الوصول إليه أربعين سنة من المعاناة في وسط صحراء سيناء حتى وصلوا أخيراً إلى نهاية الطريق.

ولم يفكِّروا في الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً، ولكنهم انشغلوا بالأرض التي تملأ بطون مواشيهم بالمراعي والخضرة، فهي في النهاية سوف تؤول إليهم باللحم والدسم من مواشيهم التي كانت رأس مالهم وأصل غناهم. لقد ذكروا لموسى وألعازار رئيس الكهنة ورؤساء الشعب أسماء المدن التي أعان الرب شعبه على فتحها والاستيلاء عليها في أرض جلعاد، لأنها كانت مدناً معدَّة وصالحة لسكناهم ولإيواء ماشيتهم، فقد كانت أصلاً لشعوب الأرض الذين هزموهم، وكانوا هم أيضاً رعاة أغنام ومواشٍ مثلهم.

طلب بنو رأوبين وبنو جاد أن لا يعبروا نهر الأردن ويظلوا في شرق الأردن، ولم يرغبوا في الوصول إلى الأرض التي قصد الرب في محبته ورحمته الواسعة أن يصلوا إليها، تلك الأرض التي قال عنها الرب لموسى من العلَّيقة: «نزلت لأُنقذهم من أيدي المصريين وأُصعدهم من تلك الأرض إلى أرضٍ جيدة وواسعة، إلى أرض تفيض لبناً وعسلاً» (خر 3: 8). ولكن أعين بني جاد وبني رأوبين كانت مثبَّتة على أمور أخرى تختص باحتياجات معيشتهم الأرضية، لذلك طلبوا كإحسان من الله أن لا يرثوا مع إخوتهم أرض الموعد.

ويرى بعض المفسرين أن اختيارهم هذا كان يعتمد على سيرتهم الماضية، إذ يبدو أن سخاء تقديمهم لذبائحهم اليومية أو ذبائح المواسم الأخرى التي ألزمهم بها الناموس، لم يكن بالقدر الكافي مما جعل قطعانهم تكثر وتصير وفيرة جداً. وهكذا صارت كثرة قطعانهم سبباً في عدم رغبتهم في إتمام قصد الله من جهتهم.

وفي هذا يقول العلاَّمة أوريجانوس:

[لاحِظ بكل يقظة السبب الذي لأجله يأخذ الوارثون الأولون نصيبهم من الميراث على الضفة الأخرى من نهر الأردن وحدهم دون الآخرين كلهم، هذا لأنهم قالوا إن لهم مواشٍ وقطعان كثيرة. هذا هو السبب، إذن، الذي لأجله لم يستطع الشعب في القديم أن يبلغ إلى ميراث الأرض التي تفيض لبناً ويتدفق منها العسل، وتقطر شهداً، أرض ليس لها مثيل. لذلك لم يستطع أيضاً أن يُدرك معنى «الكلمة صار جسداً» (يو 1: 14)، لأنه كان يمتلك الكثير من المواشي والقطعان الوفيرة. فالإنسان الطبيعي، في الواقع، لا يقدر أن يقبل مواهب روح الله ولا يحكم بالروح (انظر 1كو 2: 14)... فبسبب تمسُّكه بهذه القطعان، حصل على نصيبه من الميراث خارج مجاري المياه على الجانب الآخر من نهر الأردن، وهكذا صار غريباً عن الأرض المقدسة.](1)

رد موسى على بني رأوبين وبني جاد:

+ «فقال موسى لبني جاد وبني رأوبين: هل ينطلق إخوتكم إلى الحرب وأنتم تقعدون ههنا. فلماذا تصُدُّون قلوب بني إسرائيل عن العبور إلى الأرض التي أعطاهم الرب؟ هكذا فعل آباؤكم حين أرسلتهم من قادش برنيع لينظروا الأرض. صعدوا إلى وادي أشكول ونظروا الأرض وصدُّوا قلوب بني إسرائيل عن دخول الأرض التي أعطاهم الرب. فحَمِيَ غضب الرب في ذلك اليوم وأقسم قائلاً: لن يرى الناس الذين صعدوا من مصر من ابن عشرين سنة فصاعداً الأرض التي أقسمتُ لإبراهيم وإسحق ويعقوب، لأنهم لم يتَّبعوني تماماً، ما عدا كالب بن يَفُنَّة القِنزِّيَّ ويشوع بن نون لأنهما اتَّبعا الرب تماماً. فحَمِيَ غضب الرب على إسرائيل وأتاههم في البرية أربعين سنة حتى فَنِيَ كل الجيل الذي فعل الشر في عيني الرب. فهوذا أنتم قد قُمتُم عِوَضاً عن آبائكم، تربية أُناس خطاة، لكي تزيدوا أيضاً حُمُوَّ غضب الرب على إسرائيل. إذا ارتددتم من ورائه يعود يتركه أيضاً في البرية، فتهلكون كل هذا الشعب.» (عد 32: 6-15)

فوجئ موسى بمطلب رجال هذين السبطين، وأحس بالخطورة المحدقة بهم وبكل الشعب إن هم تقاعسوا عن المضيِّ مع باقي الشعب لعبور الأردن وامتلاك الأرض التي وعدهم بها الرب. لقد خَشِيَ أن يكون رجال السبطين قد تقدَّموا إليه بدافع الأنانية والهروب من الحرب والقتال مع إخوتهم حتى يأخذ كل سبط نصيبه من الأرض. كما خَشِيَ أن يكون في ذلك تثبيط لعزائم إخوتهم وصدّاً لهم عن العبور إلى الأرض التي أعطاهم الرب!

وهنا عاد بذاكرته إلى حادثة قادش برنيع حينما أرسل اثني عشر رجلاً من كل الأسباط ليتجسَّسوا الأرض الموعودة، وقد كانوا على حدودها. فبينما أقرُّوا بأن الأرض التي تجسَّسوها تفيض لبناً وعسلاً، مُقدِّمين الدليل على صدق كلامهم بالثمار التي حملوها معهم من الأرض، إلاَّ أننا نجدهم ينشرون الرُّعبة والخوف في قلوب الشعب بقولهم إن سكان الأرض عمالقة ومدنهم محصنة جداً، وبالتالي فإنهم لا يقدرون أن يصعدوا إليهم ليمتلكوا أرضهم لأنهم أشد منهم. وهكذا أشاعوا المذمَّة عن الأرض التي تجسَّسوها، وصدُّوا قلوب بني إسرائيل عن دخول الأرض التي وهبها لهم الله. فحَمِِيَ غضب الرب عليهم وقضى أن يظلوا تائهين في البرية حتى يفنى الجيل المتمرِّد الذي خرج من مصر، فيما عدا كالب بن يَفُنَّة ويشوع بن نون اللذان كانا أمينين في شهادتهما عن أرض الميعاد.

هكذا أعاد موسى تصوير هذه الواقعة الأليمة أمام أعين بني جاد وبني رأوبين، وكأنه يقول لهم: فهوذا أنتم الآن تفعلون مثل آبائكم كنسل أُناس خطاة، مكمِّلين مكيال شرورهم، لكي تجلبوا بعملكم هذا غضب الرب مضاعفاً على الشعب!! لأنكم إذا امتنعتم عن الصعود مع إخوتكم إلى الأرض التي وعدنا بها الرب، يعود الرب ويغضب على الشعب ويتركه أيضاً في البرية فتتسبَّبون في هلاك هذا الشعب جميعه.

(يتبع)

(1) Homélies sur les Nombers, Hom. XXVI, 4:3.