|
تدبير الروح القدس
|
|
|
الكنيسة الأرثوذكسية كنيسة ليتورجية. وكلمة ”ليتورجية“ تعني ”عمل الشعب“، فالعبادة الليتورجية عبادة جمهورية. وأساس كل الطقوس في الكنيسة للأسرار السبعة، وأولها سر المعمودية، يكمن في رشم الصليب. عن الاعتراف بالإيمان:
علامة الصليب هي فعلٌ يُعبِّر
+ ويظهر هذا جيداً في رشم الإنسان الصليب على نفسه، الذي هو مشتقٌّ من رشم الكاهن بعلامة الصليب على المؤمنين في الكنيسة في المناسبات والطقوس الليتورجية الكنسية المختلفة. وأول المناسبات: التغطيس المثلث في سرِّ المعمودية ورشم زيت الميرون المقدس في سر المسحة المقدسة، حيث يبدأ الكاهن صلواته بالرشم المثلث قائلاً: ”مبارك الله الآب ضابط الكل، مبارك ابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا، مبارك الروح القدس المعزِّي“. فالمعمودية تُعبِّر عن صليب المسيح وعن الثالوث الأقدس بآنٍ واحد. فباسم الثالوث الأقدس تتم المعمودية؛ وبرشومات الكاهن لعلامة الصليب (والصليب في يده) على المؤمنين من أعلى إلى أسفل ثم مـن الشمال إلى اليمين، سواء في المعموديـة أو في الليتورجية، فإنها تُعبِّر عـن حقيقة أن الإكلـيروس أي الأسقف وكهنته هـم صورة المسيح الكاهن الأعظم الأوحد الذي باركنا بصليبه. وهكذا - بنفس النسق - يـرشم المؤمنون ذواتهم بعلامة الصليب.
+ وعلامة الصليب ترتبط بالأسرار. و”السر“ يُسمَّى في اللغة القبطية (عن اليونانية) ”ميستيريون mysterion“، بمعنى ”استعلانات النِّعَم والبركات الخفيات“. فالسر ليس رمزاً، بل هو استعلان ومَنْح للنِّعَم والعطايا الموهوبة لنا نحن البشر بموجب تجسُّد وصَلْب وقيامة ربنا يسوع المسيح، وذلك داخل الكنيسة.
سرُّ الصليب:
والصليب يُكرَّم في الكنيسة. وبالإضافة إلى التكريم العام للصليب في الحياة الليتورجية للكنيسة والحياة الشخصية للمؤمنين، هناك التكريم الليتورجي مرة في الخريف، والأخرى في الربيع: 17 توت / 27 سبتمبر؛ 10 برمهات / 19 مارس، والذي يأتي عادة أثناء الصوم الأربعيني المقدس، وهو موسم الاستعداد لعيد القيامة (أو عيد الفصح)، حيث المؤمنون بنسكهم من خلال الصوم، يختبرون صليب المسيح فعلاً وبقوة، باعتبار الصوم بمثابة تقديم الجسد كذبيحة لله بالمسيح.
+ والصليب هو الرمز الملموس لمحبة الله غير المتناهية تجاه البشر. وقد تنبَّأ الرب يسوع قائلاً: «وأنا إن ارتفعتُ عن الأرض، أجذبُ إليَّ الجميع. قال هذا مُشيراً إلى أية ميتة كان مزمعاً أن يموت (أي موت الصليب)» (يو 12: 33،32).
+ وإنَّ ذراعي المسيح، وهما مفتوحتان ممدودتان، تمثِّلان المحبة الحاضنة لكل البشر، والتي اكتملت بإرساله الروح القدس لكي يملأ الجميع.
قوة النعمة والحياة:
وحينما خلق الله العالم والإنسان، فقد خلقهما من فيض محبته اللامتناهية، ليُعلن مجده. وحينما سقط الإنسان في العصيان، لم يُهلكه بل باركه. وبهذا كانت محبة الله للإنسان هي بداية الطريق إلى الصليب. فالله، لم يرغب أن يكون للشر الكلمة الأخيرة. وكانت محبة الله هي التي بذلت الابن «لكي لا يهلك كل مَن يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية». وبهذه المحبة أرسل الله لنا ابنه الوحيد. وكما في المَثَل الذي نطقه المسيح، والمُسمَّى ”مَثَل الكرَّامين الأردياء“، كان مجيء الابن هو الخطوة الأخيرة: «أُرسِلُ ابني الحبيب، لعلَّهم إذا رأوه يهابون» (لو 20: 13).
+ والصليب هو أيضاً علامة الصراع الحاسم النهائي ضد الموت والشر. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: ”فلكي نحيا، كان لابد أن يتجسَّد الله ويبذل نفسه للموت“. وتواجهت محبة الله مع الموت ومع البغضة، لكي بموت المسيح يُبيد الموت، وتفقد البغضة ملكوتها. فمن الآن فصاعداً، فإنه بصليب المسيح، وقيامته، صارت قوة الحياة والنعمة ظاهرتين.
فانتصار المسيح على الموت، أظهر قوة الشفاء التي في علامة الصليب، وعلى الأخص ضد قُوَى الشيطان التي تحاول دائماً - ولكن عبثاً - تحطيم عمل محبة الله. وفي طقس سر المعمودية، وعندما تأتي لحظة مباركة مياه المعمودية، ينفخ الكاهن على الماء ”ثلاث مرات بمثال الصليب“، ثم ”يرشم الماء ثلاث مرات بالصليب“، ويقول في صلاته: ”لكي... تبطل كل القوات المضادة. والأرواح الخبيثة امنعها وارذلها وصُدَّها. كل سحر وكل رقاء وكل عبادة الأصنام وكل تعزيم، أبطله“.
قوة الصليب والقيامة:
الماء بعلامة الصليب، وباستدعاء الروح القدس، يتقدَّس ويُقدِّس أيضاً الأشخاص والأشياء. كما في صلوات قداس اللقَّان ليلة عيد الغطاس (الثيئوفانيا)، حيث يحتفظ كثير من المؤمنين بالماء الذي تقدَّس، لكي يستخدموه في حياتهم الشخصية.
ولا يُفهم من هذا أي معنى لقوة سحرية أو طبيعية للصليب؛ بل هو المسيح - له المجد - الذي يُوصِّل لنا سرِّياً - بالروح - النعمة التي استُعلنت في الجلجثة من صليب المسيح. ومن حيث إن علامة الصليب تعمل من أجل توصيل نعمة الروح القدس لنا، فإن نوال نعمة الله لا يمكن أن يكون في متناول يدنا بدون سلوكنا طريق ”الإخلاء“ الذي سبق أن سلكه ربنا يسوع المسيح نفسه؛ أي: جحد الذات، وحَمْل الصليب (كما علَّمنا المسيح نفسه في إنجيل لوقا 9: 23). وكما صُلِب هو نفسه من أجل حياة العالم، هكذا نموت نحن أيضاً عن الأنانية، ونصلب الإنسان العتيق الذي فينا، لكي يتحقَّق ميلادنا الجديد في المسيح.
+ والصليب هو أيضاً الرمز والطريق إلى القيامة، ليس فقط بالنسبة للمسيح، بل ولكل مؤمن على قدر ما قَبِل من نِعَم الخلاص في المسيح يسوع، ولكن مع أعمال وجهادات النسك الشخصي الذي يُعبِّر عن التصاقنا الحُرّ والطوعي بمحبة الله، وبجهادنا ضد كل العوائق الباطنية داخل نفوسنا التي تُقاوم محبة الله.
+ لهذا السبب نحن نُكرِّم الصليب، ليس فقط كموضع الحضور السرِّي للرب القائم من بين الأموات، بل وأيضاً كينبوع لنعمة الروح القدس الذي أقام يسوع المسيح من بين الأموات.
+ هذا هو السبب الذي من أجله يُقبِّل المؤمنون الصليب وأيقونة المخلِّص، ويسجدون أمامهما.
+ وهذا هو السبب الذي من أجله يدقُّون وَشْم الصليب على أجسادهم ومِعْصمهم، وبعلامة الصليب يُباركون أبناءهم وبناتهم.
الصليب الداخلي:
لكن الصليب هو أيضاً علامة الاتضاع، وبَذْل الذات، وطاعة ابن الله. والصليب هو طريق الخلاص لكل مسيحي مدعوّ للاقتداء بالمعلِّم الإلهي، وبحَمْل صليبه الشخصي تابعاً إيَّاه.
+ والصليب هو الذي يُعلن الروح القدس بالمساواة وبلا انفصال، ليس فقط لأن القيامة لا يمكن تصوُّرها بدون الروح القدس، بل وأيضاً لأنه هو الذي يُغيِّرنا إلى صورة المسيح، وبدونه (الروح القدس) نصير غرباء عن الله.
+ وأخيراً الصليب هو العلامة الملموسة لمحبة الله اللامتناهية تجاه خليقته، تلك المحبة التي شرحها آباء كثيرون بناءً على شرح القديس بولس بأنها ”السر العظيم“ للتجسُّد، سر الزيجة بين الخالق وخلائقه «الذي كان مكتوماً في الأزمنة الأزلية، ولكن ظهر الآن» (رو 16: 25).
+ يقول القديس يوستينوس الشهيد والفيلسوف (القرن الثاني) في كتابه ”الموجز“، بأن خلقة الإنسان تتميَّز عن خلقة الحيوانات، بإمكانية الإنسان أن يمدَّ يديه على شكل الصليب.
البُعد الثالوثي للصليب:
إن تدبير الخلاص هو أساساً تدبير ثالوثي. ويُعبِّر عن هذا أن المناداة باسم الله يُرافق الحضور الفعَّال لله. فبالمناداة ”باسم الآب والابن والروح القدس“، يُبارك الله كل أعمال الإنسان. ويظهر البُعد الثالوثي أيضاً في الترانيم القديمة، مثل تلك الترنيمة السريانية التي يُشير إليها القديس يوحنا ذهبي الفم، في عظة له عن الصليب: ”الصليب: إرادة الآب، ومجد الابن، وتهليل وفرح الروح“. +
