|
|
|
|
ثانياً: الأسفار التاريخية
2 - سِفْر القضاة (2)
1. [النشيد الرابع في سِفْر القضاة، جاء فيه: «فترنَّمت دبورة وباراق بن أبينوعم في ذلك اليوم قائلَيْن: لأجل قيادة الأمراء في إسرائيل، من أجل تطوُّع الشعب بمطلق حريتهم، باركوا الرب! اسمعوا أيها الملوك واصغوا أيها الحُكَّام!» (مُترجمة حسب النص)... أمَّا الشخص الذي كان يُرنِّم هذا النشيد فكان تفسير اسمه ”نحلة“، التي إنتاجها يأكله الملوك وعامة الشعب لصحتهم، لأن ”دبورة“ التي تنشد هذا النشيد معنى اسمها ”نحلة“. وكذلك ”باراق“ الذي معها، معنى اسمه: ”منير“ (أو لامع)، وقد أنشدا هذا النشيد بعد الانتصار، لأنه لا يقدر أحدٌ أن ينشد ما هو مُعبِّرٌ عن الفرح إنْ لم يكن قد هزم خصومه. علاوة على ذلك فقد قيل في هذا النشيد: ”استيقظي، استيقظي، يا دبورة! استحثي الآلاف من الشعب. استيقظي، استيقظي، وتكلَّمي بنشيدٍ، قم يا باراق“! ولكنك ستجد هذه الأمور مُفسَّرة بأكثر إسهاب في العظات التي وضعناها على سِفْر القضاة](2) - العلاًَّمة أوريجانوس.
2. [عندما كان يرُبَّعل (جدعون، كما دُعِيَ في السِّفْر) يخبط حنطة تحت البطمة (قض 6: 11)، تلقَّى رسالة من الله أنه قد أُخْتِير أن يُحرِّر شعب الله من قبضة الغرباء. أليس هذا شيئاً يدعو للتعجُّب! إنه قد أُختير بالنعمة، مِمَّا يُفهم منه أنه قد عُيِّن تحت ظل الصليب المقدَّس وبواسطة الحكمة المستحقَّة للعبادة، حسب السرِّ المُحتَّم استعلانه في المستقبل عن التجسُّد. إنه كان يُقدِّم مُسبقاً، بصورةٍ مرئية، حبوب الحنطة المُثمرة من داخل أغلفتها المخفية للثمر، فقد كان يفصل (بفعلٍ سرِّي) المختارين من القدِّيسين عن الأغلفة الفارغة المرفوضة. لأن المختارين كانوا كأنهم قد تدرَّبوا بمضرب الحق، لكي يتنقَّوْا من زوائد الإنسان العتيق مع أعماله، ويُجمَعوا في الكنيسة كما في معصرة، لأن الكنيسة هي معصرة خمر الينبوع الأبدي، حيث من منبعها يخرج عصير الخمر السماوي](3) - القديس أمبروسيوس.
3. [جدعون، مدفوعاً بتلك الرسالة، عندما سمع أنه رغم أنَّ آلافاً من الشعب قد فشلوا، فإنَّ الله سوف يُخلِّص الذين له من أعدائهم بواسطة رجلٍ واحد، الذي قدَّم جَدْي مِعْزَى، وبناء على كلمة الملاك، وضع لحمها مع فطير غير مُختمر على الصخرة وسكب عليها المرق. وعندما مدَّ الملاك طَرَف العُكَّاز الذي بيده، صعدت نار من الصخرة وأكلت الذبيحة التي قُدِّمَت وأفنتها (قض 6: 19-21). ويظهر من ذلك أنَّ الصخرة كانت رمزاً لجسد المسيح، لأنه مكتوب: «والصخرة كانت المسيح» (1كو 10: 4). وهذا يُشير، ليس إلى أُلوهيته، بل إلى جسده (غير المنفصل عن لاهوته)، الذي يروي قلوب العطاش من البشر بنهر دمه السرمدي. وإنه منذ ذلك الوقت قد أُعلِنَ في سِرٍّ أنَّ الربَّ يسوع عند صَلْبه، سوف يمحو خطايا كل العالم بجسده (المُحيي). وليس ذلك فقط، بل وأيضاً أعمال الجسد وشهوات النفس، لأن لحم الجدي يُشير إلى الخطايا الفعلية؛ أما المرق فيُشير إلى غوايات الشهوة، كما هو مكتوب: «لأن الشعب اشتهى شهوة وقالوا: مَن يُطعمنا لحماً لنأكل» (عد 11: 4 - حسب النص). وأما كَوْن الملاك حينذاك قد مدَّ عُكَّازه ولَمَسَ الصخرة، فخرج منها نار؛ فإنما يُشير إلى أنَّ جسد الرب المملوء من روح الله، سوف يحرق ويُفني كل خطايا البشر التي اقترفوها عن ضعفٍ. لذلك قال الرب: «جئتُ لأُلقي ناراً على الأرض» (لو 12: 49)](4) - القديس أمبروسيوس.
4. [ثم بعد ذلك، فإنَّ الرجل (جدعون)، بناء على التوجيهات والتعليمات التي أُعطِيَت له قبلاً، أطاع الأسرار السماوية. ثم حسب التحذيرات التي وُجِّهَت له، قَتَلَ الثور الذي كان مُعدّاً للعبادة بواسطة أبيه؛ أمَّا هو فقدَّم لله ثوراً آخر ابن سبع سنين. وبفعله هذا أظهر بوضوح أنه بعد مجيء الرب سوف تبطل كل تقدمات الأُمم، وأنَّ الذبيحة الواحدة التي لآلام الرب هي التي سوف تُقدَّم من أجل فداء البشر. لأن ذلك الثور، كان رمزاً للمسيح، الذي فيه، كما قال إشعياء: ”حلَّ ملء مواهب الروح السبعة“ (انظر إش 11: 2). هذا الثور (الذي كان في هيئة كبش) قد قدَّمه إبراهيم عندما رأى يوم الرب وفَرِحَ (انظر يو 8: 56). وهذا أيضاً قد قُدِّم في وقتٍ ما في هيئة تيس (انظر لا 4: 28،23)، وفي مرَّةٍ أخرى في هيئة خروف، وفي مرَّةٍ أخرى في هيئة ثور. وعندما قُدِّم كتيس فلأنه كان ذبيحة خطية، وعندما قُدِّم كخروف فلأنه كان ذبيحة دائمة، وعندما قُدِّم كثور لأنه كان ذبيحة بلا عيب](5) - القديس أمبروسيوس.
5. [قد يسأل سائل: إن كان جدعون يبدو أنه كان ضعيفاً في إيمانه، إذ أنه بعد أن أَخَذَ توجيهات (من الله) بعلاماتٍ كثيرة، ما زال يطلب المزيد. لكن كيف يمكن أن يستمر في الطلب لو كان يشكُّ أو ينقصه الإيمان، في الوقت الذي كان يتكلَّم فيه بالأسرار؟ فهو، إذن، لم يكن شكَّاكاً، وإنما كان حريصاً حتى لا نشكَّ نحن. لأنه كيف يكون هو شكَّاكاً، وهو الذي كانت صلاته فعَّالة؟ وكيف يمكن أن يكون قد بدأ التحرُّك بدون خوفٍ، إن لم يكن قد فهم تماماً رسالة الله؟ لأن النَّدى فوق الجزَّة يعني الإيمان في وسط اليهود، حيث إنَّ كلمات (الرب) تنزل مثل النَّدى (على القلب)](6) - القديس أمبروسيوس.
6. [كما أنه لم يكن بلا سبب أنه (جدعون) لم يضع الجزَّة في حقل ولا في أرضٍ مزروعة، وإنما وضعها في أرضٍ خالية (مكان ضرب الحنطة)، حيث إنَّ الحنطة قد حُصِدَت منها: «إنَّ الحصاد كثيرٌ، ولكن الفَعَلَة قليلون» (لو 10: 2)؛ لأنـه، بواسطة الإيمـان بالربِّ، سيصبح هناك حصاد كثير الثمار من الفضائل](7) - القديس أمبروسيوس.
7. [ولكن، ما هو معنى هذا؟ «إلى اليوم الذي فيه يُنزل الرب المطر على الأرض»؟ يُستَثنَى من ذلك أنه هو أيضاً: «ينزل مثل المطر على الجُزاز، ومثل الغيوث الذارفة على الأرض» (مز 72: 6). في هذه الفقرة أُفشِيَ سرُّ التاريخ القديم، حيث جدعون المُحارب في ذلك الصراع السرِّي، بقبوله عربون النصر المقبل؛ عَرِفَ السرَّ الروحي في رؤيته الذهنية، وهو أنَّ تلك الأمطار كانت هي ندى الكلمة الإلهية التي جاءت أولاً على الجزَّة، عندما كانت كل الأرض جافة بقحطٍ مستديم؛ وبعلامةٍ ثانية حقيقية، بلَّلت يابسة الأرض كلها بسيلٍ من المطر بينما كان الجفاف على الجزَّة](8) - القديس أمبروسيوس.
8. [لا ينبغي اعتبار الكلاب بمفهوم كونها حيوانات شريرة دائماً، كما أنها عندما قال النبي عنها في موضع آخر قولاً لم يلُمها فيه وهو: «... كلاب بُكْمٌ لا تقدر أن تنبح... مُحبُّو النوم» (إش 56: 10). إلاَّ أنه بلا شكٍّ أنها تستحق المديح إذا كانت تعرف أن تنبح وتحب الحراسة. وبالتأكيد فإنَّ أولئك الثلاثمائة رجل (الذين اختارهم جدعون لمقاومة المديانيين)، الذين يُشير عددهم إلى أقدس رقم حسب الحرف الذي يرمز إليه عددهم (في اللغة اليونانية وهو الحرف C. إذ أنه الحرف الذي يرمز إلى كلمة الصليب crux؛ كما أنَّ رقم 300 يُكتَب باليونانية CCC). فقد أُختيروا لكي يُحقِّقوا النصر، لأنهم وَلَغوا (عَلَقوا) الماء من النهر كالكلاب، إنْ لم يكُن هناك سرٌّ آخر عظيم. ومع أنَّ الكلاب الجيدة تتميَّز بأنها تسهر للحراسة وتنبح لكي تحمي أسيادها وبيوتهم وقطعانهم وأغنامهم، إلاَّ أنها في المدائح التي تُقدِّمها الكنيسة عندما ذُكِرَت هذه المجموعة المختارة في هذا الفصل، فإنها ذَكَرَت ألسنة الكلاب ولم تذكر أسنانهم](9) - القديس أغسطينوس - الرسالة 149.
9. [كان الأمر لنفس الغرض عندما عزم جدعون على مقاومة المديانيين، فقد طلب من الثلاثمائة رجل أن يأخذوا جِراراً، ويمسكوا مصابيحَ في داخل الجرار، ويأخذوا معهم أبواقاً في أيديهم اليُمنى. فقد حفظ أسلافنا الشرح الذي استلمه الرسل، أنَّ الجرار هي أجسامنا المصنوعة من الخزف («لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفية» - 2كو 4: 7)، التي لا تعرف الخوف إذا اشتعلت بتوهُّج نعمة الروح، وحملت شهادة آلام الرب يسوع واعترفت بها بأعلى صوتها. فمَن ذا الذي يمكنه، إذن، أن يشكَّ في أُلوهية الروح القدس، طالما هناك نعمة الروح، حيث تُستَعلَن أُلوهيته؟ بهذا الدليل يُمكننا أن نستدلَّ، ليس على تعدُّدٍ، بل على وحدة القوَّة الإلهية. لأنه كيف يمكن أن يكون هناك انقطاع للقوَّة، بينما ظهر أثرها الواحد في الجميع؟ فلا يمكن أن تكون النعمة التي للأسرار ما لم يكن هناك غفران للخطايا. فما هي، إذن، تلك النار؟ ليست هي بالتأكيد تلك التي تنتج عن حرق أغصان عادية أو النار المندلعة من حرق بعض الأخشاب، ولكنها تلك النار التي تُنقِّي الأعمال الجيِّدة مثل الذهب، وتُبيد الخطايا مثل التبن. هذا هو بلا شكٍّ الروح القدس، الذي يُدعَى كِلا الأمرَيْن نار ونور وجه الله، كما قيل في المزمور: «قد أضاء علينا نور وجهك يا رب» (مز 4: 6 س). فما هو، إذن، النور الذي أضاء وخَتَمَ (وجوهنا بختم وجه الرب) سوى ختم الروح؟ مُصدِّقين في ذلك (قول الرسول): «إذ آمنتم خُتمتُم بروح الموعد القدوس» (أف 1: 13). وكما أنَّ هناك نور وجه الحضرة الإلهية، كذلك أيضاً تشعُّ النار من حضرة الله، لأنه مكتوبٌ: «قدَّامه نارٌ تتوهَّج» (مز 49: 3 س). لأن نعمة يوم الدينونة تشعُّ مُسْبقاً، لكيما يتبعها الغفران ليُكافئ خدمة القدِّيسين](10) - القديس أمبروسيوس.
10. [أولئك الذين يفخرون بجيشهم، الذين مَلِكُهم هو الملك الأشوري، الذي اعتاد أن يفتخر قائلاً: «أصعد إلى السموات» (إش 14: 13)، لم يسقطوا فقط إلى أسفل إلى الأرض بل صاروا مثل رَوْث البهائم. «اجْعَلْ شُرفاءهم»، مَن هم شرفاؤهم؟ أولئك الذين يُحاربون شعبك: «مثل غُراب، ومثل ذئب. ومثل زَبَح ومثل صَلْمُنَّاع كلَّ أُمرائهم» (مز 83: 11). أظن أنكم قد قرأتم في سِفْر القضاة قصة جدعون، الذي يُدعَى أيضاً يرُبَّعل، كيف خدع أولئك الملوك الأربعة حينما كان يُحاربهم من أجل شعب الله وقضى عليهم. ولاحِظ طبيعة أولئك الذين كانوا شرفاء المديانيين الذين تخلُّوا عن حُكْم الله وقضائه. مَن كان يحلم أنَّ مثل هذه الكلمات تتضمن أسرار المُخلِّص؟ لقد قرأها الفلاسفة وابتسموا، وقرأها الخُطباء وسخروا. ليس فقط الخُطباء، بل كذلك أيضاً اليهود، الذين لم يكن عندهم مفتاح كنوزهم، لأن عيونهم كانت مُغطَّاة ببرقع (2كو 3: 15). فكلمة ”غراب“ =Oreb معناها: ”جُحر يكمن فيه ثعبان“؛ و”ذئب“ = Zeeb هو الذئب (المفترس). سَجِّلْ الآن أسماء زعماء مُعارضي المسيح: ”زَبَح“ = Zebah، الفريسة أو الغنيمة التي سيخنقها الذئب؛ و”صَلْمُنَّاع“ = Zalmunna، أسياد الخبث. انظُرْ، إذن، هذه الأسرار الإلهية المخفية خلف الأسماء!](11) - القديس جيروم .
(يتبع)
(1) انظر العدد السابق من مقال: ”دراسة الكتاب المقدس“، أبريل 2016، ص 24-28.
(2) Origen, Commentary on the Song of Songs, Prologue (OSW 238).
(3) St. Ambrose, On the Holy Spirit 1, Prologue 1 (NPNF, 2, 10: 93).
(4) St. Ambrose, On the Holy Spirit 1, Prologue 2-3 (NPNF, 2, 10: 93).
(5) St. Ambrose, On the Holy Spirit 1, Prologue 4 (NPNF, 2, 10: 93,94).
(6) St. Ambrose, On the Holy Spirit 1, Prologue 6 (NPNF, 2, 10: 94).
(7) St. Ambrose, On the Holy Spirit 1, Prologue 10 (NPNF, 2, 10: 94).
(8) St. Ambrose, Concerning Widows 3.18 (NPNF, 2, 10: 394).
(9) FC 20: 247.
(10) St. Ambrose, On the Holy Spirit 1, 167-70 (NPNF, 2, 10: 112).
(11) St. Jerome, Homilies on the Psalms (Ps. 83); FC 48: 115-16.
