|
من تاريخ كنيستنا
|
|
|
لمحة تمهيدية عن كاتب سِيَر البابوات
في القرن الحادي عشر:
سنكتب أولاً نبذة عن شخصية كنسية في القرن الحادي عشر ساهمت في تدوين سِيَر الآباء البطاركة قبل البابا خريستوذولوس البطريرك السادس والستين.
وحينما انشغل فكر الراهب ”ميخائيل“ بتدوين سِيَر باباوات الإسكندرية، توجَّه إلى دير الأنبا يؤانس كاما، ولازم الراهب ”بيسوس“ خمسة عشر يوماً بصحبة بعض الأراخنة ومن بينهم ”بقيرة“. وانشغل الجميع في الكتابة والمراجعة لِمَا كتبوه عن سِيَر الباباوات طيلة النهار وحتى منتصف الليل. فقد كانوا يتدارسون معاً منذ الصباح: بعضهم يكتب، والبعض الآخر يُراجع ما كتبه هؤلاء، ثم يقرأون معاً ما روجع، مما كان يضطرهم إلى الاستمرار في العمل إلى وقت صلاة نصف الليل، حيث يتوجَّهون إلى الكنيسة ليشتركوا في الصلاة والتسبيح.
وبهذا الدَّأب كل يوم وليلة، كتبوا لنا سِيَر عشرة باباوات: من البابا السادس والخمسين ”خائيل الثالث“ إلى البابا الخامس والستين ”شنوده الثاني“، وهو البابا الذي رسم ”ميخائيل“ كاهناً، ثم انتخبه البابا أبرآم ابن زرعة ليكون كاتبه، وكلَّفه بكتابة ”السينوديقا“ التي هي الرسالة الإيمانية التي كان البابا الإسكندري يبعث بها إلى أخيه البطريرك الأنطاكي. واستمر ميخائيل يكتب هذه الرسالة الإيمانية تحت رئاسة خمسة من الباباوات الإسكندريين. فلما اعتلى الأنبا خريستوذولوس الكرسي المرقسي، رفع ”ميخائيل“ إلى درجة الأسقفية على ”تنِّيس“ مع استمرار عمله ككاتب للسينوديقا. وبعد أن كتب الرسالة (السينوديقا)، انتخبه البابا ليحملها بنفسه إلى أنطاكية بصحبة الأنبا غبريال أسقف ”صا الحجر“، وعاد الاثنان برسالة من البطريرك الأنطاكي؛ كما أوردناها في سيرة البابا خريستوذولوس (مجلة مرقس، مارس 2009، ص 48).
ولا يُعرف بالضبط يوم نياحة هذا الأسقف العالِم النشط. إلاَّ أنه يتضح من المخطوطات الباقية بين أيدينا، أنه تنيح في أواخر أيام الأنبا خريستوذولوس، إذ ورد في سيرة هذا البابا الجليل أنه رسم القس ”سيمون“ من بيعة القديس مرقس البشير، أسقفاً على تنِّيس باسم ”الأنبا صموئيل“.
وهكذا عاصر الأنبا ميخائيل ستة من الباباوات، خدم مع الخمسة الأوَّلين منهم بوصفه شماساً وكاتباً للسينوديقا، ومع البابا الأخير بوصفه أخاً وشريكاً له في الخدمة الرسولية.
? ويقترن اسم الأنبا ”ميخائيل“ أسقف ”تنِّيس“، باسم شماس يُسمَّى أحياناً ”ميخائيل“ لكنه ظل شماساً طيلة حياته وعاش في المدينة ولم يترهب. وهذا الشماس يُسمَّى ”موهوب ابن منصور ابن مفرج الإسكندراني“، وقد اشتهى هو أيضاً أن يجمع سِيَر الآباء البطاركة، فيقول: ”اشتهيتُ أنا الخاطئ البائس أن أجمع سِيَرهم وأكتبها ليكون ذلك ربحاً لي ولمَن يقرأها بعدي. فاستعنتُ بالله - تعالى ذِكره - وتوجَّهتُ إلى دير القديس أنبا مقار بوادي هبيب المقدس، فوجدتُ هناك "الراهب الشماس أبو حبيب ميخائيل ابن بدير الدمنهوري"“، هذا الذي صار فيما بعد الأنبا ميخائيل أسقف تنِّيس.
وبعدما تحدث موهوب إلى هذا الراهب النشط، اتفقا معاً على جمع السير الباباوية. وتنفيذاً لرغبتهما، تنقَّلا في مختلف الأديرة، فوجدا سِيَر 42 بطريركاً ابتداءً من القديس مار مرقس الإنجيلي وكاروز الديار المصرية، إلى الأنبا سيمون، وذلك في دير السيدة العذراء بنهيا. ثم وجدا سير أربعة بطاركة بعد البابا سيمون في دير الشهيد الجليل تادرس بأبلاج، أما التسعة الباباوات الذين جاءوا بعد ذلك: من البابا 47 إلى البابا 55، فقد وجدا سِيَرهم في دير السيدة العذراء بنهيا أيضاً. وأخيراً، وجدا سِيَر الباباوات العشرة (من البابا السادس والخمسين إلى البابا الخامس والستين) في دير الأنبا مقار الكبير.
ولم يكتفِ الشماس موهوب بنقل السير التي وجداها (هو والشماس ”أبو حبيب“)، بل كتب سيرة الأنبا خريستوذولوس، الذي كان الأسقف ميخائيل رفيقه قد تنيح قبل نياحة البابا المقبل.
? نُسجِّل سيرة هذا الأسقف النشط ورفيقه الشماس ”موهوب“، لنُبيِّن مدى النشاط الفكري الذي كان ينتشر بين رهبان وشمامسة الكنيسة في هذا العصر، بالرغم من المحن والويلات التي عاناها الرهبان في الأديرة والشعب في المدن على أيدي الولاة الغزاة الوافدين من الخارج، مما يدلُّ على أن الأقباط كانوا رجال علم وفكر وأصحاب تاريخ مجيد طويل، لابد من تسجيله لمنفعة الأجيال اللاحقة لمجد اسم الله القدوس.
ثم أشار عليهم بأن البطريرك الذي يريدونه موجود بدير القديس أنبا مقار. فعادوا في نفس اليوم إلى ديرهم وأخبروا رفقاءهم بما جرى، فصلُّوا وأكثروا الابتهال إلى الله في أن يُرشدهم إلى الأب المختار.
وبالرغم من ذِكر أسماء عديدة، لم يتفقوا على واحدٍ منهم، إلى أن دخل عليهم راهب كهل اسمه ”جورجي“، فلما رأوه ألقى الله في قلوبهم جميعاً الاتفاق إلى اختياره. فقاموا كلهم، وأخذوه قسْراً وألبسوه الثوب، وأسموه ”كيرلس“ وهو يبكي ويقول: ”أنا ابن ثانية (أي ابن زوجة ثانية لأبيه) فما أصلح لهذا الأمر“. فلم ينثنوا عن اختيارهم. وكان ذلك في يوم أحد الرفاع، وساروا به إلى الإسكندرية حيث تمَّت طقوس الرسامة، وكان ذلك في 22 برمهات عام 1078م.
الاحتفاء بالبطريرك الجديد في القاهرة:
ثم توجَّه الأب ”كيرلس“ إلى القاهرة حيث وصل إلى كنيسة الملاك ميخائيل في جزيرة ”الروضة“. وكان قد أبلغ أحد الأساقفة رئيس الشرطة (الشيخ أبا الفضل) وأعلمه بوصول البطريرك الجديد، فسارع هذا الشيخ بإعداد قارب سلطاني مع عدد من حَفَظَة الأمن ورجال القصر إلى كنيسة الملاك ميخائيل، ثم ركب البابا كيرلس القارب ومَن معه من الأساقفة والأراخنة وحَفَظَة الأمن، وعَبَروا النيل إلى القاهرة، ثم ساروا ويتبعهم الجموع إلى قصر الخليفة. وما أن وصلوا إلى باب القصر حتى استقبل الأب البطريرك ”مأمون الدولة“ المُلقَّب بالأستاذ (والأساتذة كانوا هم الخواص المُقرَّبين من الخليفة الفاطمي). وحيا البابا قائلاً له: ”أمير المؤمنين يردُّ عليك السلام“، وركع أمامه إلى قرب الأرض ثم أخذه إلى ”المستنصر بالله“ الخليفة، الذي كان معه أُمُّه وأُخته جالستين وبين أيديهم طِيب كثير، فرشُّوه عليه وقالوا له: ”بارِكْ علينا وعلى قصرنا“. فبارك عليهم ودعا لهم. ففرحوا به، وقالوا له: ”جعلك الله مُبارَكاً علينا وعلى دولتنا“. ثم أمر البابا الأسقف بطرس أن يقرأ عليهم الدعاء، فقرأه عليهم وبارك هو أيضاً ودعا.
ثم توجَّه الجميع إلى دار ”الأَجَلّ الأفضل أمير الجيوش بدر الدين الجمالي“، فلَقِيَ منه أجمل استقبال، وأجلسه، وأدناه، وأَكرمه وطيَّب نفسه؛ فدعا له البابا دعاءً كثيراً. وطلب البابا من الأسقف بطرس أن يفعل ما فعله مع الخليفة: الصلاة والدعاء له. وكان حاضراً عند أمير الجيوش والي القاهرة، فأمره أمير الجيوش أن يخرج ويركب مع البابا حتى يصل إلى مقره بالقاهرة حيث يريد، وأن يهتم به ويخدمه ويقضي حوائجه ما دام بالقاهرة. فخرج البابا مُكرَّماً مُبجَّلاً ونزل إلى كنيسة السيدة العذراء المُسمَّاة بالمعلَّقة، وتكرَّس فيها.
تكريس الميرون بدير القديس أنبا مقار:
وكان الصوم الكبير قد ابتدأ، فخرج البابا متوجِّهاً إلى دير القديس أنبا مقار، حيث قضى عدة أسابيع في الدير صائماً مُصلِّياً، حتى يوم الخميس الكبير (خميس العهد)، حيث كرَّس الميرون المقدس في ”اسكنا“ (أي هيكل) كنيسة القديس أنبا مقار. وسرد بعض الأساقفة الذين كانوا معه أنه لمَّا كرَّس إناء الميرون المقدس وهو في الكنيسة، فاض على يديه وعلى المذبح، حتى تعجَّب الحاضرون ومجَّدوا الله.
وصول رسالة ”السينوديقا من البطريرك الأنطاكي:“
وبعد حوالي 7 أشهر، وصل إلى مصر ”توما“ القس من طرف البطريرك الأنطاكي ”ديونيسيوس“ حاملاً معه رسالة ”السينوديقا“ إلى البابا الإسكندري الجديد، حيث قُرئت في كنائس القاهرة، وذُكِرَ اسم البطريرك الأنطاكي على هياكلها، ودُعِيَ له فيها في أوقات الصلوات والقدَّاسات، كما جرت العادة. وردَّ عليه البابا كيرلس برسالة ”سينوديقا“ أعلن فيها إيمانه الأرثوذكسي وتمسُّكه بتعاليم الآباء القديسين وإيمانهم المسيحي القويم.
? وكان أنبا كيرلس البطريرك يُقيم معظم أوقاته في حصن كنيسة الملاك ميخائيل بجزيرة الروضة بالقاهرة، وذلك بالرغم من أنه كان يشتهي أن تكون إقامته في إحدى بلاد الريف، وذلك لكثرة الرسل القادمين من بلاد الحبشة (إثيوبيا) والنوبة والعائدين إليها، وبسبب كثرة حاجة السلطان إلى حضوره عنده في أوقات كثيرة، حيث كان الخليفة يأنس إليه ويستشيره في أمورٍ كثيرة بسبب ورعه وزهده وصواب رأيه.
ملك النوبة يترهَّب سرّاً في أحد أديرة الصعيد:
كان سُلُمون (سليمان) ملك النوبة قد ترك المملكة وانعزل عنها، وأورثها لابن أخته جرجس (كان توريث المملكة في النوبة ليس للابن بل لابن الأُخت)، وانفرد هو للعبادة والنسك.
ففي السنة الثانية لبطريركية أنبا كيرلس، مضى ”سليمان“ إلى وادي على حدود أسوان والنوبة يُعرَف باسم ”وادي أبو نوفر“ (القديس أُنوفريوس)، ليتعبَّد هناك في كنيسة على اسم القديس. وكان بين هذه الكنيسة وبين أطراف وحدود النوبة مسيرة ثلاثة أيام، وبينها وبين أسوان مسيرة عشرة أيام.
وعَلِمَ والي أسوان ”أسعد الدولة“ بذلك، فأتاه أحد إخوة والي آخر اسمه ”كنز الدولة“ وقال له: ”يا مولاي، أتريد أن أمضي إلى الملك سليمان ملك النوبة، وآتي به إليك؟“ فوافق. فأخذ معه عشرين رجلاً وركبوا الجمال، وساروا مُتخفِّين حتى وصلوا إلى كنيسة ”وادي أبو نوفر“، ودخلوها بغتة، وأخذوا ”سليمان“ المذكور وأحضروه إلى ”أسعد الدولة“، ثم سافروا به إلى القاهرة. فلما وصل إليها تلقَّاه كل مَن فيها من الأمراء والمقدَّمين بالطبول والأبواق. ولما دخل إلى القاهرة، أكرمه أمير الجيوش ”بدر الدين الجمالي“ وأنزله في دار جميلة، وحمل بنفسه الكسوة والفرش والآنية إليه.
وأقام الملك ”سليمان“ هكذا لمدة سنة، ثم تنيَّح ودُفن في دير القديس مار جرجس بالخندق (من بينها أرض الأنبا رويس حالياً - وكانت منطقة ”الخندق“ هذه إيبارشية لها أسقف اسمه ”أنبا غبريال“).
البابا كيرلس الثاني يُرسل مطراناً جديداً لإثيوبيا:
وقسم الأب أنبا كيرلس مطراناً جديداً للحبشة (إثيوبيا) هو الأنبا ساويرس (ابن أخت المطران المتوفِّي)، وكان قد تربَّى مع خاله هنا. وكان هذا المطران الجديد يُرسل لبدر الدين الجمالي هدايا، ويجعل ملوك النوبة تطيعه. فلما وصل الأنبا ساويرس إلى بلاد إثيوبيا، قاومه ”قورييل“ الذي سبق أن البابا السابق ”خريستوذولوس“ قال لأمير الجيوش بدر الدين الجمالي إنه لم يقسمه أسقفاً وأنه مغتصب الكهنوت(1). ثم قُبض على ”قورييل“ وأُرسِلَ إلى مصر، حيث قبض عليه بدر الدين الجمالي وسجنه ثم أمر بقتله.
? ثم وصل إلى البابا كيرلس رسائل من ساويرس المطران، يُعلمه فيها أن بلاد إثيوبيا قد تمهَّدت وزال ما كان فيها من الفساد، وأن الملك ووزراءه وأهل مملكته وجميع رعيته كان لهم عدة نساء لكل واحد منهم، وأنه ظل يحاول مع الملك يردعه عن هذا، ويعظه، إلى أن أبعد عنه جميع نسائه، ولم يبقَ له سوى زوجة واحدة، ولكن مع واحدة أخرى هي أُم أولاده. وبالرغم من أنه اجتهد أن يُخلي سبيل الزوجة ويبقى مع أُم أولاده فقط، إلاَّ أنه لم يقدر. فأفسح له المطران في ذلك وتغافل عنه خوفاً من أن ينحرف نهائياً. وذكر المطران أنه جاهد مع أهل المملكة ومُقدَّمي دولته وسائر رعيته، فتركوا كلهم ما كانوا معتادين عليه. ثم سأل البابا أن يكتب رسالة إلى الملك وأهل مملكته ووزرائه ورجال دولته يعظهم فيها، ويُعلِّمهم أن هذا هو الصواب، ويمنعهم من التمسُّك بعادات عتيقة، ويذكر لهم التعاليم الروحانية من الأسفار المقدسة في العهدَيْن القديم والجديد. فأجاب البابا سؤاله، وكتب رسالة ضافية، أوضح لهم فيها كل هذا. وأرسلها مع رسل سافروا حاملين رسالته، وسلَّمها المطران لأصحابها، وكان لها نفع عظيم في تقويم أخلاق هذا الشعب العظيم. ?
(يتبع)