|
ثانياً: فشل الجيل القديم في أن يرث أرض الموعد (10: 11-25: 18) 3 - الإخفاق المتواصل للجيل القديم (15: 1-19: 22) ب - تمرُّد قورح وداثان وأبيرام وعقابهم (16: 1-15) كانت الأمور قد هدأت نسبياً بعد غضب الرب على تمرُّد بني إسرائيل ورفضهم دخول أرض الموعد بسبب المذمة التي أشاعها الجواسيس العشرة على تلك الأرض، وحُكْم الرب على الجيل القديم بالتيه في البرية أربعين سنة؛ فقد أراد الرب أن يؤكِّد أنه لن يحرم أولادهم من دخول الأرض بعد فناء الجيل القديم، إذ أوصاهم بما يجب أن يقدِّموه من تقدمات مع ذبائحهم وأول عجينهم عند وصولهم إلى أرض مسكنهم. وكانت هذه الوصايا من الرب لهم بمثابة تجديدٍ للرجاء وإنعاش للأمل في تحقيق ما وعدهم الرب به وعدم رفضه لهم إلى المنتهى. ولكن عادت التجارب تتوالى مرة أخرى على موسى وهارون، فقد: + «أخذ قورح بن يصهار بن قهات بن لاوي، وداثان وأبيرام ابنا أليآب، وأون بن فالت بنو رأوبين، يُقاومون موسى مع أُناس من بني إسرائيل، مئتين وخمسين رؤساء الجماعة مدعوين للاجتماع ذوي اسم. فاجتمعوا على موسى وهارون وقالوا لهما: كفاكما. إن كل الجماعة بأسرها مقدسة وفي وسطها الرب. فما بالكما ترتفعان على جماعة الرب؟» (عد 16: 1-3) ما أشبه هذا التمرُّد الذي قام به قورح وداثان وأبيرام مع المائتين والخمسين رئيساً ضد موسى وهارون، بما حدث من مريم وهارون حينما تكلَّما ضد موسى قائلَيْن: «هل كلَّم الرب موسى وحده؟ ألم يُكلِّمنا نحن أيضاً» (عدد 12: 2)؟ فإنَّ نفس فكر التعالي وحُب الرئاسة الذي هاجم مريم وهارون هو الذي هاجمهم هم أيضاً قائلين لموسى وهارون: «كفاكما. إن كل الجماعة بأسرها مقدسة وفي وسطها الرب. فما بالكما ترتفعان على جماعة الرب»؟! إلاَّ أن الفرق بين هاتين الحالتين كان عظيماً في مواجهتهما. فمريم وهارون لم يجرآ أن يتواجها مع موسى، وإذ سمع الرب كلامهما الذي تهامسا به معاً بالنميمة على موسى أخيهما، عالجه الرب في الحال بالتأديب اللائق لمريم التي أُصيبت بالبرص وعُزلت خارج المحلة أسبوعاً، إلى أن شُفيت بصلاة موسى وشفاعته لأجلها. أما في حالة قورح وداثان وأبيرام، فقد قاموا بتأليب رؤساء الجماعة على موسى وهارون، الذين بلغ عددهم مائتين وخمسين رجلاً ذوي اسم، وتسبَّبوا في قيام فتنة خطيرة في وسط الجماعة. وكان قورح الذي تزعَّم الفتنة من سبط لاوي، وأبوه يصهار بن قهات بن لاوي، ويصهار أخو عمرام أبي موسى وهارون (خر 6: 16-21). ومن المؤلم أن يكون ابن العمومة هو قائد الفتنة ضد قريبيه اللذين خدما الشعب بكل أمانة وإخلاص، ولكن شهوة الرئاسة كفيلة بأن تعمي القلوب. أما داثان وأبيرام وأون فهُمْ من سبط رأوبين. ويظهر أن تحالُف الثلاثة مع قورح كان بسبب تجاور خيامهم، لأن خيام القهاتيين وخيام سبط رأوبين كانت جنوبي خيمة الاجتماع. ويبدو أن قورح لكونه من بني قهات من سبط لاوي المخصص لحمل أمتعة القدس لخدمة خيمة الاجتماع، وداثان وأبيرام وأون لكونهم من سبط رأوبين البكر، قد أثار ذلك فيهم الإحساس بأحقيتهم في التسلُّط على الجماعة، والحسد ضد موسى بوصفه رئيساً وقائداً للشعب، وضد هارون بوصفه رئيساً للكهنة. وفي هذا يقول القديس بروكوبيوس الغزاوي: [نسل رأوبين ثاروا ضد موسى. ذرية البكر حسبوا أن المرتبة الأولى ينبغي أن تكون لهم، لأنهم السبط الأول. وذرية هارون ثاروا أيضاً مرتكنين على أصلهم الكهنوتي.] أما المائتان والخمسون رئيساً فقد كانوا من رؤساء بقية الأسباط، وقد انساقوا وراءهم لأنهم أرادوا أن يكونوا كهنةً، كل واحدٍ على أسرته، كما كان الحال قديماً قبل إقامة الكهنوت اللاوي، وكما كان الحال عند قبائل الأمم. إلاَّ أنه كان من العجيب حقاً أن تُوجَّه تهمة حُب الزعامة إلى موسى، الذي كُتب عنه أنه «كان حليماً جداً أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض» (عد 12: 3). كما أنه حين كلَّف الرب موسى بمسئولية قيادة الشعب تمنَّع بشدة متعلِّلاً بأنه ليس صاحب كلام منذ أمس ولا أول من أمس، بل هو ثقيل الفم واللسان (خر 4: 10). ولما تنبَّأ رجلان من شيوخ الشعب في المحلة، وكانا من ضمن السبعين رجلاً الذين اختارهم موسى لمعاونته في قيادة الشعب، غار يشوع لأجل موسى معلِّمه وقال له: «يـا سيدي موسى اردعهما. فقال لـه موسى: هل تغار أنت لي؟ يا ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء، إذا جعل الرب روحه عليهم» (عد 11: 28و29). فهل رجل كموسى بهذه الصفات يتهمونه بحُب الرئاسة والترفُّع على جماعة الرب؟! كيف واجه موسى هذا التذمُّر؟ + «فلما سمع موسى سقط على وجهه. ثم كلَّم قورح وجميع قومه قائلاً: غداً يُعلن الرب مَن هو له؟ ومَن المُقدَّس حتى يُقرِّبه إليه؟ فالذي يختاره يُقرِّبه إليه. افعلوا هذا، خذوا لكم مجامر، قورح وكل جماعته، واجعلوا فيها ناراً، وضَعُوا عليها بخوراً أمام الرب غداً. فالرجل الذي يختاره الرب هو المُقدَّس. كفاكم يا بني لاوي.» (عد 16: 4-7) لقد ذُهل موسى من الاتهام الذي أُلصق به، حتى أنه لَمَّا سمع ما واجهوه به قائلين: «كفاكما، إن كل الجماعة بأسرها مقدسة وفي وسطها الرب، فما بالكما ترتفعان على جماعة الرب»؟ سقط موسى على وجهه من هول المفاجأة. فلم يكن يتوقع إطلاقاً بأن يُتَّهم بهذا الاتهام وهو الذي طلب من الرب قبلاً أن يُشاركه في قيادة الشعب سبعين شيخاً من رؤساء الأسباط. لذا فقد كان سقوطه على وجهه تعبيراً عن حزنه الشديد وانزعاجه من تمرُّدهم، مُقدِّماً الدليل على عدم ترفُّعه عليهم، عساهم أن يرجعوا عن غيِّهم. ولم يحاول موسى أن يُدافع عـن نفسه ولا عن هارون أخيه، بل لجأ إلى تحكيم الله بينهما وبينهم، قائلاً: «غداً يُعلن الرب مَن هو له؟ ومَن (هو) المقدَّس حتى يُقرِّبه إليه؟ فالذي يختاره (الرب) يُقرِّبه إليه». وطلب منهم أن يأخذوا لهم مجامر بعددهم ويجعلوا فيها ناراً ويضعوا فيها بخوراً أمام الرب في اليوم التالي. وكان تقديم البخور من اختصاص الكهنة، ولم يكن مسموحاً لغير الكهنة أن يرفعوا بخوراً أمام الرب؛ بل كان لتقديم البخور أحكام خاصة وطقوس يلزم اتِّباعها، وإلاَّ يُرفض البخور ويُعاقب مقدِّمه. وهل ننسى ما حدث مع ابني هارون ناداب وأبيهو اللذين أخذ كلٌّ منهما مجمرته وجعلا فيهما ناراً ووضعا عليها بخوراً وقرَّبا أمام الرب ناراً غريبة لم يأمرهما بها؟! وكيف خرجت نارٌ من عند الرب وأكلتهما فماتا أمام الرب، مع أنهما كانا كاهنين مُكرَّسين للرب (لا 10: 1و2)؟ ولكن لكونهما لم يسلكا بحسب أمر الرب بتقديمهما ناراً غريبة لم يأخذاها من وقود مذبح المحرقة الدائم الاتقاد؛ لذلك رفض الرب تقدمتهما، لأن الرب يريد الخضوع والطاعة لأوامره أكثر من الذبائح والمحرقات. كما كان البخور في حدِّ ذاته له مواصفات خاصة، ليس مسموحاً لأحدٍ تقليدها، حسب قول الرب لموسى: «خُذ لك أعطاراً، ميعة وأظفاراً وقِنَّة عطرة ولُباناً نقيًّا، تكون أجزاء متساوية. فتصنعها بخوراً عطراً صنعة العطار، مُملَّحاً نقياً مُقدساً... والبخور الذي تصنعه على مقاديره لا تصنعوا لأنفسكم، يكون عندك مُقدَّساً للرب. كل مَن صنع مثله ليشُمَّه يُقطع من شعبه.» (خر 30: 34-38) أمـا تقديم البخور برائحته الزكية وصعود حلقاته نحو السماء، مكوِّناً ما يشبه السحاب المحلِّق المرتفع إلى العلاء، فهو يشير إلى حضرة الله، ويوحي إلى الإنسان بحلوله، وإلى قبول الله لصلوات الإنسان وتقدماته مثل رائحة سرور أمام الرب. وهكذا نجد أن ترتيب استخدام البخور في العهد القديم كان له مكانة عظمى في العبادة. وبتحوُّل العبادة من العهد القديم إلى العهد الجديد لم يفقد تقديم البخور مكانته، بل سما بها إلى معانٍ مقدَّسة أكثر عمقاً، تختص بتقديم الرب ذاته محرقة ورائحة زكية أمام أبيه الصالح على خشبة الصليب من أجل خلاص الإنسان. ومن أقوال القديس أمبروسيوس في شرحه لإنجيل لوقا واصفاً ظهور الملاك لزكريا الكاهن وقت تقديم البخور ما يؤكِّد استخدام البخور منذ العصور الأولى للكنيسة، قوله: [فليته يقف بجوارنا أيضاً ملاك يؤازرنا وقت حرق البخور على المذبح.] كما يؤكِّد ذلك أيضاً مار أفرام السرياني (306-373م) في قوله: [أتوسل إليكم أن لا تدفنوا جسدي بالأطياب، فالروائح الطيبة تليق ببيت الله. أحرقوا بخوركم في بيت الرب كرامة له ومديحاً.] إذن، فقد كان قورح متوقِّحاً للغاية عندما تجاسر على موسى وهارون طالباً أن يتساوى معهما في الكهنوت والرئاسة هو وجماعته الذين انضموا إليه في تمرُّدهم وكبريائهم. ورغم أن موسى قد وضع الأمر بين يدي الله، وحينما طلب منهم أن يأخذوا لهم مجامر ويضعوا فيها بخوراً أمام الرب، فالذي يقبل منه الرب بخوره هو المقدس عند الرب؛ إلاَّ أن موسى لأجل شفقته عليهم من غضب الرب الذي توقَّع موسى انسكابه عليهم، قال لهم:
+
«اسمعوا يا بني لاوي، أقليلٌ عليكم أن إله إسرائيل أفرزكم من جماعة إسرائيل
ليُقرِّبكم إليه لكي تعملوا خدمة مسكن الرب وتقفوا قدام الجماعة لخدمتها؟ فقرَّبك
وجميع إخوتك بني لاوي معك وتطلبون أيضاً كهنوتاً؟! هنا يُحذرهم موسى من أن تذمُّرهم هذا ليس على هارون؛ بل على الله نفسه الذي عيَّن هارون وبنيه لخدمة الكهنوت، كما أفرز بني لاوي لخدمة مسكن الرب والوقوف قدام الجماعة لخدمتها. فتذمُّرهم، إذن، هو على الرب وعلى ترتيبه الإلهي! مواجهة موسى مع داثان وأبيرام: + «فأرسل موسى ليدعو داثان وأبيرام ابنيْ أليآب. فقالا: لا نصعد. أقليل أنك أصعدتنا من أرض تفيض لبناً وعسلاً لتُميتنا في البرية حتى تترأَّس علينا ترؤُّساً؟! كذلك لم تأتِ بنا إلى أرض تفيض لبناً وعسلاً، ولا أعطيتنا نصيب حقول وكروم. هل تقلع أعين هؤلاء القوم؟ لا نصعد.» (عد 16: 12-14) بعد أن تحدث موسى إلى قورح وجماعته لعلَّهم يُصلِحون طريقهم أمام الرب، أراد أيضاً أن يتحدث مـع داثان وأبيرام لعلَّه يــربحهما. فأرسل إليهما يــدعوهما للحضور. ولكنهما رفضا الحضور باعثين إليه برسالة تنمّ عن منتهى التبجُّح والمغالطة، متهمين موسى بأنه أخرجهم من مصر التي تفيض لبناً وعسلاً ليُميتهم في البرية، ولكي يترأَّس عليهم ترؤُّساً!! بل واتهموه أيضاً بأنه لم يأتِ بهم إلى الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً كما وعدهم، ناسين أنهم هم الذين حرموا أنفسهم منها بعدم إيمانهم وتذمُّرهم بعد أن كانوا قاب قوسين أو أدنى من دخولها. أما قولهم لموسى: «هل تقلع أعين هؤلاء القوم»؟ فالأرجح أنهم يقصدون بها أن هؤلاء القوم ليسوا عمياناً عمَّا فعلته وتفعله لهم، إذ حرمتهم من خيرات مصر وأتيت بهم إلى برية قاحلة، ولم تُدخِلهم إلى الأرض التي وعدتهم بها، تلك التي تفيض لبناً وعسلاً! ثم أكَّدوا رفضهم للصعود إليه معلنين عصيانهم وتذمُّرهم وإصرارهم على التمرُّد. + «فاغتاظ موسى جداً وقال للرب: لا تلتفت إلى تقدمتهما. حماراً واحداً لم آخذ منهم ولا أسأت إلى أحد منهم (من الشعب).» (عد 16: 15) لقد كـان غيظ مــوسى في محلِّه، فقـد توقَّحوا جداً في اتهامــاتهم له، حتى أنـــه لأول مــرة ينطق بكلماتٍ ضد أي فرد من الشعب بقوله للرب: «لا تلتفت إلى تقدمتهما». وهو طلب عادل، لم يطلب فيه إيذائهم، وإنما تأديبهم حسب قول الرب: «ذبيحة الأشرار مكرهة الرب» (أم 15: 8)، لأنه أحس أنهم لم يخطئوا إليه بل إلى الله. ولأول مرة أيضاً يُدافع موسى عن نفسه ضد افترائهما عليه وادِّعائهما بأنه يستبد بهم. فهوذا يدفع عن نفسه أي استبداد بهم أو طمع في شيء مما لهم حتى ولوكان حماراً. كما أنه لم يُسئ إلى أحد ولم يضر أحداً. فهو لم يطلب لنفسه قط رئاسةً ولا سلطاناً على أحد لأنه مختارٌ من الله. ويُعلِّق على ذلك القديس بروكوبيوس الغزاوي قائلاً: [إنه الله نفسه الذي أهانوه، في شخص موسى. ويحقُّ لموسى أن يقول: «تعييرات مُعيِّريك وقعت عليَّ.» (مز 69: 9)] (يتبع)
********************************************************************
تُطلب من: ******************************************************************** |