|
للقديس يوحنا ذهبي الفم + لا يُعرف تماماً على وجه التحديد الوقت الذي أُلقيت فيه هذه العظة، ومعلِّمنا القديس يــوحنا ذهبي الفم يُسمِّي البنتيقسطي (يوم الخمسين) رأس الأعياد باعتباره تكميلاً لعمل الصليب وتتميماً لمواعيد الرب. والكنيسة الشرقية - بوجه عام - كانت تحتفل بثلاثة أعياد كبار: عيد الظهور الإلهي، والفصح، والبنتيقسطي؛ حيث كان التناول في هذه الأعياد من جسد الرب ودمه أساسياً لجميع المؤمنين. + ولقد نشرنا في العام الماضي (عدد يونيه 2006 - ص 19) الجزء الأول من هذه العظة، وتضمنت الحديث عن: 1. معنى ”العيد“ في الكنيسة، 2. ماذا تمَّ في صعود المسيح وإرساله الروح القدس؟ 3. إثبات أن الروح القدس ما زال في وسطنا الآن يعمل في حياتنا اليومية ومن خلال الأسرار. ونستكمل في هذا العدد بقية الموضوعات التي تختص بعيد البنتيقطسي (عيد حلول الروح القدس).
4 - موهبة ”التكلُّم بالألسنة“ وعملها في الكنيسة الأولى
+ لماذا رُفِعَت موهبة التكلُّم بألسنة عن البشر في زماننا الحاضر؟ + الإيمان بديل عن العيان، وأسمى منه. قد يسألني أحدكم: لماذا لم يَعُدْ بعد عملُ آيات في الكنيسة؟ ولماذا، في الأيام الغابرة، كان المُعَمَّدون الجُدُد ينالون موهبة الألسنة (أي التكلُّم بلغاتٍ جديدة)، بينما الآن لا يُرَى شيءٌ من هذا القبيل؟ ولكن لنتأمل معاً أولاً ما الذي يعنيه التكلُّم بألسنة مختلفة، ومِن ثمَّ نبحث عن العلَّة أو السبب في امتناع ذلك الآن. مَن كان يتعمَّد قديماً، كان ينطق بلغة جديدة عليه وربما على السامعين في أغلب الأحيان. ولكن كانت لهجته تُفهم لدى العارفين باللغة الهندية أو المصرية أو الفارسية... إلخ. وكان نفس الشخص الواحد ينال موهبة التكلُّم بألسنة عديدة. ولو كان مؤمنو وقتنا الحاضر معاصرين لأيام الكنيسة الأولى، لكان لهم نفس الامتياز. والقديس بولس قد تقابل مع كثيرين مِمَّن قبلوا معمودية يوحنا المعمدان وسألهم: ”هل قبلتم الروح القدس من حين آمنتم“؟ فأجابوه: ”ولا حتى سمعنا أنه يوجد روح قدس“! وهكذا ألزمهم أن يقبلوا المعمودية. وبعد أن وضع عليهم الأيدي، حلَّ الروح القدس عليهم، وأخذوا يتكلَّمون بلغاتٍ متباينة (أع 19: 2-6). أما اليوم فلم تَعُدْ توجد بعدُ هذه الموهبة، ورُفعت هذه العطية من على البشر. لماذا؟ هل لأن الله أراد أن يحطَّ من شأننا؟ كلاَّ، بل بالأحرى لكي يُكرِّمنا. وكيف يكون ذلك؟ في ذلك الزمان لم يكن الناس قد سمت أرواحهم إلاَّ قليلاً، وكانوا عديمي الخبرة في الأمور الروحية بسبب حداثة عهد جحدهم للعقائد الوثنية. إن النفوس الكثيفة والقلوب الغليظة التي استُعبدت زمناً للمنافع المادية، لا يمكن أن تكون الخيرات الروحية لديها مفهومة. هذه الهبة التي هي لخير النفس، والتي لا يمكن أن تُعرف أو تُدرك إلاَّ بالإيمان، كان الناس يجهلونها. وكان هذا هو السبب في إجراء المعجزات في ذلك الحين. في المواهب الروحية هناك أمور غير منظورة لا يمكن إلاَّ للإيمان وحده أن يُدركها، بينما هناك أمور أخرى قد يكون لها تعبير أو علامة خارجية لفهم المؤمنين. مثال: الغفران هو عمل روحي، إنه نعمة غير منظورة، وعملُه لا يُدرَك بالحواس. فبأية كيفية يتم هذا المحو لعيوب أرواحنا، فالأعين الحسية لا يمكنها أن تُدرك شيئاً من هذا. ولماذا؟ لأن هذا العمل يجري على الروح، والروح لا يمكن أن تُرى أو تدرك بالأعين الحسية. ولكن النطق بألسنة مختلفة هو فعلٌ من عمل الروح القدس غير المنظور، ومع هذا فهذا الفعل يُعبِّر عن نفسه بعلامة محسوسة، ويمكن أن يُدركه غير المؤمنين. فالعمل غير المنظور الذي للروح وتأثيره على النفس، إنما يصير في موهبة التكلُّم بألسنة محسوساً ويقينياً بواسطة لغة منطوقة ومفهومة. من هذا يأتي قول بولس الرسول: ”لكل واحد يُعطَى استعلان الروح لمنفعة الآخرين“ (1كو 12: 7). وفي هذه الحالة الأخيرة فإني لستُ بعد في حاجة إلى أعاجيبَ لكي أومن. ولِمَ؟ لأني آتي إلى الإيمان بالرب دون ما حاجة إلى رؤية آية ظاهرة عياناً. مَن هو غير مؤمن فهو في حاجة إلى برهان أو علامة لكي يؤمن. أما أنا الذي لا يعوزني الإيمان فإني في غِنىً عن أي برهان أو علامة. فأنا ليس لي موهبة التكلُّم بألسنة، ولكن لستُ بهذا أظن أني أقل استحقاقاً للصفح عن خطاياي. ولكن في البداية كان الناس لا يؤمنون إلاَّ إذا تأيَّدوا بمواهب الألسنة العجيبة هذه. فالمعجزات مُنحت لهم تأكيداً لحقيقة الإيمان الذي قبلوه. فالعجائب انسكبت لا لأجل المؤمنين، بل لأجل غير المؤمنين حتى يأتوا إلى الإيمان. وهذا ما يقوله القديس بولس في (1كو 14: 22). أَتَرَوْنَ كيف أن الله في مَنْعِه عنَّا هذه الآية البدائية البسيطة إنما أراد بذلك أن يرفعنا لا أن يُوضعنا. لقد سمح بهذا المنع، عندما شاء أن يُعلِّمنا أننا ينبغي أن يكون لنا إيمانٌ بكلمته، دون ما حاجة إلى رؤية أيَّة آيةٍ؛ لأن غير المؤمنين رفضوا هذا الإيمان به من جهة الحقائق التي تفوق الحواس، بينما أجدني (كمؤمن) أُقدِّم له إيماناً كاملاً سليماً دون مشاهدة معجزة أيّاً كانت. هذا هو سبب عدم وجود آياتٍ الآن في وقتنا الحاضر مثلما كان في الكنيسة الأولى الناشئة. 5 - معنى ”ألسنة نار“ التي حلَّ الروح القدس على شكلها يوم الخمسين
+ الأنبياء قديماً بكَّتوا الشعب على خطاياهم، بينما الرسل بشَّروا بمحوها ومحقها بنار الروح القدس. + المبادلة الرابحة: كيف أن البشر قدَّموا باكورة طبيعتهم البشرية (في شخص المسيح) إلى الآب، وقدَّم الآب للبشر عِوَضاً عنها الروح القدس.
+ «ولما حضر يوم الخمسين... ظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار» (أع 2: 1-3). إنها لم تكن ”ناراً“ بالمعنى الظاهري للنار، ويجب أن نستبعد من ذهننا كل فكر مادي من جهة جوهر الروح القدس. فعلى نفس النَّسَق كان الأمر على ضفة الأردن، فالروح القدس لم يكن حمامة، جوهرياً، بل في هيئة حمامة فقط. وقد قيل أيضاً في (أع 2: 2) إن الروح القدس أعلن نفسه في صوت «كما من هبوب ريح عاصفة». إذن، لم يكن هو هذا الهبوب العاصف نفسه بل على هيئته. حزقيال النبي تقبَّل موهبة النبوَّة عن طريق سِفْر مكتوب، والرسل تقبَّلوها بظهور نارٍ، ولماذا هذا الفارق؟ نحن نقرأ أنَّ في فم النبي قد أُودع سِفرٌ كُتِبَتْ فيه مراثي حزينة وويلات أسيفة وبلايا كبيرة. هذا السِّفْر كُتِبَ من الداخل ومن الخارج، أَكَلَهُ النبي، فكان عنده كشهد عسل. أما بالنسبة للرسل فكانت موهبة النبوَّة لها علامة تدلُّ عليها وهي ألسنة النار. فلماذا هناك سِفْرٌ مكتوب وهنا ألسنة ملتهبة؟ ذلك لأن حزقيال النبي كان عليه أن يُبكِّت الشعب بشدة على فسادهم، وينوح على بلاياهم، بينما الرسل كانوا مزمعين أن ينطلقوا لكي يُبشِّروا بمحو آثام العالم. الواحد يتقبَّل السِّفر لكي يُبقي على تذكُّر بلايا مواطنيه؛ والآخرون يتقبَّلون النار لأنه كان عليهم أن يلاشوا خطايا المسكونة ويهدموا ويمحوا كل إثم. فعندما تسقط شعلة نار بين الشوك تفنيه بدون عناء، وبسهولة أيضاً تسحق نارُ الروح القدس آثامَ الناس. أما أولئك الحائدون عن جادة الصواب، فبدلاً من أن يفطنوا لهذه العجيبة وتأخذهم المهابة، ويُمجِّدوا الله الذي أتاها؛ نجدهم من جديد في جهلهم المُطبق يُنزلون هؤلاء الرسل الممتلئين بالروح القدس منزلة أُناس ”سكارى“، ويصرخون قائلين: «هؤلاء الناس قد امتلأوا خمراً جديدة» (ترجمة حرفية للنص)! ومن جهة أخرى، تأملوا في سمو بصيرة الملائكة. ففي رؤيتهم للطبيعة البشرية(1) صاعدة نحو السماء، صرخوا من شدة الفرح بأعلى أصواتهم قائلين: «ارفعن أيتها الأرتاج رؤوسكن، وارتفعنَ أيتها الأبواب الدهريات، فيدخل ملك المجد» (مز 24: 7). أما البشر فعند رؤيتهم لنعمة الروح القدس منسكبة على الرسل، فللأسف صاحوا قائلين: «هؤلاء الناس سكارى»! مع أن الزمن الذي كانوا فيه لا يؤيِّد افتراءهم هذا، لأن فصل الربيع لم يكن فيه خمر جديدة (إذ لم يكن العنب قد نضج بعد). ولكن لنترك جانباً هذه الأقوال المُهينة ولنتحدث عن عمل الله العجيب معنا وإحسانه الكثير إلينا: المبادلة الرابحة: البشر قدَّموا طبيعتهم البشرية في المسيح، والآب أعطى البشر الروح القدس: المسيح أخذ طبيعتنا البشرية، وصار بمثابة الباكورة لنا؛ وفي المقابل أعطانا نعمة الروح القدس(2). بعد حرب طويلة، وبعد أن انتهت المعارك واستُتِبَّ السلام، تبادل الفريقان المتنازعان معاهدات الأُلفة والصداقة، وجرت مبادلة بين الله والبشر؛ فكان ضمان المعاهدة هو ما قدَّموه لله، أي باكورة الطبيعة البشرية التي حملها الرب يسوع المسيح إلى السماء. وردّاً وقبولاً وتكريماً لهذا الضمان، أعطانا الله الروح القدس. أما نحن، فهل نلنا فعلاً ضمانات هذه المعاهدات؟ نعم، لأن وعود الله تتَّسم بالأمانة ذات السلطان الإلهي. لذا أُرسِلَ لنا الروح القدس الذي هو التعبير العلوي الذاتي للجوهر الإلهي. أما من جانبنا نحن فقدَّمنا ضمان المعاهدة، وهو دمٌ مَلَكيٌّ، لأن المسيح حسب الجسد كان من نسل داود الملك. بناءً على ذلك لم أَعُد أخاف شيئاً، إذ أن باكورة طبيعتنا قد تربَّعت على عرش السموات. فماذا يهمني من ذلك الدود الذي لا يموت، وتلك النيران الأبدية، وتلك الأوجاع والعذابات؟ إني لم أَعُد أخاف شيئاً بعد، أو بالأحرى لم أَعُد أهابها، ولكن لي ثقة تامة من جهة خلاصي. فإذا لم يكن الله يريد أن يفيض علينا من نِعَمه، أكان يرفع إلى العلاء باكورة طبيعتنا؟ وأن يمدَّنا مُسْبقاً بمواهب فائقة للطبيعة، هذه التي من شأنها أن تجعلنا مقبولين في السماء؟ إنه عجزُنا الذي يبدو متضاداً مع طبيعة الملائكة، ولكن إذا أردنا أن نرى كرامتنا ومجدنا، فينبغي أن نتطلَّع إلى السماء، حيث هناك عرش سيد المسكونة بأسرها، وحيث تجلس هناك طبيعتنا البشرية في المسيح، الذي هو لها وفيها الباكورة والنصيب الأكمل.
6 - مجيء المسيح الثاني المخوف المملوء رهبة ودعوة للتوبة وأعمال التقوى
+ ينبغي ألاَّ نفقد كرامة مشهد مجيء المسيح الثاني. + الرهبة من يوم الدينونة تدفعنا إلى التوبة وإتيان أعمال البر. من أعلى السموات سيأتي ابن الله بصفته ديَّاناً. فلنكن على أُهبة الاستعداد، يا إخوتي، كي لا نخسر المجد المحفوظ لنا. نعم سيأتي رب الكون، ولن يتأخر. سيأتي مع جنوده الملائكية وموكب رؤساء الملائكة، وطغمات الشهداء، وجماعات الأبرار، والأنبياء والرسل. نعم في وسط هذا المشهد المُبهر للأرواح السمائية سيظهر ملك الملوك في بهاءٍ لا تقدر لغة بشرية أن تُعبِّر عنه. ينبغي، يا إخوتي الأحباء، ألاَّ نألو جهداً حتى لا نفقد كرامة هذا المشهد. ولكن هل أقول لكم هذا لكيما أُرعبكم؟ كلاَّ، إني لا أريد أن أُحزنكم، بل بالأحرى أن أردَّكم إلى الله، وأن نتفكَّر معاً في ذلك النهر الناري الذي سيكون أمام كرسي الديَّان العظيم، وتلك الأسفار المفتوحة، والتي تحتوي على يوميات حياتنا، وفي ذلك الحُكْم المُفزع الذي سيُنطق به. - وربما تقولون: وما البرهان على أنه سيكون هناك أسفار (أي كُتُب)؟ في الكتاب المقدس، حوالي عشرون مرة، يقول فيها موسى النبي للرب: «والآن إن غفرتَ خطيتهم، وإلاَّ فامْحُني من كتابك» (خر 32: 32). وداود يقول: «ليُمْحَوْا من سِفْر الأحياء، ومع الصدِّيقين لا يُكتَبوا» (مز 69: 28). وفي مزمور آخر يقول: «في سِفْرك كلُّها كُتبتْ. يوم تصوَّرَتْ إذ لم يكن واحدٌ منها» (مز 139: 16). والرب يسوع المسيح كان يقول لتلاميذه: «لا تفرحوا بهذا، أنَّ الأرواح تخضع لكم، بل افرحوا بالحري أنَّ أسماءكم كُتِبَتْ في السموات» (لو 10: 20). فأنتم ترون أن البعض تُمحى أسماؤهم، والآخرين تُسجَّل أسماؤهم. فعلى صفحات هذه الأسفار تُودَع، لا فقط أسماء الأبرار، بل أيضاً كلُّ آثامنا. - في مناسبة هذا العيد، فلنتعلَّم كيف ننجو من تِلْكُم العذابات. هذا موضوع رهيب، ولكنه نافعٌ لخلاصنا. لنتعلَّم فعل الخير (الصلاح) حتى لا نُبتلى بالشدائد الصعبة. خطايانا ستُدوَّن في هذه الأسفار، بل حتى كلامنا. كلُّ شيء سيُرقَّم في الحال وفي ذات اللحظة. ودليل كل ذلك، إذا كانت كل هذه الإثباتات الأكيدة والواضحة لا تكفي، فاسمعوا ما يقوله ملاخي النبي لليهود: «(الويل لكم) لقد أتعبتم الربَّ بكلامكم، وقُلتم بِمَ أتعبناه؟ بقولكم: كلُّ مَن يفعل الشر فهو صالحٌ في عيني الرب، وهو يُسَرُّ بهم» (مل 2: 17). هذه أقوال عبيد جَهَلَة، وأنتم قد قلتم إن الله يحبهم. نعم، إنه ما زال يحب حتى أولئك الذين يُنكرونه. وأنتم «قلتم عبادة الله باطلة، وما المنفعة من أننا حفظنا شعائره وأننا سلكنا بالحزن قُدَّام ربِّ الجنود. والآن نحن نطوِّب أولئك الذين لا يُراعونها» (مل 3: 15،14 - السبعينية). نحن كل يوم نخدم الله، ومع ذلك فالأشرار هم الذين يتمتعون بنِعَمه. هذه هي الأقوال التي يتفوَّه بها العبيد على سيِّدهم. هذا تقييمٌ مؤلم عندما يسمح به الإنسان لنفسه تجاه إنسان مثيله؛ أما إذا سمح بذلك لنفسه من جهة الله رب الكون، الرؤوف اللطيف، فهذه إهانة بل بالأحرى جريمة تستحق عقوبة الموت. نعم هذه المبادئ الإلحادية ستُسجَّلُ كتابةً حسب قول النبي: «ستكون في سفر الأحياء لتكون سِفرَ تذكرة أمام الله» (مل 3: 16 - السبعينية). ذلك، ليس لأن الله في حاجة أن يُسجِّلَ لكي يُذكِّر نفسه، ولا لأنه يريد أن يحتفظ بهذا السفر دليلاً على إثبات الشكوى وعلَّةً لجفائه نحونا؛ كلاَّ! إن الله ليس في حاجة للاستعانة بهذه الأمور. وربما أكون قد أرعبتكم بهذا الكلام، ولكني أُصارحكم القول إني كنتُ مرتعباً قبلكم، بل وأكثر منكم أيضاً. فاسمحوا لي أن أواصل حديثي، أو بالأحرى أن أُخفِّف من وطأته وأُهدِّئ روعكم وروعي، لأن هذه الرهبة حسنة، تلك التي تطهِّر الضمائر؛ فلنخفف من ثقلها فقط فلا تضنينا. وكيف السبيل إلى ذلك؟ في تبيان أن هذه الآثام المكتوبة علينا في مقدورنا إزالتها. في محاكم البشر تؤخذ كل أقوال المتهم واعترافاته دليلاً ضده بصفة مطلقة، ولا يمكن العدول عنها. لكن كل كتابة في سِفْر الله يمكن - إذا أردنا - أن تُمحى. وما البرهان؟ ألم يَقُل صاحب المزامير في الكتاب المقدس: «استُر وجهك يا إلهي عن خطاياي وامحُ كل آثامي» (مز 51: 9). وما لا يُكتب هل يمكن أن يكون موضوعاً للمحو؟ بل حيث إن هذه الآثام قد كُتبت فعلاً، لذا يطلب النبي أن تُمحى. وكاتب آخر من كَتَبَة الأسفار الإلهية، يُعلن لنا طريقة أخرى لإزالة أرجاسنا: «الصدقة مع أعمال الإيمان تمحو الخطايا» (أم 15: 27 - حسب الترجمة السبعينية). ومعنى ”تمحو“ هنا، أنها تُنقِّي الضمير فلا يبقى فيه بعدُ أي شوائب أو عيوب. وفي هذا ليس فقط تلك العيوب السابقة للعماد بل أيضاً تلك التي تصيب الإنسان بعد غسله وتجديده بماء الميلاد الثاني الذي تمَّ باستحقاقات صليب يسوع المسيح، حسبما يقول القديس بولس: إن يسوع «محا الصكَّ الذي علينا في الفرائض الذي كان ضدّاً لنا وقد رفعه من الوسط مُسمِّراً إيَّاه بالصليب» (كو 2: 14). أَتَرَوْن كيف أُبطل هذا الصكّ؟ بل بالأحرى كيف مُزِّق بمسامير الصليب التي جعلته منذ ذلك الحين ساري المفعول (في محو خطايا كل مَن يؤمن بما تمَّ على الصليب). فكل أرجاسنا قد مُحِيَتْ في الصليب بنعمة وفضل وقوة المسيح. أما عن تلك التي تصيب الإنسان بعد المعمودية، فزوالها يتطلَّب غيرةً وجهاداً أكثر. فالواقع أن المعمودية لا تُعاد، لذا ينبغي الاستعانة بالدموع والتوبة المنسحقة والإقرار بالذنوب، وعمل الرحمة، والصلوات، وكل الأعمال التَقَويَّة الأخرى. وهكذا تُمحى الخطايا التي نأتيها بعد العماد (بإرادتنا)، إنما بأعمال شاقة ومضنية. من هذا ينبغي أن يكون لنا غيرة حارة لمحو أدناسنا في الوقت الحاضر حتى ننجو في العالم الآخر من الفضيحة والعقوبات التي لابد أن نُقاسيها هناك (إذا لم نَتُب). لنغسل أنفسنا من أوزارها التي لا حصر لها، وينبغي لنا ألاَّ نألو جهداً في طرح كل ثقل خطايانا عنا، ولنبادر إلى الرغبة في ذلك. *********************************************************
دير القديس أنبا مقار صدر حديثاً في ذكرى نياحة قدس أبينا الروحي الأب متى المسكين كتاب: رسائل القمص متى المسكين
وهي مجموعة رسائل كتبها قداسته للآباء الرهبان، وللمكرَّسين، ولمؤمنين يعيشون في العالم. وهذه الرسائل تتحدث عن موضوعات شتَّى تهم كل إنسان: عن الألم وتحمُّل الضيقات، وعن النعمة وتسليم الحياة للمسيح، وعن التعزية عند المرض أو انتقال أحد الأحبَّاء. وبعض هذه الرسائل تحوي توجيهات رهبانية، وأخرى توجيهات في الحياة المسيحية العائلية، وتوجيهات في الحياة اليومية. كما تحوي هذه الرسائل تأملات في بعض المناسبات الكنسية. 545 صفحة من القَطْع الصغير (تجليد عادي) الثمن 12 جنيه، (تجليد فاخر) الثمن 17 جنيه كما يصدر في نفس الوقت الترجمة الفرنسية للسيرة الذاتية للأب متى المسكين بعنوان: Père Matta el Maskine - AUTOBIOGRAPHIE
|
|||
|
(1) التي تجسَّدها المسيح، والتي صعدت مع المسيح، كما أوضح ذلك القديس يوحنا ذهبي الفم في القسم الأول من عظته الذي نُشر العام الماضي 2006، عدد يونيه، ص 19. (2) القديس يوحنا ذهبي الفم يُردِّد هنا المقولة اللاهوتية التقليدية، التي ردَّدها من قبل القديس أثناسيوس الرسولي والآباء الذين قبله، ومن بعده القديس كيرلس الكبير: ”هو أخذ الذي لنا، وأعطانا الذي له. أخذ جسدنا، وأعطانا روحه القدوس“ - (ثيئوطوكية الجمعة)؛ وهي التي ما يزال المؤمنون إلى يومنا هذا يردِّدونها بفم التسبيح والشكر العظيم لله على عمل خلاصه العظيم. |