|
دعوة لتجديد العهد مع الله
|
|
|
+ «وأنتم باذلون كل اجتهاد، قدِّموا في إيمانكم فضيلة، وفي الفضيلة معرفة، وفي المعرفة تعفُّفاً، وفي التعفُّف صبراً، وفي الصبر تقوى، وفي التقوى مودة أخوية، وفي المودة الأخوية محبة. لأن هذه إذا كانت فيكم وكثرت، تصيِّركم لا متكاسلين ولا غير مثمرين لمعرفة ربنا يسوع المسيح» (2بط 1: 5-8).
رأينا في المقال السابق(1) أنه يعوزنا الإيمان أولاً وقبل كل شيء، لكي نصير ناضجين روحياً، ورجالاً أقوياء قادرين على الاغتذاء بطعام البالغين، إلاَّ أن الإيمان وحده لم يَعُد كافياً، إزاء المحبة التي أحبنا بها الله ونحن بعد خطاة حتى بذل ابنه الوحيد لأجلنا، والذي بقدرته الإلهية ومحبته اللانهائية، لم يكتفِ أن يُخلِّصنا من خطايانا؛ بل زاد على ذلك بأن وهب لنا المواعيد العُظمى والثمينة لكي نصير بها شركاء الطبيعة الإلهية. لذلك يدعونا بولس الرسول أن يكون إيماننا عاملاً بالمحبة. ويُزيد بطرس الرسول هذا الأمر وضوحاً بقوله: «قدِّموا في إيمانكم فضيلة، وفي الفضيلة معرفة، وفي المعرفة تعفُّفاً، وفي التعفُّف صبراً، وفي الصبر تقوى، وفي التقوى مودة أخوية، وفي المودة الأخوية محبة. لأن هذه إذا كانت فيكم وكثرت، تصيِّركم لا متكاسلين ولا غير مثمرين لمعرفة ربنا يسوع المسيح». إلاَّ أن القديس بطرس قد بيَّن أن الأمر يستلزم قبل كل شيء وعلى مدى المسيرة كلها أن نبذل كل اجتهاد، وذلك بقوله: «وأنتم باذلون كل اجتهاد، قدِّموا في إيمانكم فضيلة...» (2بط 1: 5). وقد أكَّد على ذلك أيضاً بولس الرسول بقوله: «غير متكاسلين في الاجتهاد، حارين في الروح، عابدين الرب، فرحين في الرجاء، صابرين في الضيق، مواظبين على الصلاة» (رو 12: 12،11).
بل إن الرب يسوع نفسه يقول لنا صراحةً إنه يلزمنا لكي نتبعه أن نجتهد للدخول من الباب الضيق: «اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق. فإني أقول لكم إن كثيرين سيطلبون أن يدخلوا ولا يقدرون» (لو 13: 24). كما قال أيضاً: إن «ملكوت الله يُغصب، والغاصبون يختطفونه» (مت 11: 12). كما جاء عن ذلك في إنجيل متى الرسول، إذ يقول الرب: «ادخلوا من الباب الضيق، لأنه واسع الباب ورحْبٌ الطريق الذي يؤدِّي إلى الهلاك، وكثيرون هم الذين يدخلون منه. ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدِّي إلى الحياة، وقليلون هم الذين يجدونه» (مت 7: 14،13).
ولنلاحظ هنا المقارنة التي عقدها المسيح بين الباب الواسع والباب الضيق، والطريق الرحب والطريق الكرب. فالأول سهلٌ ولا يحتاج إلى جهاد ولا تغصُّب؛ أما الثاني فما أضيقه وأكربه طريقاً، فلابد من الاجتهاد للحصول عليه والبحث عنه حتى يوجد لمَن يسعى إليه ويطلبه باهتمام ومثابرة، كما جاء في مَثَل التاجر الذي يطلب لآلئ حسنة، «فلما وجد (بعد بحث وعناء) لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن، مضى وباع كل ما كان له واشتراها» (مت 13: 46،45).
ولم يكتفِ بطرس الرسول أيضاً بعد قوله هذا: «وأنتم باذلون كل اجتهاد، قدِّموا في إيمانكم فضيلة...»، وإلى آخر هذه المنظومة البالغة العمق، فإنه يعود فيؤكِّد على لزوم الاجتهاد وضرورة المثابرة من أجل الحصول على هذه المواعيد العُظمى والثمينة لكي نصير بها شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة، وذلك بقوله: «لذلك بالأكثر اجتهدوا، أيها الإخوة، أن تجعلوا دعوتكم واختياركم ثابتَيْن، لأنكم إذا فعلتم ذلك فلن تزلُّوا أبداً. لأنه هكذا يُقدَّم لكم بسعة دخول إلى ملكوت ربنا ومخلِّصنا يسوع المسيح الأبدي» (2بط 1: 11،10).
ثم عاد وكرَّر حثَّه على ضرورة الجهاد في نفس الرسالة بقوله: «اجتهدوا لتوجدوا عنده بـلا دنس ولا عيب في سلام» (2بط 3: 14).
ولعل مَثَل العذارى الحكيمات والجاهلات، قد قصد به الرب إظهار الفرق بينهما من حيث حِرص العذارى الحكيمات، وسعيهن الدؤوب، واجتهادهن المستمر للسهر على ملء آنيتهن بزيت النعمة الذي بسببه استطعن أن يُضْئن مصابيحهن لاستقبال العريس عند مجيئه في الوقت الذي لا نعرفه. من أجل هذا فقد دعاهن الرب بالحكيمات. أما العذارى الجاهلات، فبالرغم من كونهن عذارى مثل الحكيمات وكنَّ معاً في استقبال العريس، وتساوين معاً في كونهن معهن المصابيح اللازمة لاستقبال العريس، إلاَّ أنهن لم يحرصن على ملء آنيتهن بالزيت، فانطفأت مصابيحهن لأنهن لم يأخذن معهن زيتاً. ويا للحسرة والندامة التي أصابتهن حينما جاء العريس ودخلت معه العذارى الحكيمات، وأُغلق الباب؛ أما الجاهلات فوقفن خارجاً يبكين خيبتهن وتهاونهن، ولكن ماذا ينفع الندم بعد زلَّة القدم؟!
لذلك يحثُّنا بولس الرسول في أكثر من موضع في رسائله، على الجهاد والاجتهاد، فيقول: «مَن يجاهد يضبط نفسه في كل شيء. أما أولئك فلكي يأخذوا إكليلاً يفنَى، وأما نحن فإكليلاً لا يفنَى. فأنا لا أجري كمَن لا يعرف الهدف، ولا أُلاكم كمَن يضرب الهواء؛ بل أقمع جسدي وأستعبده حتى بعد ما كرزتُ للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضاً» (1كو 9: 25-27 الترجمة الحديثة)؛ «جاهد جهاد الإيمان الحسن، وأمسك بالحياة الأبدية التي إليها دُعيتَ أيضاً، واعترفتَ الاعتراف الحسن أمام شهود كثيرين» (1تي 6: 12)؛ «وأيضاً إن كان أحد يجاهد لا يُكلَّل إن لم يُجاهد قانونياً» (2تي 2: 5)؛ «قد جاهدتُ الجهاد الحسن، أكملتُ السعي، حفظتُ الإيمان. وأخيراً وُضِعَ لي إكليل البر، الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديَّان العادل، وليس لي فقط، بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً» (2تي 4: 8،7)، «ولنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا» (عب 12: 1)؛ «لم تقاوموا بعد حتى الدم مُجاهدين ضد الخطية» (عب 12: 4). ويقول أيضاً يهوذا الرسول مؤكِّداً على ضرورة الجهاد والاجتهاد: «أكتب إليكم واعظاً أن تجتهدوا لأجل الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين» (يه 3).
من كل هذه الآيات السابقة يتبيَّن لنا أهمية الجهاد، وكيف يكون الجهاد، ولماذا يجب أن نجاهد، وما هو الهدف من جهادنا؟
وهنا نقتبس من كتاب حياة الصلاة الأرثوذكسية للأب متى المسكين، لكي نُجيب على هذه الأسئلة. ففي الفصل الخامس من الباب الثاني من الكتاب، الذي يتكلَّم عن الاجتهاد والتغصُّب، يقول:
[أما الهدف الذي يلزم أن نضعه أمامنا بالنسبة للجهاد والتغصُّب، فهو الخضوع الكامل لله والتسليم المطلق لمسرة مشيئته. ولتكن هذه الكلمات علامات منيرة على طريق الاجتهاد والتغصُّب:
أولاً: احترس من توتُّر الإرادة لأنه عتيد أن يُلقيك في دوامة جهاد ذاتي؛ فحينما تنشط الإرادة وتتحمَّس، اربطها في الحال بطاعة المسيح حتى لا تعمل شيئاً من ذاتك.
ثانياً: ارفض كل إحساس بمسئوليتك عن النجاح والفشل، وحوِّله في الحال إلى إحساس متابعة العمل بأمانة فقط.
ثالثاً: لا تتطلَّع إلى ضرورة الحصول على معونة خارجية من القوات غير المنظورة، لأن المسيح لم يجعلك في نقص من شيء، وقد تكفَّل لك بكل لوازم المسير. إذن، فاكتفِ بقوة المسيح الذي معك وجاهد على أساسها. فإذا أتتك معونات وتعزيات من فوق، فافرح بها وابتهج، ولكن لا تجعلها أساس جهادك لئلا يتعطَّل مسيرك ويتوقَّف.
رابعاً: الاجتهاد والتغصُّب اللذان تعيشهما ليسا من أجل الحصول على شيء لذاتك أو لتقوية إرادتك أو عزيمتك أو لمواجهة عدوك؛ بل هما في الحقيقة للتخلِّى عن ذاتك، وتُسلِّم إرادتك، ولا تعتمد على عزيمتك، وتختفي خلف المسيح من مواجهة عدوك.
خامساً: بقدر ما ستعتمد على إرادتك، بقدر ما سيضعف إحساسك بمعونة الله. وبقدر ما تقتصر في جهادك على تسليم إرادتك في هدوء الخضوع وعناد المثابرة والتغصُّب لقبول كل تدبيرات الله، بقدر ما تحس بيقين عمل الله وعنايته وتدبيره لحياتك.
سادساً: لا توقف اجتهادك وتغصُّبك في طاعة وصايا الله مهما كان فشلك ومهما كانت تجاربك، لأن خلف نفسك المنهزمة يقف المسيح وفي يديه إكليل الجهاد. فأنت غير مسئول عن النجاح بل مسئول عن الجهاد.
سابعاً: الجهاد الذي نجاهده والتغصُّب الذي نمارسه إذا مارسناهما بصحةٍ، فهما قطعاً لا يُقدِّماننا إلى البر ولا يُقرباننا إلى الله، ولكنهما يُبعداننا فقط عن ذواتنا ويفصلاننا عن حياة الخطيئة والعصيان. أما البر، فالله يمنحه مجاناً؛ وأما القرب إلى الله، فالمسيح هو الذي يضطلع به من ذاته](2).
وإليك بعض أقوال الآباء الروحيين الذين كملوا في الإيمان، وجاهدوا الجهاد الحسن وتركوا لنا خبرة حياتهم وثمرة جهادهم ظاهرة في أعمالهم وأقوالهم، فيقول القديس مار إسحق السرياني:
[هل أنت تعمل فقط لخبز الجسد حينما تكون لك رغبة في العمل ذاته؟ ألستَ تجاهد حتى ولو لم تكن لك رغبة في العمل؟ افهم أن أمر غصب النفس على العمل هو أمر هام جداً في الأمور الدنيوية والروحية أيضاً: للصلاة، لقراءة الإنجيل والكتب الروحية النافعة، وحضور الخدمات الإلهية في الكنيسة، للتعليم، للوعظ، لخدمة الكلمة. لا تُطِع الجسد الكسول الغاش لأنه مملوء خطية: «فإني عالمٌ أنه ليس ساكن فيَّ، أي في جسدي، شيء صالح» (رو 7: 18). والجسد يشتهي أن يرتاح على الدوام غير مكترث بالهلاك الأبدي الذي يكون عِوَض راحته القليلة الزائلة: «ملكوت الله يُغصب والغاصبون يختطفونه» (مت 11: 12)].
[إن الفضائل لا تُكتسب من كلام الكتب بل من تجربة طويلة. قد يكون إنسان ساذج يعمل عملاً بالتجربة أفضل مِمَّن كان عالماً في سيرة الروح بواسطة سطور الكتب والتسليم عن الآخرين فقط بلا تجربة واختبار].
كما يقول أيضاً القديس مكاريوس الكبير:
[حينما يغصب الإنسان نفسه هكذا على كل الفضائل، ويلحُّ في طلب وسؤال كل ما هو صالح لخلاص نفسه، ويثبت سؤاله بأعماله وجهاداته، فإنَّ الرب يُعطيه روحه ليعمل به، ويُكمِّل كل صلاح، وبدون عناء وتغصُّب يعمل الفضائل التي كان يُتمِّمها قبلاً بكل جهد وتغصُّب، وتحلُّ عليه الحكمة الروحانية ومعرفة الحق، وتصير كطبيعةٍ له، لأن الله يكون ساكناً فيه.
هكذا وجب على الإنسان أن يُهيِّئ قلبه لعمل الله بكل قوته وقدرته، ويُقدِّم أفخر ما فيه ليحلَّ الله في داخله. وما لم يُعِدَّ الإنسان نفسه ويُزيِّنها بالفضائل، يُحرَم من ثمار النعمة وعملها حتى وإن حلَّت عليه، لأنه يفقدها سريعاً ويسقط بسببها، لكونه لم يُسلِّم نفسه إلى وصايا الرب بعزم القلب، إذ أن سُكنى الروح وراحته يكون في المتواضع الوديع المُتمِّم لكل الوصايا].
[كل اجتهاد وكل بلوغ لم يُكمل ولم يُكلَّل بعد برباط الحب، يبقى مُعرَّضاً للخوف والحرب والسقوط والزوال (لأن المحبة هي رباط الكمال)](3).
(يتبع)
(1) مجلة مرقس، عدد مارس 2010، ص 12-15.
(2) الأب متى المسكين، كتاب: ”حياة الصلاة الأرثوذكسية“ – الباب الثاني – الفصل الخامس.
(3) نفس المرجع السابق.
