دير القديس العظيم أنبا مقار
الصفحة الرئيسية  مجلة مرقس الشهرية - محتويات العدد


 

«أين شوكتُكَ يا موتُ؟ أين غلبتُكِ يا هاوية»؟

«أمَّا شوكة الموت فهي الخطية، وقوة الخطية هي الناموس. ولكن شكراً لله الذي يُعطينا الغَلَبَة بربنا يسوع المسيح. إذاً يا إخوتي الأحباء، كونوا راسخين، غير متزعزعين، مُكثِرين في عمل الربِّ كلَّ حين، عالمين أن تعبكم ليس باطلاً في الرب»(1)

(رسالة كورنثوس الأولى 15: 55-58)

هنا بولس الرسول يتعمَّق في أصول الخطية وجزائها. فيُمثِّل الموت بأنه شوكة أصابت الجسد وأوردته إلى الموت. ويهتف بالهاوية التي تنحدر إليها الأرواح ويستفسر: «أين غلبتُكِ يا هاوية»؟ وبعدها يفسِّر الكلام، أما شوكة الجسد المميتة فهي الخطية. ويستعلن لنا من أين جاءت لنا الخطية بالموت، إذ يكشف هذه الحقيقة المستورة، أن أصل الخطية هو الناموس الذي كان مفروضاً على الناس، إذ يقول مثلاً أن مَن «جدَّف على اسم الرب فإنه يُقتَل» (لا 24: 16) قتلاً، ومن يحلف بالله زوراً يُقتل قتلاً, ومن يسبُّ أباه أو أمه يُقتل قتلاً (انظر مت 15: 4). وأعطى الناموس عقاب كل خطية ممنوعة، فأصبح الناموس هو أصل ظهور الخطية. وكانت الخطية عموماً في الناموس جزاؤها هو الموت. وهكذا اعتبر بولس الرسول أن قوة الخطية التي أوجدتها كانت الناموس.

وأخيراً جاء يسوع المسيح مرسَلاً من الآب ليفكَّ هذا الاشتباك المحزن، اشتباك الخطية والموت. في العهد القديم كان سَفْك دم الذبيحة، مِعْزة كانت أو خروفاً أو ثوراً، فإن الدم يكفِّر عن الخاطئ وينقذه من الرجم والموت. وكان هذا تمهيداً بديعاً من العهد القديم أنه «بدون سفك دم لا تحصل مغفرة» (عب 9: 22). ولما دخل المسيح إلى العالم قال: «ذبيحةً وقرباناً لم تُرِد، ولكن هيَّأتَ لي جسداً» (عب 10: 5). ومعنى الآية أن سفك دم الذبيحة في العهد القديم أصبح لا يُسِرُّ قلب الله، فتقدَّم ابن الله وقَبـِلَ أن يكون هو ذبيحة عن كل خطايا العالم، إذ قدَّم جسده المقدس على الصليب، فذبحوه بدقِّ المسامير في جسده وضرب الحربة في جنبه. وهكذا أكمل المسيح ذبيحة الخطية عن الإنسان كله. وهكذا يشكر بولس الرسول هنا، أن الإنسان نال الغَلَبَة على الخطية والموت بعمل يسوع المسيح على الصليب.

وهنا يتلفَّت بولس الرسول إلى المؤمنين بالرب يسوع، أن يثبتوا في الإيمان بيسوع المسيح، غير مزعزَعين بسبب الاضطهادات ومقاومة العدو ومشاكسة العالم. ومقابل اضطهاد العالم، يزداد المؤمنون في الشهادة للمسيح وخدمة الإنجيل لكل الأحياء الفقيرة، وافتقاد الفقراء والضعفاء، والمرضى والأيتام والأرامل، وإمدادهم بكل أنـواع الخدمات الواجبة لحياتهم مـن أكل وملابس وأدوية وعلاج.

ويؤكِّد بولس لكل خدَّام الكلمة والمفتَقِدين أن تعبهم ليس باطلاً، لأنه تعب محسوب أنه مقدَّمٌ لإخوة الرب الذين يمثِّلهم المسيح بنفسه. وبولس الرسول يُوصِي أن تكون الخدمة مستمرة باستمرار الحياة والفقر، وحاجة الأجساد الضعيفة من ملابس ودواء وعلاج.

ولا يغيب عن فكر القارئ أن بولس الرسول كشف سرَّ عمل الخطية في حياة الناس. كما كشف عن سرِّ الموت المحزن وانفتاح فم الهاوية لابتلاع كل الأرواح دون فرز الغني من الفقير، والبطل الجسدي من الطفل الواهن الجسد، فهي تبلع بلا تمييز. ولكن كان مجيء المسيح وفداء البشرية كلها، أن صار الموت إلى هزيمة وأُبطِلَت الخطية وكل قوَّتها: «ابتُلِعَ الموت إلى غلبة» (1كو 15: 54)؛ وتحوَّل الموت إلى قيامة، وانفتاح ملكوت الله للمختارين عِوَض الهاوية التي انسدَّ فاها وأصبحت لا تخيف الإنسان.

وهكذا مسك بولس الرسول بالخطية والموت، وأضعف صورتهما عند الإنسان. وعِوَض الخطية والموت، قدَّم لنا الغلبة بربنا يسوع المسيح، فانتهت مخاوف الإنسان وتبدَّلت إلى رجاءٍ حيٍّ بحياة دائمة وأبدية، عِوَض حياة الجسد التي تقاس بالسنين والأشبار.

ففي الحقيقة قد أنار بولس الرسول ذهننا من جهة أصول الخطية وتفاهتها، وقوة الموت المغلوب بالقيامة المجيدة، والتمتُّع بحياة أخرى فيها المسيح نفسه جالساً على عرشه، ومن حوله رسله القديسون الأطهار جالسين على كراسيهم، يقدِّمون المجد والكرامة والعزة والسجود.

(26 أكتوبر 2005)

الأب متى المسكين

(1) عن الجزء الثالث من كتاب: ”مع المسيح“.