دير القديس العظيم أنبا مقار
الصفحة الرئيسية  مجلة مرقس الشهرية - محتويات العدد

من تاريخ كنيستنا:

الكنيسة القبطية في القرن التاسع
البابا سيمون الثاني
البطريرك الحادي والخمسون على الكرسي الإسكندري
(استمرت حبريته فقط 5 أشهر و17 يوماً)
البابا يوساب الأول
البطريرك الثاني والخمسون على الكرسي الإسكندري
823-840م

"وأبواب الجحيم لن تقوى عليها" مت16: 18

 

+ يقول أحد العلماء اللاهوتيين الأرثوذكس المعاصرين:
[إذا كان العالِم اللاهوتي لا يمكنه أن يستغني عن التأثـُّر بالتاريخ، لأن هذا شرط ضروري لتفاعله مع الكنيسة؛ فإن مَن ليس حسَّاساً لتاريخ الكنيسة فبالكاد يمكن أن يكون مسيحياً بالحقيقة]
(1)
.

لذلك تزوِّدنا الكنيسة بتذكارات تاريخ الكنيسة وسِيَر الآباء المجاهدين القديسين، لتُرينا أن ما نعيشه الآن هو امتدادٌ لتاريخ طويل وأجيال مديدة (20 قرناً وها نحن في بدء القرن الحادي والعشرين)، وطوبى لمَن يكون ذهنه حسَّاساً لمسيرة الكنيسة فيتعلَّم وينتفع من جهاد وفضائل قديسيها فيمتد بها في جيله الحاضر، ويتفادى ويحذر من معاثر وأخطاء الماضي فيُنقي نفسه وجيله من مثيلاتها في جيله الحاضر. وهذا هو هدف هذا الباب ”من تاريخ كنيستنا“ الذي نحرص على تقديمه للقارئ كل شهر.

+++++

سيرة البابا سيمون الثاني:

فلما تنيح الأب القديس الجليل البطريرك أنبا يعقوب ومضى إلى الرب، فمن بعد نياحته بمدة يسيرة قدَّم الأراخنة والأساقفة عِوَضاً عنه، وبأمر الله، شماساً راهباً اسمه ”سيمون“ من مدينة الإسكندرية، ومن أسرة طيبة. وكان سيمون ابناً روحياً للأنبا يعقوب ويخدمه في قلايته، وقد تربَّى منذ صبوته عند الأب الأنبا مرقس المتنيح (790-810م). وقد أقام على الكرسي المرقسي مدة خمسة شهور و17 يوماً، قضاها كلها يتألم بمرض النقرس تألُّماً شديداً إلى أن تنيح في 3 بابه سنة 823م. وأسكنه الرب مساكن النور والراحة الأبدية.

 

البابا يوساب الأول

البطريرك الثاني والخمسون في عداد بطاركة الكرسي الإسكندري

لما تنيح الأب سيمون، وحسب وصف كتاب ”تاريخ البطاركة“، اجتمع الشعب الأرثوذكسي في مدينة الإسكندرية، وتشاوروا في أن يُقيموا بطريركاً بحكم خلوِّ الكرسي الرسولي، لأنه كان قد تأخَّر مدة كبيرة بعد الأب أنبا يعقوب. لذلك زاد قلقهم بسبب سرعة انتقال البابا سيمون الثاني، وظنوا أن ذلك بسبب خطايا الشعب والإكليروس. وهذا ظنٌّ حسن وفي موضعه، لأن حال الكنيسة كان قد بدأ في التدهور، سواء حال الشعب أو حال الإكليروس؛ إما بسبب اشتداد وطأة الغُزاة الجُدُد، أو بسبب قلة عدد القديسين سواء في داخل الأديرة أو في وسط الشعب المسيحي في المدن. لذلك كان شعب الإسكندرية يتقصَّون بالمدينة ويبحثون مع الآباء الأساقفة ويطلبون مَن يصلح أن يجلس على الكرسي.

مشاكل وعقبات:

يقول كاتب سيرة القديس: ”وأنتم عارفون بأهل الإسكندرية أنهم محبون لنعيم الجسد، ففكَّروا في فكرة سخيفة خارجاً عن قوانين الكنيسة وتقليد رسامة البطاركة. إذ كان بفسطاط مصر رجل ذو حيثية وذو مال له ولجنسه من الذهب والفضة والأثاث، بالإضافة إلى أنه كان صديقاً لديوان السلطان والي مصر. وكان هذا الرجل اسمه "إسحق السيد ابن أندونة".

فلما عرفت جماعة أهل الإسكندرية ما كان عليه هذا الرجل من غِنىً وجاه وموطن، كتبوا إليه يزكُّونه قائلين له: إننا ما نختار أحداً نقدِّمه بطريركاً سواك، وكان رجلاً علمانياً - أي من شعب الكنيسة - ومتزوجاً بامرأة“.

وأول ما نلاحظه في هذا التصرُّف هو ”جسدانية“ الرؤية للشعب الإسكندري، إذ نظروا إلى الوجه والوجاهة، دون القلب والروح والروحانية التي اتَّصف بها بطاركة الكرسي الإسكندري منذ القديم.

ثم ثاني ما نلاحظه هو رضاؤهم بكونه متزوِّجاً. وبالرغم من أن التبتُّل ليس شرطاً قاطعاً مانعاً في الكتاب المقدس ولا في القوانين الكنسية، لكن حسَّ الشعب القبطي المشهور عنه الروحانية والسمو جعلهم يرون أن الأب الأكبر للكنيسة، الذي سيرعى الكنيسة بإكليروسها وشعبها ويواجه قوات الظلمة التي تُقاوم الكنيسة وتتحدَّاها؛ لابد أن يكون غير منشغل إلاَّ بالعريس السماوي فيما يرضيه وحده (1كو 7: 32) حتى يكون بالحقيقة أباً وعريساً وكفيلاً بشعب المسيح، يذود عنه بالصلاة والانسكاب أمام الله والتقديس الكامل والفرز كُلِّيةً لله والانعزال عن كل انشغال جسدي. وهكذا سارت مسيرة الكنيسة أن يُختار البطاركة والأساقفة من طغمة المتبتلين لله، بالرغم من إيمان الكنيسة بطهارة الزواج وقدسية الحياة العائلية ما جعلها ترفع الزواج إلى مستوى السرِّ الإلهي الكنسي.

لذلك - وكما يقول مؤرخ البطاركة - نأى الأساقفة بأنفسهم عن هذا الاختيار.

لكن أسقفين فقط شذَّا عن إجماع أساقفة المجمع المقدس على هذا الانعزال، فأيَّدا الإسكندريين في مسعاهم، وأقنعا هذا المرشَّح أن يكتب خطاباً إلى كهنة وشعب الإسكندرية يغريهم بوعود مادية كثيرة إذا ما جلس على الكرسي. فلما قرأوا ذلك مالوا إليه ورغبوا فيه ونسوا قول الكتاب المقدس: ”لا يأخذ أحدٌ هذه الكرامة من نفسه إلاَّ أن يُعطاها من السماء من عند الله“ (عب 5: 4).

عظمة الكنيسة في جيلٍ ما، تظهر في قداسة أساقفتها المنحازين للحق الممتلئين من النعمة:

يصف كاتب سيرة البابا يوساب الثاني طغمة أساقفة ذلك الزمان هكذا:

[وكان في ذلك الزمان أساقفة قديسون مِمَّن يقولون الحق، ممتلئين من النعمة... كاملين في الإيمان والأمانة].

ومن المعروف أن كل أسقف يُقام على الشعب في مدينةٍ ما ويوضع عليه اليد، يُعتبر ”أسقفاً في كنيسة الله“ يشهد للحق ويذود عنه، ليس في إيبارشيته فقط بل في كل الكنيسة. فهو مسئول عن حماية الإيمان، وحِفظ التقليد، وإقامة الحق في الكنيسة كلها، لا يهاب إنساناً إلاَّ الله، ويعلو فوق ضعفات وشهوات الدنيا وكرامات الرئاسات وأموال العالم وبطش الطغاة، متى تعارضت هذه مع إيمان الكنيسة وتكاتفت على تشويه أو نسيان أو مخالفة تقاليد الكنيسة؛ فيحفظ بمواقفه التاريخية ميزان الحق والعدل والروح الذي عليه تُقاس قداسة الكنيسة وسلامتها في جيلٍ ما.

فطوبى للكنيسة في أي زمان يكون فيها ولو أسقف واحد مثل هؤلاء الذين عاشوا في القرن التاسع، لأن الله يكون قد أقام لنفسه فيها قرن خلاص. فقد كان في ذلك الزمان أساقفة يُسجِّل التاريخ أسماءهم بمداد الشرف والفخر ووسام الإخلاص والأمانة: أنبا ميخائيل أسقف بلبيس، وأنبا ميخائيل أسقف صا، وأنبا يوحنا أسقف بنا، وأساقفة كثيرون مثلهم.

فلما بلغهم ما فعله الأسقفان وجماعة أهل الإسكندرية، تحرَّكت فيهم النعمة الإلهية (تأمَّل في الطريقة التي يكتب بها المؤرخ تاريخ كنيستنا المجيدة، إنها تبيِّن أن الكنيسة خاضعة لتدبير النعمة الإلهية في مواجهة التدبير البشري الجسداني)، وعقدوا لهذين الأسقفين مجمعاً أسقفياً وتوجَّهوا إلى الإسكندرية حسبما يقتضيه القانون الكنسي.

ولما حقَّقوا في الأمر وتحقَّقوا من رأي الإسكندريين قالوا لهم: ”أين تركتم خوف الرب، وخالفتم قوانين الكنيسة، حتى أنكم عهدتم إلى رجلٍ علماني متزوج لتجلسوه على كرسي مار مرقس الإنجيلي بخلاف ما جرت عليه العادة والقوانين“.

وعند ذلك سكتوا ولم يجاوبوهم بحرف واحد لعلمهم بخطئهم. ويا للتقوى التي تزخر بها قلوب الأقباط حتى إذا أخطأ بعضهم ولو كانوا رؤساء، فإذا أنَّبهم أحد، ففي الحال يندمون - ولا يُكابرون أو يُقاومون - لذلك قال المؤرخ القبطي عن هذا الموقف: ”وبمعونة الله الذي يفتقد شعبه في كل حين ويُضيء وجهه على ميراثه...“ (2).

بركة قبول التصحيح من الآخرين:

لذلك قاد الله شعب الإسكندرية وأراخنة وأساقفة الكنيسة إلى خادمٍ لله، هو الراهب يوساب الذي كان قساً وإيكونوموساً بكنيسة القديس أنبا مقار ببرية شيهيت. فلما طابت قلوب الجميع به مع الأساقفة والكهنة، لمعرفتهم به أنه كان ”مصباحاً“ أي خادماً أميناً للأب أنبا مرقس الثاني البطريرك الـ 49 (790-810م) بعثوا بوفد من بعض الأساقفة وكهنة الإسكندرية إلى الوادي (وادي هبيب أو وادي النطرون)، حيث وضعوا علامة لاختيار تقديم هذا الإنسان، وهي أن يجدوا باب قلايته مفتوحاً (حيث من النادر أن يترك الراهب باب قلايته مفتوحاً لانشغاله بالصلاة والعمل داخل قلايته حتى لا يطَّلع أحد على تدبير سيرته وفضائله).

فلما وصلوا إلى الدير في اليوم التالي، وقفوا على باب قلايته، فوجدوه يخرج ليُغلق بابها خلف أولاده الروحانيين الذين كانوا عنده، وقد مضوا ليملأوا ماءً من البئر. فبُهتوا من هذه المصادفة الغريبة التي ما كانت مصادفة، بل تدبيراً من الله ليُعلن لهم رضاه وموافقته على الاختيار. وبمنتهى الطهر والاتضاع، سجد لهم وسلَّم عليهم، ودخل بهم إلى قلايته بسرعة.

كيف يتعاملون مع راهب اختاروه للبطريركية؟

فلما صاروا داخل محل إقامته، ضربوا بيدهم إليه (تعبيراً عن الإمساك به حتى لا يهرب)، وطرحوا القيد الحديد في رجليه، وقالوا له: ”أنت بالحقيقة مستحقٌّ البطريركية“. فبدأ أن يبكي بكاءً عظيماً ويقول: ”ما الذي يربحه رجل ناقص مثلي من دخوله تحت هذا النير العظيم“؟ (ملحوظة: لم تكن خدمة البطريركية بعد قد صارت منصباً يحيط به المجد والكرامة وتعظيم الناس للبابا ومدحهم إيَّاه حتى بغير ما فيه، وغير ذلك من عظمة العالم الكاذبة)؛ بل كان بالحق نيراً - أي حِملاً ثقيلاً - ودعوة إلى العذاب والألم ثم الاستشهاد! فعزَّوه، وطيَّبوا قلبه، واجتمعوا في كنيسة الدير، وتناولوا من الأسرار المقدسة لأن اليوم كان تذكار الملاك ميخائيل في اليوم الثاني عشر من هاتور.

ملحوظة: كان الراهب يهرب من البطريركية قديماً، لأنه كان يحس في نفسه أنه أضعف من أن يحمل همَّ خلاص نفوس الرعية في ظروف الاضطهاد والألم والضيق الشديد الذي كان يحيق بالأقباط آنذاك. كما كان يعرف أنه سيقف أمام الولاة والسلاطين يُطالبونه بالمال والجزية والخراج ما لا تسعفه به يده. إذ كان البطاركة فقراء مساكين بالحقيقة لا يملكون من الدنيا سوى ثوبهم الرهباني الذي عليهم، أما أموال الكنيسة - كثرت أو قلت - فقد كانت حَرماً على يد الأب البطريرك وفي أمانة الإيكونوموس الكبير أي القائم على أموال البطريركية، ولا يصرف منها إلاَّ بناءً على الأصول المرعية وبأمر البابا ومجلس البطريركية. أما مصاريف البابا فكانت لا تزيد عمَّا كان عليه وهو راهب في الدير بالإضافة لمتطلبات خدمته البطريركية المستجدة عليه.

كيف يودِّع الراهب المختار ديره؟

وتبارك الأب يوساب من الآباء القديسين رهبان الدير، وسألهم أن يصلوا من أجله ويدعوا له أن يُتم الله سعيه. فدعوا له وباركوا عليه جميعاً من عمق قلوبهم، وودَّعوه باكين لأنهم فقدوا من ديرهم إنساناً قديساً فيه روح الله. ثم ساروا معه حتى وصلوا إلى الصخرة (أي صخرة الشاروبيم) وكان هو معهم، فإذا بهم يسمعون صوتاً خلفه قائلاً: ”الرب يصحبك يا يوساب ويُقوِّيك لتصبر على البلايا التي تحلُّ بك، وبها تنال إكليل الحياة“.

فلما سمع القديس والذين معه هذا الصوت العظيم، ولم ينظروا أحداً غيرهم، تعجَّبوا وبُهتوا وعلموا أن أحزاناً شديدة وتجارب عظيمة سوف تناله. ووصل الأب يوساب مع الأساقفة والكهنة وأراخنة الشعب الآتين إلى المدينة العظمى الإسكندرية.

ولما سمع الشعب خرجوا للقائهم متهلِّلين ممجِّدين الله، فعرَّفوهم ما جرى لهم في الطريق والصوت الذي سمعوه خلفهم عند صخرة الشاروبيم. فمجَّدوا الله صانع العجائب وحده في كل حين.

مشاكل غير متوقعة مع الوالي:

وأَعْلَموا الأمير والي الإسكندرية وكان اسمه ”عبد الله بن يزيد“ بوصولهم بهذا الأب ليأخذوا رأيه وأمره قبل رسامته - كما جَرَت العادة في كل زمان - فامتنع الوالي ولم يُعطِهم الإذن، وقال لهم: ”إن "إسحق" - الذي سبق ترشيحه من قبل - أرسل لي يعدني بألف دينار إن هو جلس على هذا الكرسي (رشوة لإجازة رسامته على غير العُرف والقوانين)، فإن كنتم قد اخترتم هذا الآخر، فادفعوا لي ما قد وعدني به إسحق“، ومنعهم من رسامته لعدة أيام.

لكن الآباء الأساقفة لكَوْن نعمة الله تملأهم ظلوا ملازمين داره، طالبين إليه أن يُمكِّنهم من رسامة مَن اختاره الله حقاً، أما هو فلم يفعل لمحبته في المال.

فاجتمع الأساقفة وقالوا له: ”لسنا نحن تحت سلطانك، فإن لم تُمكِّنا، وإلاَّ مضينا إلى فسطاط مصر (القاهرة) ونرسمه هناك“. فلما نظر ثباتهم وأنهم ماضون في فعلهم كما ذكروا، أَذِنَ لهم، فاجتمعوا في كنيسة القديس مرقس الإنجيلي - على ما جرت به العادة - وكان ذلك في اليوم الحادي والعشرين من هاتور سنة 547 للشهداء، وأكملوا الصلوات في الهيكل وبدأوا في الرسامة ووَضْع أيدي الأساقفة على رأس الراهب القس يوساب ليصير البابا الثاني والخمسين على كرسي مار مرقس، وهم يباركون ويُمجِّدون الله.

ونواصل في العدد القادم، إن شاء الله، بداية حبرية البابا يوساب الأول.

(يتبع)

(1) Georges Florovsky, Aspects of Church History, p. 193, Nordland Publishing Company, 1973.

(2) نحرص في تسجيل تاريخ كنيستنا هنا أن نذكر التعبيرات والمصطلحات الروحية الكنسية التي ذكرها المؤرخ حتى يتعلَّم المؤمنون في جيلنا الحاضر ما كان يجري على ألسنة وأقلام آبائنا القديسين من تعبيرات وألفاظ روحية كنسية مُلهَمة من الله مُملَّحة بالنعمة (كو 4: 6)، لتكون هي أيضاً في أفواهنا وعلى أقلامنا حينما نتكلَّم ونكتب في مواجهة ما يعرض للكنيسة في جيلنا الحاضر ما واجه الكنيسة في الأجيال الماضية، بدلاً من غيرها ما لا يستقيم مع صفة القداسة المُلقَّبة كنيستنا بها.