تدبير الروح القدس
الحياة الباطنية للكنيسة
حياة الصلاة والعبادة
(تابع)
- 2 -


النشاط الخارجي للصلاة
- 5 -
الكنيسة بيت الله

مقدِّمة:
لربط هذا المقال بما سبقه، فإنه منذ عدد فبراير سنة 2009 ونحن نعرض للصلوات الطقسية للحياة اليومية للمؤمن، ابتداءً من الصلاة من أجل الراقدين؛ ثم: صلوات مسحة المرضى، ولقان الماء، وقسمة الرهبان، والسجدة، والشركة في الصلاة مع القديسين؛ وأخيراً ”النشاط الخارجي للصلاة“؛ وشملت: تكريم الأيقونات، تكريم رفات القديسين، تكريم ورشم الصليب المقدس، وأخيراً: الشموع والبخور والألحان والسجود.

ونختم على هذا العرض لحياة الصلاة والعبادة بهذا المقال: ”الكنيسة بيت الله“، من حيث إن كل هذه الحياة الباطنية للكنيسة بكل ما فيها، إنما تتم داخل الكنيسة بيت الله.

الدعوة للاجتماع معاً في مكان واحد:

إن الهيئة الأولى لتلاميذ المسيح تظهر أول ما تظهر في التاريخ باسم ”إككلسيا“ ecclesia باليونانية، وتُترجَم في العربية بكلمة ”كنيسة“، وهي كلمة أرامية سريانية مأخوذة من فعل ”كَنَس“ أي ”يجمع معاً من أماكن متفرقة“ (وطبعاً أتت منها كلمة ”يكنس“ المستخدمة في الحياة اليومية بمعنى: ”يجمع في مكان واحد من أماكن متفرقة“(1). وبهذه الكلمة اليونانية المُعرَّبة تستعلن الكنيسة معناها: دعوة المؤمنين كل واحد من حياته الخاصة ليجتمع معاً وفي نفس المكان داخل الكنيسة.

وهذا الاجتماع – بموجب هذا المعنى – يعني أنه نتيجة ”دعوة“. فهو اجتماع ”المدعوِّين“. والتلاميذ الأوائل للمسيح كان لديهم هذا الوعي بأن كل واحد منهم كان ”مدعوّاً“ من المسيح، وكلهم كانوا ”مدعوِّين“ من المسيح، أي ليُكوِّنوا ”الكنيسة“. ولكن ليس ليكونوا أمناء على ”دين“ جديد غير اليهودية، أو ليكونوا دعاة لمذهب فكري جديد أو تعليم اجتماعي معين؛ كما أن الذي وحَّدهم ليس بعض المبادئ اللاهوتية أو الشعارات، بل كانت الدعوة هي أساساً لتجديد حياتهم.

فدعوة المسيح لكل واحد منهم غيَّرته، غيَّرت حياته، ووحَّدتهم في جسدٍ واحد هو ”الكنيسة“. لم يكن اجتماعهم معاً هدفاً في حدِّ ذاته، بل لكي يعيشوا معاً حياة واحدة، ويتشاركون هذه الحياة معاً ”كإخوة“، يستمدُّون وجودهم من بطنٍ واحدة، هي جسد المسيح وهم أعضاؤه أفراداً.

الكنيسة هي امتداد لإسرائيل القديم:

فشعب إسرائيل في العهد القديم لم يكونوا يُمثِّلون ”ديناً“ معيناً. لقد كانوا شعب ”المدعوِّين“ الذين دعاهم ”الله الحي“، الاثنا عشر سبطاً (قبيلة) جمعهم الله ليصيروا شعباً واحداً مدعوّاً من الله، مرتبطاً معاً، ومع الله بـ ”العهد“ أو ”الميثاق“ الذي عقده معهم على جبل سيناء (خر 31: 18؛ تث 9: 10). وقد تجسَّد هذا العهد في ”خيمة الاجتماع“، ثم فيما بعد في ”هيكل أورشليم“.

ولقد استخدم هذا الشعب للتعبير عن هذه الوحدة كلمة ”سيناجوج synagogue“ أي ”مجمع“ من كلمة ”يجمع“، وبلغتهم القديمة ”كاهال kahal“ التي تُرجمت إلى ”هيكل“ بالعربية. وقد استخدم الرسل الكلمة الأولى ”مجمع“، وترجمتها باليونانية ”إككليسيا“ أي ”كنيسة“ بالعربية.

وهكذا فالإككليسيا – الكنيسة – هي الشعب المدعو من الله في عهدٍ جديد مع الله، إنه ”إسرائيل الجديد“ المدعو لرسالة جديدة: أن يُعلِن للعالم علاقة وشركة الله الجديدة والعهد الجديد الذي عقده الله مع البشرية في شخص ”يسوع المسيح“. هذا العهد الجديد لهذا الشعب الجديد لله لم يكن يعتمد على أية ”قَبَليَّة“ أو ”عنصرية“؛ بل بالعكس هو مفتوح ”لكل الأُمم“ (مت 28: 19؛ مر 13: 10؛ لو 24: 47؛ 2تي 4: 17). إنها دعوة مؤسَّسة على ”عهد“ جديد مختوم بدم ذبيحة المسيح التي قدَّمها على الصليب. ولكي يمكن أن يصير أي إنسان شريكاً في هذا ”الشعب“ الجديد، أي عضواً في جسد الكنيسة، فعليه أن يقبل مضمون هذا ”العهد الجديد“، أي ”جسد ودم ابن الله مخلِّصنا“ الذي للعهد الجديد، أي يشترك في سرِّ الإفخارستيا، وذلك بعد إيمانه بالمسيح ومعموديته.

كثيرون اليوم نَسَوْا هذا الحق الإلهي الذي يُحدِّد ما هي الكنيسة ويُعلنها على حقيقتها: إنها اجتماع حول الإفخارستيا، جسد ودم المسيح، خِتْم العهد الجديد. إنه شعب الله الجديد المجتمعون حول ما أسماه سفر أعمال الرسل: ”كَسْر الخبز“ و”مباركة الكأس“. إنهم «أبناء الله المتفرِّقون» الذين جمعهم الله إلى ”الواحد“ (يو 11: 52)، اجتمعوا في وحدة جسد الكنيسة الواحد.

وفي سفر أعمال الرسل نقرأ أول تسجيل لأساسات هذه الكنيسة الأولى: «وكانوا يواظبون على تعليم الرسل، والشركة، وكسر الخبز، والصلوات»، «وجميع الذين آمنوا كانوا معاً... وكانوا كل يوم يواظبون في الهيكل بنفسٍ واحدة. وإذ هـم يكسرون الخبز في البيوت (لأنـه لم تكن قـد بُنيت كنائس مسيحية مستقلة عـن الهيكل اليهودي بعد)، كانوا يتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب، مُسبِّحين الله» (أع 2: 42، 44-47).

خدمة الإفخارستيا، امتدادٌ لخدمة

الفصح الجديد الذي صنعه المسيح:

إن خدمة الإفخارستيا التي بها يصير شعب الله الجديد «جسداً واحداً وروحاً واحداً» لم تكن اختراعاً من الرسل. بل كما اتخذ المسيح الجسد الإنساني ليُجدِّده؛ هكذا الكنيسة تأخذ الخبز وعصير الكرمة وتُحوِّلهما - باستدعاء الروح القدس - ليصيرا الطعام الجديد الباقي للحياة الأبدية، الذي قدَّمه المسيح لتلاميذه في عشاء الفصح الذي احتفل به المسيح يوم خميس العهد، ليصير هو الإفخارستيا الدائمة على مدى الأجيال، حسب وصية المسيح «اصنعوا هذا لذكري» (لو 22: 19).

ففي الليلة التي أسلم فيها المسيح ذاته على الصليب، احتفل بعشاء الفصح في العلِّية في أورشليم، ولكن ليس لتذكُّر العهد القديم الذي عقده الله مع الشعب القديم على جبل سيناء، بل ليعقد العهد أو الميثاق الجديد الذي سيختمه بدم ذبيحته يوم الجمعة على الصليب. وصار الفصح، ليس عبوراً للبحر الأحمر للنجاة من فرعون وجنوده، بل للعبور من الموت إلى الحياة.

وصار ”جسد المسيح“ و”دم المسيح“، هما اللذان هدما ”الحاجز المتوسط“ أو ”جدار العداوة“ بين الأرض والسماء، بين الخليقة والله. والآن أصبح المخلوق قادراً على أن يلتقي مع الله الخالق من خلال المسيح ”الطريق“، إلى ”الحياة“ الحقَّة في هذا الجسد والدم المُحييَيْن اللذَيْن للرب يسوع المسيح.

”اصنعوا هذا لذكري“:

هكذا قال المسيح لتلاميذه وهو يقسم لهم الخبز ويوزِّع عليهم عصير الكرمة في مساء العشاء الرباني (لو 22: 19).

و”الذكرى“ في مفهوم الكتاب المقدس، ليس مجرد الرجوع بالذاكرة لحدث مضى، أو استرجاع أحداث مضت؛ بل تجديد حضور وشركة حياة. فالاشتراك في الخبز والكأس هو إعادة حضور وتجديد الشركة مع المسيح الذي قدَّم جسده ودمه الأقدسين من أجل حياتنا الأبدية في شكل الخبز وعصير الكرمة: «مَن يأكلني يحيا بي»، «إن أكل أحدٌ من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أُعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم»، «إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم. مَن يأكل جسدي ويشرب دمي، فله حياة أبدية، وأنا أُقيمه في اليوم الأخير» (يو 6: 51،57، 53-54).

في الكنيسة بيت الله

ننال جسد المسيح ودمه لحياتنا الأبدية:

وهكذا نحن ندخل الكنيسة لكي ننال الحياة الأبدية الموعود بها من المسيح. فبالشركة في جسد المسيح ودمه الأقدسين، ننال الحياة في المسيح؛ إذ نصير نحن وهو جسداً واحداً، حسب قول بولس الرسول: «كأس البركة التي نُباركها، أليست هي شركة دم المسيح؟ الخبز الذي نكسره، أليس هو شركة جسد المسيح؟ فإننا نحن الكثيرين خبز واحد، جسد واحد، لأننا جميعنا نشترك في الخبز الواحد» (1كو 10: 16-17).

الكنيسة هي سُكنى الله مع الناس:

المسيح أحب الهيكل جداً، وكان في اعتباره ”بيت أبي“، كما قال ليوسف والعذراء أُمه حينما كانا يبحثان عنه بين الرِّفقة: «ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ”بيت أبي“» (لو 2: 49 – حسب الترجمة العربية الحديثة)، كما قال المسيح كلمة الله نفسه: «بيتي بيت الصلاة يُدعَى» (مت 21: 13).

ووَصْف الكنيسة بأنها ”بيت الله“ مأخوذ من قول الرب نفسه عن الهيكل، ومن شعوره اليقيني بسُكْنَى الله في الهيكل الذي هو الكنيسة الآن.

+ فسُكنى الله في قدس الأقداس هو من حيث طبيعته سرٌّ، ويمكن أن نسميه ”السرُّ الذي ينبعث منه كل سر“. فهو سر وجود الكنيسة وسر قوتها، وهو يشرح إمكانية وجود الأسرار في الكنيسة ويُفسِّر طبيعتها وفعلها(2).

+ وقد رأى إشعياء النبي في العهد القديم رؤيا سُكنى الله في الهيكل: «رأيتُ السيِّد جالساً على كرسي عالٍ ومرتفع، وأذياله تملأ الهيكل، والسِّرافيم واقفون فوقه، لكل واحد ستة أجنحة: باثنين يُغطِّي وجهه، وباثنين يُغطي رجليه، وباثنين يطير. وهذا نادى ذاك وقال: ”قدوس قدوس قدوس رب الجنود، مجدُه ملء كل الأرض“. فاهتزَّت أساسات العَتَب من صوت الصارخ، وامتلأ البيت دخاناً» (إش 6: 1-4).

+ وفي العهد الجديد، رأى يوحنا الرائي منظر الهيكل السماوي غير المصنوع بيد بشرية: «ورأيتُ فإذا في وسط العرش والحيوانات الأربعة وفي وسط الشيوخ، خروف قائم كأنه مذبوح... والأربعة والعشرون شيخاً أمام الخروف... يترنَّمون ترنيمة جديدة قائلين: ”مستحق أنت أن تأخذ السِّفر وتفتح ختومه، لأنك ذُبحتَ واشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأُمة، وجعلتنا لإلهنا ملوكاً وكهنة، فسنملك على الأرض“» (رؤ 5: 6-10).

هذا المنظر هو الذي يحدث في كل قداس ”إفخارستيا“ يُقام في الكنيسة بيت الله، حيث يرتفع المؤمنون بقلوبهم إلى عرش الله في السماء، عندما يُنادي الكاهن: ”ارفعوا (إلى فوق) قلوبكم“ أو يسأل: ”أين هي قلوبكم؟“، فيرد الشعب بفم واحد: ”هي عند الرب“. فالكنيسة كلها بشعبها في كل مكان يقفون بأقدامهم على الأرض وقلوبهم ترتفع إلى العرش السماوي محتفلين بـ ”الخروف القائم كأنه مذبوح“. ويتناولون منه دون أن ينتهي أو ينفد أو يفنَى على مدى الدهور.

+ + +

والآن أية رهبة ومخافة ورعدة تكون للكنيسة بيت الله، وهي في هذا الموقف الذي يجتمع فيه الأرضيون مع السمائيين في ليتورجيا الإفخارستيا ذبيحة المسيح الواحدة: «مَن لا يخافك، يا رب، ويمجِّد اسمك؟ لأنك وحدك قدوس» (رؤ 15: 4). فحينما يُستعلن مجد الله، لا يمكن أن توجد خليقة تقف أمامه صامتة: «وكل خليقة مما في السماء وعلى الأرض وتحت الأرض وما على البحر، كل ما فيها سمعتُها قائلة: للجالس على العرش وللخروف: البركة والكرامة والمجد والسلطان إلى أبد الآبدين» (رؤ 5: 13)(3).

+ كل هذا هيَّأ المكانة السامية لبيت الله بالنسبة لحياة الإنسان وسلوكه داخل الكنيسة.

+ ومن هنا نشأت آداب الصلاة داخل الهيكل، وشروط العبادة.

+ ومنذ البدء، كانت الكتب الكنسية تهتم بهذه الآداب التي تحفظ هيبة الهيكل. فالدسقولية (تعاليم الرسل) المُعتَبَرة أقدم وثيقة في النظام والترتيب الرسولي للعبادة داخل الكنيسة، اهتمت بهذه الحقيقة السامية: أنَّ الله ساكن في بيته.

+ فتقبيل أبواب الكنيسة، في الدخول إليها والانصراف منها،

+ والسجود على عتبة باب بيت الله، الكنيسة،

+ ثم السجود أمام الهيكل، وتقبيل تراب الأرض،

+ وبعد ذلك، تقبيل الصليب في يد الكاهن وطلب بركته،

+ ثم تقبيل ستر الهيكل، ثم الأيقونات المقدسة، ثم ذخائر القديسين إن كانت موجودة،

+ ثم الوقوف في مكان العابدين بصمت مقدس وورع مطلق؛

( كل هذا مع ترديد الصلوات من سفر المزامير، أثناء الدخول إلى الكنيسة:

+ «فرحت بـالقائلين لي: إلى بيت الرب نذهب» (مز22)،

+ «وقفت أرجلنا في ديار أورشليم» (مز 122)،

+ «ادخلوا أبوابه بالفرح، ودياره بالتسابيح» (مز 100)،

+ «افتحوا لي أبواب البر لكي أدخل منها» (مز 118)،

+ «هذا هو باب الرب، والصدِّيقون يدخلون فيه» (مز 118)،

+ «اخترتُ أن أُطرح على عتبة بيت الله» (مز 84)،

+ «أما أنا فبكثرة رحمتك أدخل بيتك، وأسجد أمام هيكلك المقدس» (مز 5)،

+ «لبيتك ينبغي التقديس، يا رب، طول الأيام» (مز 93)؛

( هذه الصلوات التي تعلمناها منذ صبانا، ورأينا كبارنا يتلونها وهم ذاهبون وداخلون إلى الكنيسة؛ هيَّأت لنا الهيبة والمكانة السامية لبيت الله في قلوبنا وفي حياتنا، مما كان له أكبر الأثر على سلوكنا خارج الكنيسة ووسط المجتمع الذي نعيش فيه ونتعامل مع أفراده.

ومن هنا نفهم تشديد الدسقولية على ضرورة التبكير والذهاب إلى بيت الله في باكر النهار، ثم في الغروب آخر النهار لتقديم العبادة اللائقة بحضور الله في بيته في كنيسته. فالإنسان يبدأ يومه بالسجود في حضرة الله، ويُنهي يومه بالاعتراف والشكر أمامه.

[لا تتأخر عن الكنيسة، بل بكِّر إليها قبل كل شيء، وعشية اجتمع هناك أيضاً، واشكر الله على ما أنعم به عليك لأجل قوام حياتك].

(الدسقولية – الباب الثامن)

+ + +

بهذا المقال ينتهي الفصل الأخير من باب: ”تدبير الروح القدس“، ويليه الباب المختص بالأُخرويات. ++

(1) ولكن الكلمة استُخدِمَت الآن لجمع المُخلَّفات معاً.
(2) ارجع إلى كتاب: ”حياة الصلاة الأرثوذكسية“، للأب متى المسكين، ”بيت الله“، من ص 547-558.
(3) عن كتاب: ”حياة الصلاة الأرثوذكسية“، للأب متى المسكين، ص 544.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis