|
دعوة لتجديد العهد مع الله
|
|
|
+ «قدِّموا في إيمانكم فضيلة... » (2بط 1: 5-8).
رأينا في المقال السابق(1) كيف أنه يلزمنا جداً الاجتهاد والتغصُّب في كل مسيرتنا الإيمانية، كوصية الرب والمخلِّص الذي قال لنا: «اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيِّق، فإني أقول لكم إن كثيرين سيطلبون أن يدخلوا ولا يقدرون» (لو 13: 24)، كما قال أيضاً: «إن ملكوت الله يُغصَب، والغاصبون يختطفونه» (مت 11: 12).
وقد ذكرنا بعض العلامات الإرشادية على طريق الاجتهاد، وبعض الأقوال المضيئة للآباء القديسين الذين كملوا في الإيمان وتركوا لنا خبرة حياتهم وثمرة جهادهم ظاهرة في أعمالهم وأقوالهم.
والآن، ما هو الدافع الذي يدعونا إلى كل هذا الاجتهاد والبذل وإنكار الذات وحَمْل الصليب، والصبر على الضيق، وترك كل شيء، واتِّباع المسيح عبْر هذا الطريق الكرب حتى الموت، «كما هو مكتوب: إننا من أجلك نُمات كل النهار. قد حُسبنا مثل غنم للذبح، ولكننا في هذه جميعها يعظُم انتصارنا بالذي أحبنا» (رو 8: 37،36).
الواقع أن الدافع إلى هذا كله هو ما وُعدنا به من خلاص عظيم يفوق في قيمته العالم كله، حتى أن ربح العالم كله لا يُضاهيه هذا الخلاص الذي تكلَّم عنه بطرس الرسول قائلاً: «الخلاص الذي فتَّش وبحث عنه أنبياء، الذين تنبَّأوا عن النعمة التي لأجلكم... التي تشتهي الملائكة أن تطَّلع عليها» (1بط 1: 10-12). ثم عاد فأشار إليه ثانية في رسالته الثانية للأُمم الذين آمنوا بالمسيح قائلاً: «إلى الذين نالوا معنا إيماناً ثميناً مساوياً لنا ببرِّ إلهنا والمخلِّص يسوع المسيح» (2بط 1: 1). مما يفيد أن هذا الإيمان الذي نلناه هو إيمان ثمين مساوٍ للرسل تماماً، فهو إيمان رسولي.
وقد كرَّر بطرس الرسول هذا المفهوم مراراً عندما شرح للرسل ما حدث مع كورنيليوس وأسرته الذين كانوا أول مَن آمن بالمسيح من الأُمم، إذ قال: «فـإن كان الله قد أعطاهم الموهبة كما لنا أيضاً بالسويَّة مؤمنين بالرب يسوع المسيح، فمَن أنا أقادرٌ أن أمنع الله؟» (أع 11: 17).
ثم عاد وأكَّد ذلك ثانية في المجمع الأول بأورشليم بقوله: «والله العارف القلوب، شهد لهم مُعطياً لهم الروح القدس كما لنا أيضاً. ولم يُميِّز بيننا وبينهم بشيء، إذ طهَّر بالإيمان قلوبهم» (أع 15: 9،8). وهنا أيضاً في رسالته الثانية، يُسْهب بطرس الرسول في وصفه لهذا الإيمان الثمين بقوله: «كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى، بمعرفة الذي دعانا بالمجد والفضيلة، اللذَيْن بهما قد وَهَبَ لنا المواعيد العُظمى والثمينة، لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية، هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة» (2بط 1: 4،3).
فقد تجلَّت حقّاً القدرة الإلهية لربنا يسوع المسيح فيما وهبه لنا من مواعيد عُظمى وثمينة، لكي نصير بها شركاء الطبيعة الإلهية!! لأنه أي مواعيد أعظم وأثمن من ذلك؟! فمَن نكون نحن التراب والرماد حتى نستحق أن نصير شركاء الطبيعة الإلهية؟!
ولكن الله بمحبته للبشر سُرَّ منذ البداية أن يخلق الإنسان على صورته ومثاله، وفي هذا يقول القديس مكاريوس الكبير:
[فالنفس، إذن، هي صنيع إلهي عظيم مملوء عجباً... والحاصل أنه خلقها من نوع يُصيِّرها له عروساً ورفيقة (إذ خلقها على صورته ومثاله)، حتى يقترن بها فتصير معه روحاً واحداً (كقول بولس الرسول في 1كو 6: 17)](2).
إلاَّ أنه بعد أن سقط الإنسان بغواية الحيَّة وتشوَّهت صورة الله فيه؛ تجسَّد الله الكلمة، كقول القديس أثناسيوس الرسولي:
[إذ أخذ جسداً مماثلاً لطبيعتنا، وإذ كان الجميع تحت قصاص فساد الموت، فقد بذل جسده للموت عِوَضاً عن الجميع، وقدَّمه للآب. كلُّ هذا فعله شفقةً منه علينا، وذلك أولاً: لكي يُبطل الناموس الذي كان يقضي بهلاك البشر، إذ مات الكل فيه، لأن سلطانه قد أُكمِلَ في جسد الرب، ولا يعود ينشب أظافره في البشر الذين ناب عنهم؛ وثانياً: لكي يُعيد البشر إلى عدم الفساد بعد أن عادوا إلى الفساد، ويُحييهم من الموت بجسده بنعمة القيامة، ويُبيد الموت عنهم، كإنقاذ القش من النار](3).
فبالتجسُّد والموت على الصليب والقيامة من بين الأموات، أعتقنا المسيح من قصاص فساد الموت، وأعاد خلقتنا مرة أخرى على صورته، كما يقول القديس كيرلس الكبير أيضاً:
[... ويُعيد خلقتنا مرة أخرى على صورته، حتى تُستعلن فينا علامات طبيعته الإلهية المُميَّزة بواسطة القداسة والبر والحياة الفُضلى... وهكذا يلمع جمال هذه الصورة الفائقة السمو في أولئك الذين هم في المسيح طالما كنَّا نسلك كرجال صالحين بالأعمال نفسها](4).
أما القديس بولس الرسول فقد عبَّر عن هذه المواعيد العُظمى والثمينة بتعبيرات متعدِّدة كثيرة منها قوله:
+ «ألستم تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم؟» (1كو 3: 16).
+ «كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم، لنكون قدِّيسين وبلا لوم قدَّامه في المحبة؛ إذ سبق فعيَّننا للتبنِّي بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته» (أف 1: 3-5).
+ «فلستم إذاً بعد غرباء ونُزُلاً، بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله، مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية، الذي فيه كل البناء مُركَّباً معاً، ينمو هيكلاً مُقدَّساً في الرب، الذي فيه أنتم أيضاً مبنيُّون معاً مسكناً لله في الروح» (أف 2: 19-22).
+ «فإنه فيه يحلُّ كل ملء اللاهوت جسديّاً، وأنتم مملوؤون فيه، الذي هو رأس كل رياسة وسلطان» (كو 2: 10،9).
+ «إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه» (كو 3: 10،9).
مقابل هذه المواعيد العُظمى والثمينة التي أُعطيت لنا لنصير بها شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة، يُطالبنا بطرس الرسول قائلاً: «لهذا بعينه وأنتم باذلون كل اجتهاد، قدِّموا في إيمانكم فضيلة...» (2بط 1: 5).
فلكي ننال هذه المواعيد العُظمى والثمينة التي وُهبت لنا من الله، ينبغي أن نبذل كل اجتهاد. فهذه المواعيد ليست للكسالى ولا للمتقاعسين بل للسهارى والمُخْلِصين، وللمستعدين أن يُقدِّموا في إيمانهم فضيلة.
فكيف نُقدِّم في إيماننا فضيلة؟ وما هو المقصود بالفضيلة التي ينبغي أن نُقدِّمها في إيماننا؟
يُعرِّفها بولس الرسول هكذا في رسالته إلى أهل فيلبِّي: «أخيراً، أيها الإخوة، كل ما حقٌّ، كل ما هو جليل، كل ما هو عادل، كل ما هو طاهر، كـل ما هو مُسِرٌّ، كـل ما صيته حسن، إن كانت فضيلة وإن كان مدح؛ ففي هذه افتكروا» (في 4: 8).
وكلمة فضيلة باليونانية - لغة العهد الجديد - ”¢ret»“، تعني: ”ممتاز، فائق، شريف“. فهي بالفعل تعني كل ما ذكره بولس الرسول في حثِّه للإخوة أن يفتكروا فيه؛ فهي كل ما هو حق، وكل ما هو عادل، وكل ما هو طاهر، وكل ما هو مُسِرٌّ، وكل ما صيته حسن وممدوح من الجميع. ولكنها سَمَت بمفهومها الإنجيلي الذي قصده بولس الرسول عن أيِّ قدرات إنسانية أو استحقاق بشري، لتفيد سلوك الإنسان البار بالاجتهاد والسعي المتواصل نحو حفظ القلب والفكر لله في كل ما هو حق وعادل وطاهر وممدوح.
وهو نفس المعنى الذي قصده بطرس الرسول حينما قال: «كما أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى، بمعرفة الذي دعانا بالمجد والفضيلة (أي بمجده وفضيلته)، اللذَيْن بهما قد وَهَبَ لنا المواعيد العُظمى والثمينة، لكي تصيروا بها شركاء الطبيعة الإلهية، هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة. ولهذا بعينه، وأنتم باذلون كل اجتهاد، قدِّموا في إيمانكم فضيلة» (2بط 1: 3-5).
وهكذا يتضح من قول بطرس الرسول، المعنى النهائي للفضيلة في العهد الجديد. فهي مرتبطة ارتباطاً جوهرياً بما وهبته لنا القدرة الإلهية بمعرفة الرب يسوع الذي دعانا بمجده وفضيلته لكي نصير بها شركاء الطبيعة الإلهية. فهو يربط هنا بين أن نكون شركاء الطبيعة الإلهية وبين الاجتهاد في تقديم الفضيلة الناتجة عن الإيمان بالمسيح؛ حيث إن فضائل الإيمان هي حصيلة اجتهاد الإنسان في شركة الطبيعة الإلهية. فلكي نُقدِّم في إيماننا فضيلة، يجب أن ندرك أولاً أننا لا يمكن أن نعمل الفضيلة بدون إيماننا بالمسيح وثباتنا فيه: «بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً» (يو 15: 5).
ويزداد المعنى وضوحاً من قول بطرس الرسول أيضاً في رسالته الأولى إلى المتغرِّبين من شتات بنتس وغلاطية وكبادوكية وآسيا وبيثينية، الذين يُخاطبهم قائلاً: «وأما أنتم فجنسٌ مختار، كهنوت ملوكي، أُمة مقدسة، شعب اقتناء، لكي تُخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب» (1بط 2: 9). أي أن أية فضيلة يتحصَّل عليها الإنسان الحار بالروح نتيجة إيمانه بالمسيح، هي في الحقيقة صورة حيَّة لفضائل المسيح نفسه وشهادة لعمله فينا. وهو نفس المعنى الذي قصده المسيح بقوله: «فليُضئ نوركم قدَّام الناس، لكي يروا أعمالكم الحسنة ويُمجِّدوا أباكم الذي في السموات» (مت 5: 16)، وكذلك قول بولس الرسول: «لأننا رائحة المسيح الذكية لله، في الذين يخلصون وفي الذين يهلكون» (2كو 2: 15)
فهناك، إذن، فرق شاسع بين الفضائل المسيحية والفضائل التي يتطلَّبها المجتمع من المواطن لكي يكون مواطناً صالحاً لوطنه.
فالفضائل الاجتماعية دوافعها، إما الطاعة للقوانين، أو الوالدين، أو المعلِّم، أو المرشد، أو مجرد التشبُّه بالآخرين وعدم الشذوذ عن المجتمع؛ ويُحرِّكها ويُضرمها عادةً الغيرة والمنافسة وحُب الظهور، أو الضغط والإرهاب والخوف من العقاب. أما غايتها فهي الشهرة والربح المادي والاجتماعي بأية صورة من صوره.
أما الفضائل المسيحية فدوافعها روحية، وأساسها وغايتها ومُحرِّكها: محبة الله(5).
فالدافع الوحيد للفضائل المسيحية هو محبة الله من كل القلب وكل النفس وكل الفكر وكل القدرة. وتنبع جذور هذا الدافع من وصية الله لشعبه في العهد القديم: «اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا ربٌّ واحد. فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوَّتك. ولتكن هذه الكلمات التي أنا أُوصيك بها اليوم على قلبك، وقصَّها على أولادك، وتكلَّم بها حين تجلس في بيتك وحين تمشي في الطريق، وحين تنام وحين تقوم، واربطها علامةً على يدك، ولتكن عصائب بين عينيك، واكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك» (تث 6: 4-8).
وهكذا فمحبة الله من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القدرة، تعني أن يصبح الله عند الإنسان هو القطب الجاذب للحب الصادق والعمل الصالح. لاحِظ هنا أن ”كل“، تعني أنه لا يوجد شخص آخر شريك يُقاسم الإنسان في حبِّه لله. بمعنى أن يكون الله هـو الأول والآخِر، وأن يُحَب أكثر من الأب والأُم والزوجة والأولاد والإخوة والأخوات، ومـن أعزِّ مَن لدى الإنسان وما عنده.
وقد استطاع أبونا إبراهيم أبو الآباء، حينما جُرِّب من الله، أن يحب الله أكثر من ابنه وحيده الذي يحبه إسحق، الذي فيه قَبِلَ المواعيد، حتى أنه قدَّمه محرقة، لأنه «حَسِبَ (بالإيمان) أن الله قادر على الإقامة من الأموات» (عب 11: 19).
وقد أدرك موسى النبي أن محبة الله من كل القلب والنفس والقدرة، أمرٌ يتطلَّب تدخُّل الله وعمله السرِّي في قلب الإنسان وفكره، لذلك قال أيضاً: «ويختن الرب إلهك قلبك وقلب نسلك، لكي تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك لتحيا» (تث 30: 6). وكأنما الحياة تقوم على محبة الله من كل القلب ومن كل النفس، وبدونها يكون موت.
ويشرح بولس الرسول معنى ختان القلب، فيقول: «لأن اليهودي في الظاهر ليس يهودياً، ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختاناً؛ بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان» (رو 2: 29،28). وأيضاً قوله: «وبه أيضاً (أي بالروح القدس) خُتنتم ختاناً غير مصنوع بيدٍ، بخلع جسم خطايا البشرية، بختان المسيح. مدفونين معه في المعمودية، التي فيها أُقمتم أيضاً معه بإيمان عمل الله الذي أقامه من الأموات» (كو 2: 12،11).
هنا يتضح العنصر الأساسي في تكميل الفضيلة لتكون فضيلة مسيحية، هذا العنصر الأساسي هو الروح القدس الذي ختن قلوبنا ختاناً روحياً، «بخلع جسم خطايا البشرية»، وذلك حينما كنَّا ”مدفونين معه في المعمودية التي فيها أُقمنا أيضاً معه بإيمان عمل الله الذي أقام (المسيح) من الأموات (”وأقامنا معه“)“.
فالروح القدس، الذي هو فينا جميعاً بالمعمودية وبسرِّ المسحة المقدسة، هو على أتم استعداد أن يعمل فينا، إذا نحن سلَّمنا قلوبنا وإرادتنا لله، وسمعنا لصوت الروح في داخلنا، الذي يُنادينا كل حين قائلاً: «يا ابني أعطني قلبك، ولتُلاحظ عيناك طُرقي» (أم 23: 26). وكذلك قوله: «وأما الآن فاطرحوا عنكم أنتم أيضاً الكل: الغضب، السخط، الخبث، التجديف، الكلام القبيح من أفواهكم. لا تكذبوا بعضكم على بعض، إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه» (كو 3: 8-10).
[هذه هي سمة الفضيلة المسيحية، وهي سمة وحيدة وفريدة، وهي قادرة أن ترفع الفضيلة من مستوى العمل البشري، إلى مستوى العمل الإلهي؛ من مستوى المنطق والمعقول والطاقة البشرية، إلى مستوى التفوُّق والإعجاز: «غير المستطاع عند الناس، مستطاع عند الله» (لو 18: 27)](6).
(يتبع)
(2) عظة 46.
(3) ”تجسُّد الكلمة“، فصل 8: 4.
(4) De Dogmatum Solutione 3.
(5) انظر كتاب: ”الفضائل المسيحية بحسب الإنجيل“، للأب متى المسكين.
(6) المرجع السابق.
