|
تدبير الروح القدس
|
|
|
مفهوم سر الاعتراف:
الراعي المسيحي يجب أن يجاهد كل حياته ليقود ويرشد رعيته وسط نفس الصراع الذي يواجهه هو، وذلك في المعركة ضد الخطية والشيطان. وبكلمات الوحي الإلهي، يجب أن نخضع تحت يد الله القوية ونقاوم إبليس فيهرب منا، وبهذا ينفتح أمامنا الطريق إلى السماء. «لذلك يقول: يُقاوم الله المستكبرين، وأما المتواضعون فيُعطيهم نعمة. فاخضعوا لله. قاوموا إبليس فيهرب منكم. اقتربوا إلى الله فيقترب إليكم. نقُّوا أيديكم أيها الخطاة، وطهِّروا قلوبكم يا ذوي الرأيَيْن. اكتئبوا ونُوحُوا وابكوا. ليتحوَّلْ ضحككم إلى نوح، وفرحكم إلى غمٍّ. اتضعوا قدَّام الرب فيرفعكم» (يع 4: 6-10).
أما أسلحة محاربتنا في هذه المعركة الكونية، والتي نحن كلنا مشاركون فيها، فهي أسلحة روحانية مُعطاة للكنيسة بقوة حضور ربنا يسوع المسيح مخلِّصنا داخل النفس. والراعي الأمين الذى يحاول أن يساعد رعيته في معركتهم هذه ضد الخطية والشيطان يجب أن يكون هو ورعيته قد ”لبسوا سلاح الله الكامل لكي يقدروا أن يثبتوا ضد مكايد إبليس، فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحية في السماويات“ (أف 6: 11-12).
وإنه لأمر حيوي أن يعرف الراعي طبيعة مرض النفس، فيُعلِّم رعيته ليعرفوا هذا المرض، وكيف يمنعونه أو يتفادونه، وما هي الأدوية التي يأخذونها ليُشفَوْا منه. الراعي، وهو طبيب ومُعالج الأمراض الروحية، يجب أن يعرف كيف يُشخِّص الخطية، بكل أشكالها المتنوعة ومظاهرها الخدَّاعة (وبهذا يهتم علم اللاهوت الرعوي، ويا ليت يكون هذا العلم موضوع دراسة للآباء الرعاة من الوجهة الروحية الأرثوذكسية، وليس من وجهة علوم النفس الحديثة).
أما اقتحام الراعي لمشكلة الخطية ومعالجته للنفوس، فيكون بأوجه متعددة. فهو ككاهن رُسم أصلاً ليُمارس ويُقيم الأسرار الكنسية؛ ولكنه من جانب آخر، لا يكتفي بأن يُعمِّد ويمسح بالميرون، بل كأب روحي لرعيته يسمع اعتراف التائبين ويطلب من الله لأجلهم الحِلَّ من خطاياهم (طقسنا القبطي الأرثوذكسي يجعل نوال المعترف الحلَّ والمغفرة من خطاياه آتياً من المسيح رأساً، وذلك بمقتضى الصلاة التي يُصلِّيها الكاهن ويطلب فيها المغفرة للتائبين ولنفسه أيضاً).
هذا السر الكنسي هو أولاً معركة ضد الخطية، وفيه ينال التائب الذى اعترف بخطاياه الحِلَّ من خطاياه من الرب يسوع المسيح نفسه. والتائب مُطالَب بأن يندم على خطاياه، طالباً الشفاء وتجديد الحياة بالإيمان في نعمة الروح القدس الممنوحة له في سرِّ الاعتراف، وبالرجاء في رحمة الله في الدهر الآتي. ومن التقاليد القديمة التي ضاعت منا أخيراً أن يستعدَّ التائب للتقدُّم لسر الاعتراف بالصوم وبالصلاة في مخدعه قبل توجُّهه إلى الأب الكاهن، وبفحص نفسه، وتحديد ماهية خطاياه التي سيعترف بها مُلقياً كل اللوم على نفسه - دون غيره(1) - في إحساس كامل بمسئوليته هو عن فعل خطاياه بمقتضى حرية إرادته الممنوحة له كإنسان مخلوق على صورة الله.
الاستعداد لممارسة سرِّ الاعتراف:
هذه هي الخطوط العريضة لعملية سرِّ الاعتراف. لكن تطبيقها والاستعداد لها يمكن أن يتم بطريقة خاصة من المعترف أو بطريقة عامة لمجموعة من المعترفين يجتمعون معاً في الكنيسة ويتلقون من أب الاعتراف إرشاده عن كيفية الاستعداد للاعتراف، ثم يتقدم كلٌّ منهم على حِدة ليعترف اعترافه السرِّي. وقد صدرت قديماً كتب قليلة لإرشاد المعترف إلى كيف يفحص نفسه ويحدد أنواع الخطايا التي يمكن لأي إنسان أن يرتكبها ضد نفسه أو مع غيره، وكلاهما ضد الله. وهذه الكتب نافعة، ولكن الأنفع أن تكون موضوع تعليم من الأب نفسه لأبنائه في الاعتراف لمعرفته بأحوال رعيته وظروفهم التي تتنوع من مكان إلى آخر.
ويجب على الكاهن أن لا يحسَّ في نفسه أبداً أنه قاضٍ، فليس زماننا الآن هو زمان الدينونة بل زمان التوبة والتجديد والقيام من السقطات. فلا مكان في طقس الكنيسة ولا في قوانينها وتقليدها في خدمة الكاهن ما يسمى بمقاطعة الخاطئ حتى يتوب أو حتى تثبت توبته، كما أنه لا مكان في طقس الكنيسة ولا في قوانينها وتقليدها للتشهير بالخاطئ ولا بخطيته أمام الآخرين بأية وسيلة ولا بالتلميح ولا حتى بدون ذكر اسمه، كما أنه محظور على الكاهن أن يُغيِّر من سلوكه تجاه الخاطئ الذى لم تكمل توبته بعد إلاَّ بالازدياد في محبته ورعايته والحنو عليه إلى أن يُكمِّل توبته. فالهدف هو أن نُقدِّم للتائب الشفاء والمصالحة مع الله، وليس بفرزه من الكنيسة وجعله غريباً عنها، بل بالعكس بزيادة التصاقه واقترابه من الله. وفي كل الأحوال، يجب أن يتذرَّع الكاهن بالاحتمال، فشفاء النفس لن يكون فجائياً ولا معجزياً، ولا في لحظة. فمعظم أمراض النفس تستدعي وقتاً طويلاً ومجهوداً شاقاً، وصلوات أكثر، وجهاداً أكثر مشقة من جانب الكاهن.
وكما شرحنا من قبل عن عدم جدوى اللجوء لأساليب علم النفس في مواجهة أمراض النفس، فعلى الراعي أن يتفادى التعبيرات الخاصة بالأطباء النفسانيين (مثل أن الخطية مجرد انفعالات أو هي تصرف غَصْباً عن الخاطئ... إلخ)، ولا حتى بالتعبيرات اللاهوتية الصعبة. فليحرص أب الاعتراف أن ينصت أولاً إلى الخاطئ، وأن يكون حسَّاساً جداً لحالته الروحية الخاصة. فكل شخص يأتي إلى الاعتراف هو شخصية فريدة في حالتها، ويجب أن يُخاطبه أب الاعتراف مخاطبة خاصة لشخصه.
وكلمات الوحي الإلهي في العهد القديم وفي العهد الجديد أكثر تأثيراً وفاعلية من كلماتنا الكثيرة وتحليلاتنا وفلسفتنا. الكلمات البسيطة والمباشرة أفضل بكثير من التعبيرات والتفسيرات والتحليلات الطويلة المملَّة.
إن سماع الاعتراف هو جزء بسيط من سر التوبة، بالرغم من أهميته، ويأتي بعده الإرشاد الروحي والرد على الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها المعترف، ثم التعليم، والصلاة مع المعترف (ليت يتمثَّل آباء الاعتراف بنموذج أبينا المتنيح القمص ميخائيل إبراهيم الذى كان يقف مراراً أثناء الاعتراف ليُصلِّي مع المعترف، فيجعل من جلسة الاعتراف حالة وجود في حضرة الله)، ثم التعزية ومشاركة الخاطئ في آلامه النفسية بسبب خطيته، وربما البكاء معه ومن أجله، وأحياناً إذا استدعى الأمر الاضطرار إلى التوبيخ والانتهار المشوب بالعطف والمحبة (ولكن ليحذر الكاهن من الغضب لأنه أداة مدمرة)(2)، كل هذا يفرض على أب الاعتراف أن يكون مستعداً له هو أيضاً قبل الشروع في تَلقِّي الاعتراف: بالصلاة والتأمل والخشوع بمخافة شديدة أمام الله، لأنه مُقدِمٌ على أخطر لحظة في المعركة الروحية ضد قُوَى الظلام (راجع الصلاة التي يصليها الكاهن قبل شروعه في أَخْذ الاعترافات في نهاية المقال).
وفي كل الأحوال، يجب على أب الاعتراف أن يُجهِد نفسه ليُظهِر حقيقة مركزه ككاهن يُمثِّل المسيح. إنه مُقام ليُعيد حضور المسيح الغافر، وليُظهِر شخص ربنا يسوع المسيح الراعي الصالح الذى يخرج ليُفتش عن الخروف الواحد الضال، والذي من أجله يترك التسعة والتسعين، الذين قد يتذمرون من ترك الراعي لهم بينما ينال الخاطئ والضال والبعيد الاهتمام الأوفر والاهتمام الأكثر؛ ولكن هذا هو عمل الكاهن صورة المسيح الذى أتى ”ليس ليدعو أبراراً، بل خطاة إلى التوبة“ (مت 9: 13؛ مر 2: 17؛ لو 5: 32).
البدء في الاعتراف:
وهناك الكثير الذي يمكن أن يعمله المرشد الروحي ما يثير الخاطئ الآتي للتوبة لكي يُقدِّم اعترافاً صحيحاً. فلابد من إعطاء التائب المعترف أكبر مساحة من الوقت ليتكلَّم. فقد يصمت المعترف، وقد يبكي، وقد يتلعثم أثناء الاعتراف؛ ولابد أن يساعده الأب بالأسئلة، ولكن دون أن يكون في هذا مقتحماً لضميره أو ضاغطاً عليه ليعترف، مما قد يضطره إلى افتعال اعتراف بخطايا لم يرتكبها هرباً من أسئلة الكاهن المُحرجة. كما يجب أن يتفادى الكاهن توجيه الأسئلة "الموجَّهة" حتى ولو كان الأب يعرف عن خطية لم يعترف بها المعترف.
فالاعتراف القسري والإجابات الاضطرارية ليست بمؤدية إلى توبة حقيقية وندم عميق من جانب التائب؛ بل على أب الاعتراف أن يُشجِّع التائب على الاعتراف اعترافاً كاملاً صحيحاً مع ملاحظة أن ذلك قد يستدعي عدة جلسات اعتراف، ربما يكون بعضها خارج نطاق جلسة الاعتراف الرسمية.
ومن أجمل وأقدس تقاليد الكنيسة القبطية والذي ما يزال سارياً، هو الحق الذى يناله المعترف في اختيار أب اعترافه والتأكُّد من كفاءته في الاعتراف والإرشاد، فإذا ما اختار، فلابد عليه من الطاعة له والمداومة على تنفيذ توجيهاته وإرشاداته. إن هذا التقليد قائم على أساس أن العلاقة بين المعترف وأب الاعتراف هي حساسة ودقيقة جداً. وهذه العلاقة يجب - بدورها - أن تقوم على الصلة والتواصُل الروحي المتبادلين بين الاثنين. ولابد أن تتحقق مصداقية اختيار المعترف لأب اعترافه، لأنه لا يمكن لأب الاعتراف أن يحظى بأقصى تأثير على تلميذه إلا بالثقة القلبية التي يُوليها المعترف لأبيه في الاعتراف.
صلاة الكاهن قبل استماعه الاعتراف(3):
[أيها الرحيم الرؤوف المتحنن، فاحص القلوب والكُلَى، الذي تعرف خفايا البشر وحدك، وليس شيء من أمور البشر غير ظاهر أمامك، بل عُراةً كلهم، ومذلولي الأعناق أمامك.
يا مَـن يعرف الأشياء الأخـرى التي لي، لا تمقتني ولا تصرف وجهك عني، بل لتهرب عني في هـذه الساعـة جميع سيئاتي.
يا مَن يغفر خطايا البشر ويُقبِِل بهم إلى التوبة، اغسل دنس نفسي وجسدي، وطهِّرني بالكمال، بقوتك غير المرئية ويمينك الروحية، لكي إذا ما قرأتُ لآخرين تحليلاً يطلبون مني أن أُعطيه لهم، الذي هو الإيمان الذي هيَّأَتـْه عِظَم محبتك للبشر التي لا يُنطَق بها، لا أكون أنا مُداناً كعبد الخطية.
كلا أيها السيِّد الذي بلا خطية وحده، الصالح وحده، المحب للبشر، الذي لا يُرجعنَّ المذلول خازياً؛ بل كُنْ لي غافراً، وارسِلْ قوتك من عُلُوِّك المقدس، وقوِّني لكي أعمل خدمة هذا السر العظيم السمائي. آمين]. ?