|
|
|
|
عن التمتُّع أو الحرمان من الحياة الأبدية
1. ما إذا كان أولئك الذين لم يتعرَّفوا
على الإنجيل يمكن أن يُشاركوا
في الحياة الأبدية السعيدة؟
+ مثل الذين كانوا جاهلين تماماً بتعليم المسيح، والأطفال الذين لم ينالوا سرَّ المعمودية، والذين كانوا غير عارفين على الإطلاق بإنجيل المسيح.
حالات الوثنيين الغارقين في ظلمة الجهل، وكل الفئات الواقعة تحت الجهل رغماً عنهم:
هل توجد إمكانية لمشاركة الحياة الأبدية السعيدة للذين كانوا من ثقافات وحضارات مُتخلِّفة ولم تتيسَّر لهم الفرصة المناسبة لسماع الإنجيل؟ وماذا عن الذين جهلوا تماماً خبر مجيء ابن الله في الجسد؟
قد تكون الإجابة المتسرعة عن هؤلاء تفيد بأن يُسلَّم مثل هؤلاء للإهمال والتخلِّي عنهم. ولكن المحبة المسيحية تُعلِّمنا أن نُفكِّر في مخرج حسب القول: «قُل لهم: حيٌّ أنا يقول السيد الرب، إني لا أُسرُّ بموت الشرير، بل بأن يرجع عن طريقه ويحيا» (حز 33: 11).
+ ولابد أن نتذكَّر أنَّ الإنجيل قد كُتِبَ أساساً للذين ستُتاح لهم الفرصة لسماع الإنجيل. ولكن الإنجيل لم يُركِّز كثيراً على كيف سيكون مصير الذين لم تُتَحْ لهم مثل هذه الفرصة. ومعروف أنَّ دينونة الأشرار ستُقام على الذين سمعوا الإنجيل ورفضوه. ولكن هذه الدينونة - بناءً على هذا - لن تُقام بهذه الطريقة الحاسمة ضد الذين لم يسمعوا إطلاقاً عن رحمة الله. فهل الذين لم يسمعوا الإنجيل ولم يعتمدوا بالماء والروح، لن ينالوا قبولاً في الملكوت الآتي؟ وفي نفس الوقت لن يُرَدَّ على السؤال عن مصيرهم بناءً على تدبير رحمة الله!
ومن حيث إنَّ الله «لا يشاء أن يُهلك أُناس» (2بط 3: 9)، بل «يُريد أن جميع الناس يخلصون» (2تي 2: 4)؛ فلابد أن نفترض بأنَّ الله لابد أن يجد مصيراً لهؤلاء. ولهذا فما علينا سوى أن نرفع صلواتنا إلى الله طالبين الرحمة للكل: "لأنه ليس أحدٌ طاهراً من دنسٍ ولو كانت حياته يوماً واحداً على الأرض" (أوشية الراقدين - القداس الإلهي).
+ وأمامنا أمثلة عن أُناس كانوا خارج دائرة عهد الله مع شعبه: قائد المئة، والمرأة الفينيقية السورية (مر 7: 26؛ مت 8: 5) اللذان أظهرا نموذجاً للحياة والإيمان الذي مدحه المسيح نفسه.
كفاية نعمة الله السابقة على مجيء المسيح،
للذين عاشوا بالإيمان وعلى رجاء مجيء المسيَّا:
فالذين عاشوا قبل المسيح لا شكَّ سوف يُدانون بحسب استجابتهم للنعمة العامة المُعطاة لهم. فإبراهيم وإسحق ويعقوب لا شكَّ سيكونون حاضرين في نفس الحياة الأبدية السعيدة التي سيعيشها المؤمنون بالمسيح (لو 16: 19-31). ونحن نُشيِّع أحباءنا الراقدين إلى "حضن آبائنا القديسين إبراهيم وإسحق ويعقوب" (أوشية الراقدين - القداس الإلهي).
ونفس الأمر يمكن أن يُقال عن اليهود الذين عاشوا في الأجيال السابقة للمسيح الذين ظلُّوا أُمناء على عهد الله (رومية - أصحاح 11). والوثنيون (المُسمَّون في الإنجيل بكلمة "الأمم") الذين لم يسمعوا عن مجيء المسيح، هؤلاء سوف يُدانون بحسب نور الضمير الذي في قلوبهم (رو 2: 6-16). وكل البشرية أُعطِيَت من الله في خِلقتها نفس النعمة الكافية لأن يستجيب البشر لفُرَص الخلاص. وأمامنا مَثَل مُبكِّر جداً منذ بدء الخليقة لضمير إنسان وهو "هابيل" الذي «شُهِدَ له أنه بارٌّ» (عب 11: 4) ولم يكن عنده شريعة ولا نبوَّات بل الضمير فقط.
+ وبناءً على ذلك أيضاً، فإن كان إنسانٌ جاهلاً بالإنجيل، وأظهر نيَّات واتجاهات واضحة أنها متطابقة أو متشابهة لتلك التي يُظهرها المؤمن بالمسيح عن برِّ الله، فلابد أن تقف هذه النيَّات والاتجاهات كدليل إلى جانب إمكانية خلاصه؛ أو إن أظهر شخصٌ ميلاً طيِّباً تجاه الإيمان، بحيث لو قُدِّمت له الفرصة، لآمن وأثمر ثماراً لإيمانه. والمقصود بالمَيْل الطيِّب هو إيمانه برحمة الله، فلابد أنَّ الله سيقبله كدليل على إيمانه، بحيث إنه (أو إنها) لو كان قد سمع بخبر الإيمان، لكان قد قَبِلَه. وهذا يوضِّحه التصريح الذي نطق به القديس بطرس الرسول أمام قائد المئة الوثني "كرنيليوس" الذي أعلن إيمانه بالمسيح: «بل في كل أُمَّة، الذي يتَّقيه ويصنع البرَّ مقبولٌ عنده» (أع 10: 35).
الحالة الصعبة لموت الأطفال بدون معمودية:
وهذه حالة صعبة، في نفس الاتجاه السابق، عن الأطفال غير المُعمَّدين ثم انتقلوا، فهم لا شكَّ لن يُدانوا على خطية فعلية ارتكبوها وهم مولودون حديثاً، ولكن هل سيتمتعون بالرؤيا الطوباوية لله؟ وهنا يقف أمامنا كلام المسيح عن الأطفال: «فدعا يسوع إليه ولداً وأقامه في وسطهم وقال:... انظروا، لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار، لأني أقول لكم إنَّ ملائكتهم في السموات كل حين ينظرون وجه أبي الذي في السموات» (مت 18: 2-10). فرؤية وجه الله لا شكَّ سيتمتَّع بها هؤلاء الأطفال ولو من خلال ملائكتهم في السموات.
+ إنَّ بيت الآب السماوي في الملكوت الأبدي به «منازل كثيرة» (يو 14: 2)، يُعدُّها الرب للمؤمنين. وكما أنَّ هناك تعدُّداً كبيراً في تاريخ حياة الأشخاص الذين يسمعون الإنجيل، ومستويات متنوعة من قدراتهم الروحية للاستيعاب بحسب تنوُّع الثقافات واتِّجاهات ونيَّات الناس؛ لذلك فيمكننا أن نستنتج أنَّ هناك مساكن متعدِّدة على حسب التنوُّعات المتعددة لاستيعاب كل واحد لرسالة الإنجيل، بحسب تعليم القديس يوحنا ذهبي الفم(1).
2. الحالة النهائية لغير الأبرار:
"سيدين المسكونة بالعدل"
(القداس الإلهي):
+ قبل أن نستطرد في الحديث عن مصير غير الأبرار، نعرض أقوالاً للقديس أنطونيوس الكبير، وللأب متى المسكين؛ وذلك لنُهيِّئ القارئ لقراءة الوصف المُحزن لمصير غير الأبرار.
شرح القديس أنطونيوس أب الرهبان:
[الله صالحٌ هو، غير انفعالي، غير متغيِّر... وقد يسأل البعض: كيف في هذا الموقف (الدينونة) نتكلَّم عن الله كأنه يفرح بالصالحين ويُظهِر الرحمة لمَن يُكرمونه، بينما يُدير الوجه عن الأشرار ويغضب على الخطاة؟ وعلى هذا لابد أن نُجيب بأنَّ الله لا هو يفرح ولا هو يغضب؛ فأنْ يفرح وأنْ يغضب، فهذه عواطف (تُسمَّى في اللغة النسكية: "آلام وشهوات")، ولا هو ينتشي بالهدايا التي يُقدِّمها الذين يُكرمونه، لأن ذلك يعني أنه ينتشي بالسرور...
إنه صالحٌ، وهو مُنعِم فقط بالبركات ولا يفعل الشر إطلاقاً، ودائماً هو كما هو. أما نحن البشر، من الجهة الأخرى، فنحن إذا ثبتنا في الصلاح بمشابهتنا الله، فنحن نتحد به؛ أما إذا صرنا أشراراً بعدم مُشابهتنا الله، فنحن نكون منفصلين عنه. بالقداسة نحن نرتبط بالله، ولكن بصيرورتنا أشراراً فإننا نجعله عدوّاً لنا. ليس ذلك بأنه يغضب علينا اعتباطاً، لكن خطايانا هي التي تحجب عنا إشراق الله داخلنا، وتُعرِّضنا للشياطين لتُعذِّبنا. أما بالصلاة وبأعمال الرحمة، فإننا نربح انفكاكاً من خطايانا، ليس كأننا نربح الله في صفنا ونجعله يتغيَّر؛ ولكن بأعمالنا وتحوُّلنا تجاه الله، فإننا نُشفَى من شرِّنا، ونعود مرة أخرى لنتمتع بصلاح الله. فإذا ما قلنا إنَّ الله يتخلَّى عن الأشرار، فهذا يكون مثلما نقول بأنَّ الشمس قد انحجبت عن الإنسان الكفيف](2).
من كتابات الأب متى المسكين:
[موقف الأشرار:
ومع أن الجالس على العرش لا يزال هو الخروف الوديع القائم كأنه مذبوح من أجل الخطاة، والحبيب الذي لا تزال تنبعث من عينيه الرحمة والمسرة والحنان من أجل كل بني الإنسان، إلا أن رحمته لا يعود الأشرار يرون فيها إلا نوعاً من الفرص الضائعة التي انبرت عدوّاً للتبكيت، يحمل لهم استعلان غضب عظيم. أليسوا هم الذين أهانوا الرحمة في زمن الرحمة؟ لذلك فهم لا يكفُّون عن الصراخ طلباً للخروج من حضرته، لأن نجاساتهم تمنعهم من احتمال البقاء في حضرة قدسه، ويطلبون بإلحاح أن يؤذَن لهم بالخروج، حيث الظلمة الخارجية تكون حالة أكثر احتمالاً من نور حضرته. أما هو، فمن أجل الرحمة يأذَن لهم بالذهاب عنه، حيث الظلمة الخارجية وصرير الأسنان.
وإن كان شعب إسرائيل المختار لم يَطِقْ أن ينظر وجه موسى حينما خرج من لَدُن الله، وقد انعكس نوره الإلهي على وجهه، فكم تكون حالة أبناء الظلمة حينما يُوجَدون قَسْراً في مجال نور وجه الله الديان؟!
وإن كانت الشياطين قد صرخت من هول استعلان الله في هيكل جسده الضعيف، فكم تكون حالة أولاد إبليس حينما يظهرون أمام الله في مجده كديَّان؟!
وإذا كان شعب إسرائيل الذي تقدَّس واستعدَّ لملاقاة الله لم يستطع سماع صوت الله واستعفى من الكلام الذي أرعبه جداً، فكم تكون حالة الخطاة وهم بعد في نجاساتهم، حينما يؤخذون بغتة، ويسمعون صوت الجالس على العرش؟
من أجل هذا سيكون استعلان المسيح، حتى وهو في حالة مجده، مُرعباً جداً بالنسبة للذين لم يتوبوا وأخذهم الموت بغتة.
طبيعة الثواب والعقاب في الخلود:
إن الأبرار سيفرحون جداً بمنظره حينما يتراءى في مجده ومجد أبيه مع ملائكته، لأنهم ينظرون إليه فيرى كل واحد وواحدة نفسه وقد انطبعت صورتها على وجهه، فتبدو طاهرة «لا دنس فيها ولا غَضْن أو شيءٍ من مثل ذلك» (أف 5: 27)، لأنه مكتوب أنه «متى أُظْهِر سنكون مثله» (1يو 3: 2). نعم، سيفرح الأبرار بالحق حينما يرون أسماءهم منقوشة على كفِّه، ولا يجدون في العبور إليه مانعاً، إذ تجذبهم إليه محبته التي اقتنوها في قلوبهم، ولا يخشون من الاقتراب إليه لأنه يكون لهم جراءة وقُدوم بالحق الذي آمنوا به واعتمدوا منه، فنالوا الروح الذي فيهم!! وحينما تتيقَّظ ضمائرهم في نور حضرته وفي استعلان حقِّه، يحسُّون وكأن دم المسيح قد ابتَلعَ الخطية إلى فناء، ولا يجدون في ماضيهم المكشوف إلا ثوباً مبيَّضاً في دم الخروف. لا يذكرون تعدِّياتهم فيما بعد، ولا آثامهم تُحسَب. وكما يتلاشى الزمان من كيانهم حينما يَلِجُون (أي يدخلون) أعتاب الأبدية، يتلاشى الحزن والكآبة والتنهُّد. وكما انفصل المسيح عن الخطاة وصار أعلى من السموات، كذلك سنكون نحن أيضاً، لأنه "وإن كنا لا نعرف بعد ماذا سنكون، إلا أننا متأكِّدون أنه «متى أُظهر سنكون مثله»" (راجع 1يو 3: 2)!!
وفي غمرة أفراح الأبدية وبهجة استعلان حقائق وأسرار الخلود، لا يعود الإنسان يذكر أشباه الحقائق التي عاش فيها سابقاً، بل يحيا في قوة الحق الحاضر بجماله وكأنه قد صار جزءًا فيه.
وحينما يرى الإنسان البار ذاته في المسيح، لا يفقد كيانه كأنه يتلاشى بذاته، بل يحس كمَن صار متَّحداً في مجده، وكأن المسيح حالٌّ فيه، فينطلق بالفرح في تسبيح وشكر يدوم إلى الأبد. ثم يرى الجميع مثله تماماً يجمعهم الفرح والتسبيح، مع أنَّ كل واحد له في المسيح بقدر ما نال، لأن فيه منازل كثيرة، ولكنها منازل متمايزة في المجد. ولكن كل واحد يرى منزلته وكأنها الحظوة القصوى، فيصير وله اكتفاء في ذاته، وامتداد لا ينتهي في المسيح:
- اكتفاء في ذاته، لأنه لا يجد عَوَزاً في شيء، لأنه لا يرى أحداً آخر وكأنه أعلى منه ولا مَنْ هو دوناً عنه، لأن المسيح «يملأ الكل في الكل» (1كو 28:15؛ أف 23:1، 10:4).
- أما امتدادنا الذي لا ينتهي في المسيح، فلأنه مصدر الحق اللانهائي الذي تتحد به النفس البشرية كامتداد الأضعف في الأعظم، فتظل تكتسب من المعرفة للحق إلى مالانهاية وتظل تمتد امتداداً لا يشمله تغيير، لأنه خِلْوٌ من الزمان والمكان، باستنارة متزايدة في الحق، يكون الحق فيها علَّتها وهو هو غايتها، وهذا هو ميراث النفس السعيد. وبقدر ما تنال من الحق تزداد فرحاً وتسبيحاً ولن يكون لامتدادها في الحق نهاية، ولن تحس بالحرمان والعوز حتى في سعيها ونموها في الحق، لأن كل درجة تصل إليها تدفعها إلى ما بعدها!
- أما الذين أحبُّوا الظلمة أكثر من النور، وأبغضوا الحق، ومالأوا الإثم والكذب، فحينما يشخصون في وجه السيد القدوس ويسطع نوره وحقه على قلوبهم، تنكشف أستارها وتُفتَضَح أفكارها ويغشاهم الخزي المريع، فيرتدُّون بعيداً عن النور ويستعفون من رؤيا وجه الحبيب، والوجود في حضرته، ويكون لهم ما يريدون، كما كان للأرواح النجسة قديماً، حينما طلبوا أن يهربوا من وجهه ويدخلوا قطيع الخنازير بعيداً، فأَذِنَ لهم، رحمةً منه. وسيظل المسيح هكذا رحيماً وإلى أبد الآبدين، حتى وعلى أشد العصاة المتمردين، ولكنها رحمة تحمل في طياتها اختيار البقاء في الحرمان بعيداً عنه، عقاباً أبدياً للذين رفضوا قبول الحق والتآلف مع النور والحياة معه.
وهكذا كما طلبت الشياطين أن يؤذَن لها بالدخول في قطيع الخنازير، إذ في ذلك كان راحة لها، كذلك ستكون راحة الخطاة في بكائهم، ولا يتعزون إلا بصرير أسنانهم، ولا يرتاحون إلا في الظلمة بعيداً عن الحق والنور وحضرة الله القدير؛ لذلك سيطلبونها، ويلحُّون في طلبها، لأنها ستكون أكثر راحة من عذاب الحق المستعلَن لهم في حضرة الله.
قد يختلط هنا (في هذا الدهر) الحق بالباطل، وتنتفخ أعمال الظلمة على أعمال النور، والمتعظِّمون يَضطهِدون المستضعفين والمساكين بالروح؛ أما في الدهر الآتي فستكون الفُرقة والانفصال الأبدي، فلا يعود أصحاب الحق يحيون إلا بالحق، وما أجمله وما أسعده حقّاً، ولا يعود يحيا أصحاب الباطل إلا في الباطل، وما أشقاه وما أتعسه باطلاً](3).
(يتبع)
(1) John Chrysostom, Hom. on John, LXXIII,12; NPNF, 1nd Ser., Vol. XIV, pp. 267-70.
(2) Philokalia, Vol. 1, Text 150; English tr. by Palmer-Sherrard Ware, p. 352.
(3) عن كتاب: "كيف سيدين المسيح المسكونة بالعدل؟"، للأب متى المسكين، الطبعة الرابعة: 2008م، ص 10-14.
