تأملات في

شخص المسيح الحي


المسيح
- 6 -

مَنْ هو هذا؟
”يسوع ربٌّ“

”يسوع ربٌّ“: هذا كان اعتراف المؤمنين بالمسيح منذ كرازة وتعليم الرب يسوع وهو ما زال على الأرض. وأقدم نص لهذا اللقب هو ما ورد في رسالة بولس الرسول الأولى إلى كورنثوس وهي كُتبت قبل كتابة أول إنجيل بأكثر من عشرة أعوام تقريباً، لكن النص الذي يذكره يرجع إلى عصر كرازة المسيح وهو ما زال على الأرض: «إن كان أحد لا يحب الرب يسوع المسيح، فليكن أناثيما. ماران آثا» (22:16).

وكلمة ”ماران آثا“ كلمة آرامية تعني: «تعالَ أيها الرب». وكلمة ”ماران“ كلمة باللغة الآرامية تعني: ”الرب“ أو ”سيد“؛ وكلمة ”آثا“ تعني: ”تعالَ“ من فعل ”أتى“، وهي نداء قديم من المسيحيين للرب يسوع بالإسراع بمجيئه الثاني، وقد تعلَّمها بولس الرسول من تلاميذ المسيح الذين سلَّموا له التعليم عن المسيح (لأنهم كانوا يتكلمون بالآرامية)، وهذا تمَّ بعد صعود المسيح بعدد من الشهور. وهذا يُبدِّد الادِّعاءات بأنَّ هذا اللقب اخترعه القديس بولس الرسول باللغة اليونانية بتلقيبه المسيح: Kurios أي ”ربٌّ“.

+ وهذه الصلاة المُوجَّهة للمسيح والمبكِّرة جداً: «تعالَ أيها الرب»، وردت أولاًً في عظة القديس بطرس بعد صعود المسيح بعشرة أيام: «الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم، ”ربّاً“ ومسيحاً» (أع 36:2).

+ هذا الاعتراف بربوبية المسيح استلمه التلاميذ من الرب يسوع نفسه، وذلك في الحوار الذي دار بين الكتبة واليهود وبين يسوع، حيث أوضح المسيح لهم أن ”المسيَّا“ ليس فقط هو ابن داود، بل هو أيضاً «ربُّ» داود، ما يُفهم ضمناً أنه هو نفسه الله الرب القدوس، وذلك في قوله لهم: «فقال لهم: فكيف يدعوه داود بالروح ربّاً قائلاً: «قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. فإنْ كان داود يدعوه ربّاً، فكيف يكون ابنه؟ فلم يستطع أحدٌ أن يُجيبه بكلمة» (مت 43:22-46).

إن المسيحيين منذ بدء المسيحية يؤمنون إيماناً راسخاً بوحدانية الله، عابدين الله ومُعلنين الله الواحد، وفي هذا كانوا في الوقت نفسه يؤمنون أن ابن الله، الذي هو كلمة الآب الأزلي، ليس إلهاً آخر، بل هو الكائن في جوهر الله منذ الأزل. ولذلك فهم يُعلنون ”يسوع المسيح ربّاً“ باعتباره ابن الله المتجسِّد، المولود من جوهر الله الآب منذ الأزل، فهو غير منفصل عنه ولا إلى لحظة واحدة.

وهكذا كان التعليم بالله الواحد المثلث الأقانيم مغروساً في الاعتراف المسيحي منذ البدء.

ماذا تعني ربوبية المسيح؟

إن لقب ”رب“ الذي وُصف به المسيح يعني باليونانية KURIOS، وقد وُصف به اسم ”يهوه“ بكلمة KURIOS ”كيريوس“ في الترجمة اليونانية لأسفار العهد القديم التي أَمَرَ بها القيصر الروماني ”بطليموس“ في القرن الأخير قبل الميلاد. وكلمة ”أدوناي“ هو الاسم الذي كان مسموحاً لليهود أن ينطقوه عن الله، لأن الله القدوس لم يُعطِ لنفسه اسماً كإجابة لسؤال موسى النبي حينما سأله: «فإذا قالوا لي ما اسمه فماذا أقول لهم؟»، فأجابه: «أهْيَه الذي هو أَهْيَه» (خر 3: 14)، أي: ”أنا هو الذي هو“.

هذا الاسم لم يكن مسموحاً لليهود أن ينطقوه، وذلك احتشاماً من نُطق اسم الجلالة. ولكن كان مسموحاً فقط بنُطق اسم ”أدوناي“ بالعبرانية بدلاً من «أهْيَه الذي هو أَهْيَه».

+ ثم أُعطِيَ اسم ”كيريوس“ باليونانية كترجمة للقب الله ”يهوه“ في الترجمة السبعينية. وقد ذُكِرَ اسم ”أدوناي“، وترجمته اليونانية ”كيريوس“ أكثر من 6000 مرة في أسفار العهد القديم المترجمة إلى اليونانية.

+ فأن يكون «يسوع ربٌّ»، فهذا يعني أنه هو بنفسه الله الواحد الوحيد الذي سبق أن قال لموسى النبي في العهد القديم: «أنا هو الذي هو»، وها هو الآن يظهر مُتجسِّداً.

+ أن نعترف بعد قيامة المسيح من بين الأموات بأنَّ «يسوع ربٌّ»، فهذا معناه الاعتراف بألوهيته. لأنه قبل قيامة المسيح من بين الأموات كانت كلمة ”كيريوس“ تُستخدم أحياناً بمعني ”سيد“، لأنهم لم يكونوا بعد قد اكتشفوا حقيقة كيان ”يسوع“. لكن التلاميذ بعد قيامة المسيح من بين الأموات، وبعد أن صدَّقوا وتأكَّدوا من قيامته حقّاً، لم يستطيعوا إلا أن يُلقِّبوه: ”رب“، وبالآرامية التي يتكلمون بها: ”ماران“، وباليونانية لغة الثقافة في ذلك الوقت: ”Kurios كيريوس“، ولكن على الأخص بالمعنى الذي وُصِفَ به ”يهوه“ الله في العهد القديم أكثر من 6000 مرة: «الله جعل يسوع هذا، الذي صلبتموه أنتم، ربّاً ومسيحاً» (أع 36:2). والمقصود بكلمة «جعل» أي ”أَظْهَرَه واستعلنه“ لقلوب التلاميذ أنه: الرب، يهوه، الله. ويُضيف إلى هذا اللقب شَرْح القديس كيرلس أسقف مدينة أورشليم في القرن الرابع هكذا: ”إنه حقّاً ربٌّ، ليس كأنه بلغ درجة الربوبية خطوة بخطوة، بل باعتباره يقتني في طبيعته كرامة أن يكون هو الرب“ (عظات الموعوظين، رقم 5:10).

+ إنه ”ربٌّ“ منذ ما قبل الدهور، لأنه هو الذي به خلق الله كل شيء: «ربٌّ واحد: يسوع المسيح، الذي به جميع الأشياء» (1كو 6:8).

+ تصوَّروا أن هذا ”الربَّ“ هو الذي التقى شخصياً بشاول الذي كان يضطهده في أشخاص المسيحيين، بينما كان شاول في طريقه إلى دمشق ليقتل المسيحيين هناك. وكان ”الرب يسوع“ قد صعد إلى السماء قبل لقائه هذا مع شاول بعدة أشهر! وهذا هو الرب الذي صار بولس (بعد تغيير اسمه من ”شاول“ إلى ”بولس“) يُقدِّم له العبادة باعتباره الله.

+ لذلك اعترف بولس الرسول قائلاً: «لذلك رفَّعه الله أيضاً، وأعطاه اسماً فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل رُكبة ممَّن في السماء ومَنْ على الأرض ومَنْ تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو ربٌّ لمجد الله الآب» (في 9:2-11).

”الرب“ الله المثلث الأقانيم:

إن الإيمان بالله الواحد المثلث الأقانيم يتأكَّد من الاعتراف بأنَّ يسوع هو ”ربٌّ“ (أع 36:2): «الله أظهر هذا الذي صلبتموه أنتم، ربّاً ومسيحاً»، بينما يسوع ”الرب“ لم يتوقف لحظة عن أن يكون هو ”الرب“ أي ”يهوه“ أي ”الله“.

فكلمة ”ربٌّ“ تُنسب في ذات الوقت لله، وللمسيح الذي ظهر مجده بالقيامة من بين الأموات.

+ وبهذا صار يسوع المسيح هو موضوع عبادتنا ورجائنا في الحياة الأبدية: «ويكون كل مَنْ يدعو باسم الرب يخلص» (أع 21:2). وبعد شفاء الرجل الأعرج عند باب الهيكل، قال بطرس الرسول للجموع المحتشدة المتعجبين من هذه المعجزة: «وبالإيمان باسمه، شدَّد اسمُه هذا (الأعرج) الذي تنظرونه وتعرفونه، والإيمان الذي بواسطته أعطاه هذه الصحَّة أمام جميعكم». وكان هذا الرجل الأعرج من بطن أمه قد طلب صدقة من بطرس ويوحنا الرسولَيْن، فردَّ عليه بطرس: «ليس لي فضة ولا ذهب، ولكن الذي لي فإيَّاه أعطيك: باسم يسوع المسيح الناصري قُمْ وامشِ. وأمسكه بيده اليُمنى وأقامه، ففي الحـال تشدَّدت رجلاه وكعباه، فوثب ووقف وصار يمشي، ودخل معهما إلى الهيكل وهو يمشي ويَطْفُر ويُسبِّح الله» (أعمال الرسل - أصحاح 3).

«ليس لي فضة ولا ذهب، ولكن الذي لي فإيَّاه أعطيك: باسم يسوع المسيح الناصري قُم وامشِ». هذه هي قوة اسم الرب يسوع. وهذا هو الكنز الذي لا يَفْنَى للإنسان المسيحي: ذِكْر ومناداة ”اسم الرب يسوع“.

+ ”اسم يسوع“، وليس الفضة ولا الذهب، كان هو القوة الشافية للأمراض لدى الرسل والكنيسة الأولى. وهو كذلك لكل مسيحي يقبل ويؤمن بربوبية يسوع المسيح، ويدعو بهذا الاسم ليلاً ونهاراً، ويلجأ إليه في كل شدة وضيق، فينتصر به على كل تجربة؛ وهكذا يلتصق اسم الرب يسوع بقلبه وعقله، وينطبع في باطن نفسه، بل ويُلازمه حتى وقت الوفاة، ثم في الدهر الآتي. و«اسم الرب برج حصين يركض إليه الصدِّيق ويتمنَّع» (أم 10:18). وبدوام المناداة بهذا الاسم سيتعرَّف الله على أخصَّائه المختارين في يوم مجيئه المبارك ثم في يوم الدينونة الرهيب.

+ وربوبية يسوع هي سيادة الرب على حياتنا من أولها إلى آخرها: «لأن ليس أحدٌ منَّا يعيش لذاته، ولا أحدٌ يموت لذاته. لأنه إن عِشْنا فللرب نعيش، وإن مُتْنا فللرب نموت. فإن عشنا وإن مُتنا فللرب نحن. لأنه لهذا مات المسيح وقام وعاش، لكي يسود على الأحياء والأموات» (رو 7:14-9).

”يسوع ربٌّ“، والعلاقة مع

تاريخ الأديان السابقة للمسيحية:

المسيحية، أي اعتبار الرب يسوع المسيح ربّاً وإلهاً، هي نَقْلَة وتقدُّم للأفكار الدينية التي وردت في الأديان السابقة للمسيحية سواء في الشرق الأقصى أو الشرق الأدنى. والمسيحية، بهذا السبب، يمكنها أن تُخاطب أصحاب هذه الديانات من هذا المنطلق.

فالمسيحية ليست منفصلة عن تاريخ الخلاص منذ آدم وإلى ظهور المسيحية في القرن الأول. وفي سفر أعمال الرسل (14: 8-17) يتكلَّم القديس بولس بهذه الكلمات التي تتطابق مع ما ذكرناه في الفقرة السابقة، ففي مدينة لسترة اندهش جموع اليونانيين الوثنيين من معجزة شفاء الرجل عاجز الرجلين المُقعد من بطن أُمه، حينما صاحوا: «إن الآلهة تشبَّهوا بالناس ونزلوا إلينا»، وأتى كاهن المدينة ليذبح ذبائح لبولس وبرنابا. لكن الرسولَيْن منعاه، وكرزا لهم بالمسيح من المنطلق الذي ذكرناه سابقاً بقولهما:

+ «الإله الحي الذي خلق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها، الذي في الأجيال الماضية ترك جميع الأُمم يسلكون في طُرقهم، مع أنه لم يترك نفسه بلا شاهد (في العالم)».

+ والله الذي هو النور ”الذي يُضيء لكل إنسان يأتي إلى العالم“ (يو 1: 9)، والذي هو معروف في شتَّى بلدان العالم القديم بطُرق متعدِّدة متنوعة؛ الآن الله، النور والحياة، استُعلِن في ابن الله المتجسِّد: «الله بعدما كلَّم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطُرق كثيرة، كلَّمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه» (عب 1: 2،1).

فالاستعلان الأخير والنهائي لله، الحياة والنور، يؤكِّد على التكميل الجوهري لكل تنوُّع الأفكار في الأديان السابقة، وكل الاستعلانات الدينية السابقة التي ظهرت في العالم. ذلك لأن صورة الله ومثاله التي خُلِقَ عليها الإنسان منذ آدم، كانت هي النور الباطني للشعوب والبشرية في كل مكان للبحث عن الله خالق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها.

وما توصَّل إليه حكماء الشعوب القديمة من معارف وحَدْس عن الله وشرائعه، ما ظهر في كل أنحاء العالم من أديان ومدارس دينية، كان من وحي ما غرسه الله في قلوب البشر (وعلى الأخص حكماء الشعوب) من صورة الله ومثاله؛ فأفرزوا ما استطاعوا الوصول إليه بمقتضى الفطرة والحَدْس اللذين غرسهما الله فيهم، هذا بـالرغم مِمَّا ظهر في النور الذي بـزغ لهم مـن بُهتان وظـلال تبعدهم عـن الحقيقة المطلقة.

الاعتراف بهذه الحقيقة يتعارض معها،

تسفيه وإهانة الأديان الأخرى:

لذلك، ومن هذا المنطلق الأَوَّلي، فإنَّ الحوار مع أصحاب الديانات والكرازة لهم لا يصلح فيه كِلا التناقضين الآتيين:

+ تسفيه الأديان السابقة والأخرى وتشويه صورة أنبيائها وحكمائها بصورة مُقزِّزة، كأنَّ في هذا مُقدِّمة للكرازة بالمسيح،

+ الاقتصار على المحادثات الدبلوماسية مع زعماء الأديان من أجل مصالح مشتركة بين أصحاب الثقافات والأديان الأخرى.

ولكن الأجدى والأجدر هو:

+ إعلان الحق الإلهي النهائي الذي استُعلِن في الرب يسوع المسيح وبشارة الخلاص ورجاء الحياة الأبدية كما هو، باعتباره المحطَّة الأخيرة الحاسمة لسلسلة الاستعلانات السابقة للأديان، والاستعلانات التي ظهرت في مختلف الشعوب تحت أسماء أديان متنوعة طبقاً لِمَا أورده كاتب سفر العبرانيين:

+ «الله بعدما كلَّم الآباء بالأنبياء قديماً (العصور السابقة والشعوب القديمة منذ آدم وقبل مجيء ابن الله الرب يسوع) بأنواع وطُرق كثيرة (لم يُسفِّهها الإنجيل، ولم يُلْقِها بعيداً كأنَّ المسيحية قد أتت من أجل أتباعها فقط)».

+ وفي الوقت نفسه لا يجب أن يقع الكارزون تحت إغراء تمييع الشهادة للمسيح لتكون مناسِبة ومقبولة من عموم الناس، فيخفون التأكيد الحاسم بأنَّ ”يسوع ربٌّ“، وأنه هو ”النور“ وهو ”الحياة“ للعالم، وهو ”المسيَّا“، والابن الأزلي الخارج من جوهر الآب؛ فيميلون إلى التركيز على القضايا الأخلاقية والاجتماعية والودِّيَّة، أو حتى يتفاخرون بالجوانب الاستثنائية في حياة المسيح (مثل المعجزات الباهرة)، تاركين جوهر الإيمان والعمل الخلاصي والفدائي اللذين ظهرا جليّاً في حياته.

+ وبهذا يظل التأكيد الأساسي في الكرازة على أنَّ المسيح هو ”الحق“ حتى للذين لا يعترفون بأنه الحق.

+ وبأنه ”مُخلِّص“ البشرية حتى ولو لم تعترف هذه البشرية بخلاصه الأبدي.

+ وبأنه هو ”حياة العالم“ حتى ولو بَقِيَ العالم رازحاً تحت ظلمة الخوف من الموت.

+ إنَّ الكرازة بالمسيح لا يمكن أن تبدأ من التخفيف من وَهج الأخبار السارة، أي البشارة، أي الإنجيل، المُقدَّم للجميع: «والنور يُضيء في الظلمة، والظلمة لم تُـدركه (لم تستوعبه)» (يــو 1: 5).

(يتبع)