|
|
|
+ عناصر المقالات السابقة: + كيف دخلت الخطية والشر إلى العالم؟ + موقف الله من الخطية والشر: - بين الناموس والنعمة. + موقف المؤمن مـن الخطية والشر: - المؤمن ودعوة الخلاص؛ - موت عن الخطية؛ - حياة بالروح؛ - موقف المؤمن من إبليس؛ - المؤمن وشِبْه الشر؛ - سِمَات الحياة بالروح. + الكل خطاة، ما الفرق إذاً
بين المؤمن وغير المؤمن؟
ثم نأتي إلى هـذا السؤال الذي يُحيِّر الكثيرين: كيف أنـه بعد تجسُّد الرب وآلامه وموته وقيامته مـن أجـل خلاص الإنسان مـن الخطية وتبعاتها، لا يستطيع المؤمن المسيحي أن يقول إني لا أُخطئ؟ والقديس بولس رسول الأُمم العظيم يرى نفسه أول الخطاة (1تي 1: 5)؛ بل إنَّ مُعلِّمنا يوحنا يكتب: «إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا... إِنْ قُلْنَا: إِنَّنَا لَمْ نُخْطِئْ نَجْعَلْهُ كَاذِباً، وَكَلِمَتُهُ لَيْسَتْ فِينَا» (1يو 1: 10،8). فإذا كان الكلُّ يُخطئون، فما الذي غيَّره الخلاص في طبيعتنا، وما الفارق إذاً بين المؤمن وغير المؤمن؟
الفارق هو أنَّ الولادة الجديدة تجعل قداسة الجسد والنفس والـروح والضمـير هي الأمـر الطبيعي، والخطية هي الدخيلة الغريبة والاستثنائية. والمؤمـن مـن جانبـه يـرفضها ويُقاومها، وحتى إن ارتكبها بالضعف أو السهو أو بتجربة الشرير الطارئة، فهـو لن يسمح لها أن تستقرَّ لأن الروح القدس يكشفها له ويُبكِّته عليها، ومِن ثمَّ يُسرع بالتخلُّص منها واثقاً أنَّ «... دَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ... إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ» (1يو 1: 9،7). على الجانب الآخر، فغير المؤمن يُمارِس الخطية بالطبيعة دون حرج أو تحفُّظ أو خجل، ويقول عنه الكتاب: إنه «الشَّارِبُ الإِثْمَ كَالْمَاءِ» (أي 15: 16)، «الَّذِينَ إِلهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِـزْيِهِمِ، الَّذِيـنَ يَفْتَكِرُونَ فِي الأَرْضِيَّاتِ» (في 3: 16).
فعمل المسيح الخلاصي لم يتوقَّف. وهـو جَلَس عـن يمـين الآب بجراحـات الصليب في جسمه المُمجَّد، صائراً رئيس كهنة فريداً: «لَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُولٍ، بَـلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَـرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا» (عب 9: 12). من هنا «إِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ فَلَنَا شَفِيعٌ عِنْدَ الآبِ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضاً» (1يو 2: 2،1).
ويحضرنا في هذا المجال ما قاله الرب لتلاميذه وهو عالمٌ أنَّ ساعته قد جاءت، وكانت ليلة الصليب، وقـد انتهى الرب مـن عشاء الفصح، ورَسَمَ سرَّ الشكر؛ إذ بعدها خَلَعَ ثيابه وأَخَذَ منشفة وجلس على الأرض وابتدأ يغسل أرجُل تلاميذه. فلما جـاء إلى بطرس، تمنَّع وهَاله أن يغسل الرب رجليه. فلما قال لـه الـرب: «إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَـكَ مَعِي نَصِيبٌ». فقـال بطـرس: «يَـا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضاً يَدَيَّ وَرَأْسِي»، فـردَّ عليه الـرب: «الَّذِي قَـدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَـةٌ إِلاَّ إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ، بَلْ هُـوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ. وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ» (يو 13: 1-10).
فهنا أحـد عشر تلميذاً (طاهرون) في جانب، وواحد فقط على الجانب الآخر (غير طاهر). أي أنَّ المؤمن الذي اغتسل (أي آمن وتاب واعتمد) هو طاهرٌ وقد انتقل مـن الموت إلى الحياة، وصار ابناً لله، والخطية بالنسبة له هي كالتلوُّث بغُبار الطريق وهو يسير في هـذا العالم، وليس له حاجة «إِلاَّ إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ»، أي التوبة للتخلُّص مِمَّا عَلَق به. ودم يسوع المسيح الشفيع (الكفَّاري) الدائم يُطهِّر من كل خطية ويكفل الغفران إلى النهاية.
فالمؤمن عندما يُخطئ لا يفقد بنوَّته لله لأنها لم تكن مؤقَّتة. والابـن الضال بعد أن خرج من بيت أبيه وأَخَذَ نصيبه مـن المال، ظلَّ ابناً لأبيه المُحب الذي ظلَّ ينتظر عودته. وهكـذا لمَّا رآه قادماً مـن بعيد، رَكَضَ إليه ووقـع على عنقه وقبَّله، وأعلـن الفرح بعودة ابنه الذي كـان ضالاً فُوجِدَ (لو 15: 11-32). فالذين تحت مظلَّة النعمة، لا يمكـن أن تسودهم الخطية (رو 6: 14).
فـالفارق بـين المؤمـن وغير المؤمـن عندما يُخطئان، هـو كالفارق بين مَـن قـاتَل وانفلت بعد جرحه، ومَن استسلم من البداية وتمَّ أَسْره؛ أو بين مَن تعثَّر داخل السفينة (المجال الإلهي) ثم نهض واقفاً صامداً ولسان حاله يقول: «لاَ تَشْمَتِي بِي يَا عَدُوَّتِي، إِذَا سَقَطْتُ أَقُومُ» (ميخا 7: 8)، ومَن سقط من السفينة وابتلعه اليَمُّ (العالم الشرير)؛ أو بين مَن أصابه مرض عابـر علاجـه مضمون ومُتاح، وصاحب المرض المُزمـن الذي يصعب شفاؤه؛ أو بين الثوب الجديد الذي لوَّثته بقعـة يُزيلها التنظيف، والثـوب المُهترئ الذي لا يمكن رَتْقه ولا حَلَّ هناك غير استبداله.
+ معنى أن المؤمن لا يُخطئ:
«كُلُّ مَـنْ يَثْبُتُ فِيهِ لاَ يُخْطِئُ... كُلُّ مَنْ هُوَ مَوْلُودٌ مِـنَ اللهِ لاَ يَفْعَلُ خَطِيَّةً، لأَنَّ زَرْعَهُ يَثْبُتُ فِيهِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخْطِئَ لأَنَّـهُ مَوْلُودٌ مِـنَ اللهِ... نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ لاَ يُخْطِئُ، بَلِ الْمَوْلُودُ مِنَ اللهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ» (1يو 3: 9،6؛ 5: 18).
على ضوء ما سبق ذِكْره، فالقصد من الآيات السابقة أنَّ المؤمن، لأنه وُلِدَ مـن الله، لا يسعى للخطية ولا يُبادر بها إلاَّ استثناءً، ولا يستمر فيها راضياً كنهج غير المؤمنين. وكـل تصرُّفاته تَشي بنفوره من الشر والأشرار (1كو 15: 33)، ومَيْله إرادياً ومُمارسته لحياة القداسة والسماويَّات، وتطلُّعه للحياة الأبدية. فهـو ساهرٌ متأهِّبٌ دوماً كالعذارى الحكيمات، مُدقِّقٌ يحفظ الوصية، ناكرٌ لذاته، عضوٌ حي في الكنيسة، لا يستكبر بـل خائف الله مُلتصقٌ به، وهو مُحبٌّ كسيِّده، يُعطي ويخدم غيره إلى حدِّ غَسْل الأرجـل، ويغفـر بغير حـدٍّ، يتغذَّى روحيّاً بالصلاة والصـوم والكلمة والتوبـة والتناول، وبها يتسلَّح ضد الخطية ومكائد إبليس.
ولأن المؤمنين يتفاوتون في مستوى إيمانهم بين مَـن هم أغنياء فيه (يع 2: 5)، ومَـن هم ضعاف وقليلو الإيمان؛ فمنهم مَن يطلب الشرير والعالم (1يو 2: 4؛ 5: 4)؛ ومنهم مَن يبدأ ضعيفاً، ولكن بمعونة النعمة ومعرفة الله وكلمته ينمو إيمانـه ليصير تُرساً (أف 6: 16) أو دِرْعاً يحميه مـن هجمات العدو، ويَهَبه أن يرى مجد الله (يو 11: 40).
كما يمكن القول إنَّ الإنسان الجديد الذي صار لنا بالميلاد الثاني (2كو 5: 17)، أو الإنسان الباطن (رو 7: 22؛ أف 3: 17)، أو الخليقـة الجديـدة (2كـو 5: 17) حيث يسكن المسيح فينا (غـل 2: 20؛ أف 3: 18)؛ لا يُخطـئ ولا يستطيـع أن يُخطئ. أمَّا الذي يُخطئ فهـو الإنسان العتيق (أف 4: 22؛ كو 3: 9) الذي يذبل مع كلِّ يوم. وكما يقول القديس بولس: «فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَـانِ الْبَاطِـنِ. وَلكِنِّي أَرَى نَامُوساً آخَـرَ فِي أَعْضَائِي يُحَـارِبُ نَامُـوسَ ذِهْنِـي وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ الْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي... إِذاً أَنَا نَفْسِي بِذِهْنِي أَخْدِمُ نَامُوسَ اللهِ، وَلكِـنْ بِالْجَسَدِ نَامُوسَ الْخَطِيَّةِ» (رو 7: 22-25).
وكلمة المسيح وروحه تُسانـد المؤمن وتحفظه من الضعف والسقوط، وتحميه أمام هجمات العدو، فتطيش سهامه ولا تمسُّ المؤمـن، بل تُعطيه قوَّة ومناعة وخبرة في التعامُل مع المعارك الآتية: «لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ، أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ» (أف 3: 16).
+ خطية للموت، وخطية ليست للموت:
يكتب القديس يوحنا في رسالته الأولى: «إِنْ رَأَى أَحَدٌ أَخَاهُ يُخْطِئُ خَطِيَّةً لَيْسَتْ لِلْمَوْتِ، يَطْلُبُ (مـن أجله)، فَيُعْطِيَهُ حَيَاةً... تُوجَدُ خَطِيَّةٌ لِلْمَوْتِ. لَيْسَ لأَجْلِ هذِهِ أَقُولُ أَنَّ يُطْلَبَ. كُلُّ إِثْمٍ هُوَ خَطِيَّةٌ، وَتُوجَدُ خَطِيَّةٌ لَيْسَتْ لِلْمَوْتِ» (1يـو 5: 17،16). والخطية التي ليست للموت، هي خطية المؤمـن بالضعف أو التجربة. وهذه بالتوبة ينال صاحبها الغفران، وهو ما كفله دم المسيح بفدائه. وفي العهد القديم كانت تُغفَر خطية السهو وحدهـا بعد تقديم اعتراف وذبيحة (عـد 15: 28،27). أمَّا الخطية التي للمـوت، فهي خطية الخاطئ المُتعمِّـد دون تراجُع عنها بالتوبة، وبغير شعور بالندم أو التبكيت إذ فارقه الروح القدس. وكـل خطايـاه بالتالي هي تُضيف إلى رصيد الموت الأبـدي الذي ينتظـره. والرسول (يوحنا) مِـن ثـمَّ يُعلِّم أن لا يُطلَب مـن أجل هذا الخاطئ وغُفرانه ويُترك الحُكْم لله. وخطية العَمْد لم تكـن تُغفَـر في العهد القديم بأيِّ حـالٍ، فعقوبتها الموت (خر 21: 12؛ عد 35: 31،30).
وقـد أشار الرب إلى الخطية التي لا تُغفَر عندما تقـوَّل عليه الكَتَبَة والفرِّيسيون إنـه ”ببعلزبول رئيس الشياطين يُخرج الشياطين“ (مـت 12: 24؛ مر 3: 22؛ لو 11: 15)، لأنهم بهـذا يُنكرون لاهوتـه وبراءتـه مـن الخطية، ويتهمونـه بشركـة إبليس المُستحيلة؛ فقـال لهم: «كُـلُّ خَطِيَّةٍ وَتَجْدِيفٍ يُغْفَـرُ لِلنَّاسِ. وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ابْـنِ الإِنْسَانِ (باعتباره واحداً مـن البشر) يُغْفَرُ لَهُ» (مـت 12: 32،31) [فاقرباؤه قالوا عنه إنه مُختل (مر 3: 21)؛ وأكثر من ذلك اسْتُهزئ به ولُطم وتُفل عليه وصُلِب، ولكنه طلب الغفران لصالبيه (لـو 23: 34)]. أمَّـا الطعـن في لاهوته، ونَسب عمل الروح القدس إلى الشياطين، فهو ما لا يمكن التسامُح فيه ولا يُغفَر لمُرتكب هذه الخطية (مت 12: 32،31؛ مر 3: 29،28).
«فَإِنَّهُ إِنْ أَخْطَأْنَا بِاخْتِيَارِنَا بَعْدَ مَا أَخَذْنَا مَعْرِفَةَ الْحَقِّ، لاَ تَبْقَى بَعْـدُ ذَبِيحَةٌ عَـنِ الْخَطَايَا، بَلْ قُبُولُ دَيْنُونَـةٍ مُخِيفٌ، وَغَيْرَةُ نَـارٍ عَتِيدَةٍ أَن تَأْكُـلَ الْمُضَادِّينَ... فَكَمْ عِقَاباً أَشَـرَّ تَظُنُّونَ أَنَّـهُ يُحْسَبُ مُسْتَحِقًّا مَنْ دَاسَ ابْنَ اللهِ، وَحَسِبَ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِساً، وَازْدَرَى بِرُوحِ النِّعْمَةِ؟ (يقصد الذين ارتدُّوا عـن الإيمان وعادوا إلى اليهوديـة)» (عب 10: 26-29). فمَن يرفض ابـن الله ويحتقر عمل دمه، يُفارقه الروح القدس روح التوبة فيفقد الشعور بالندم والدافع إلى التوبة؛ ومِن ثمَّ يبقى في خطيته دون غفران ونهايته الموت الأبدي. وخطية التجديف لا تقع فجأةً، بل يسبقها تباعُد الشخص التدريجي عن حياة القداسـة والجهاد وانجذاب إلى الخطيـة رغم إلحاح صوت الروح الذي أحزنه (أف 4: 30). فإن ظلَّ على تجاهُله للدعوة للرجوع، يأتي وقت ينطفئ فيه الروح (1تي 5: 9)، ويتخبَّط في الظلام كموقفٍ ثابت إلى النهاية.
+ هل نعمة الغفران للتائب
تجعل فعل الخطية سهلاً؟
يُثير البعض احتمال أنَّ الوعد الإلهي بغفران خطيـة التائب مهما عظمت وتكـرَّرت (إش 1: 18؛ 1يو 1: 7-2: 27)، قـد يقود المؤمن إلى التكاسُل وعـدم الجهاد واستسهال فعـل الخطية والتخفيف من وقعها، طالما أن غفرانها قـد كفله دم المسيح. وإنه إذا كان ردُّ المسيح على بطرس الذي سأله: «كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَاتٍ؟»، بالقول: «لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ» (مت 18: 22،21)، فكم بالأَوْلَى اتِّساع قلب الله بالغفران للخاطئ التائب؟
ونقـول إنَّ المؤمن الحقيقي الذي يُـدرك تماماً الفارق بين ما كان عليه وما صار إليه عندما افتقدته نعمة الله وأنقذته من الهلاك عندما آمن بعمل المسيح من أجله؛ هو يُوقِّر دم الفادي المُخلِّص، ويشكر الله على نعمة الغفران، مِمَّا يجعله يتمسَّك بالحياة مع الله الممتلئة بالسلام والنصرة، ويكره الخطية التي سبَّبت تعاسته طويلاً. فأن يُخطئ المؤمن بعد هذا لأنه واثقٌ مـن حصوله على غفرانٍ يعرف الطريق إليه، فهذا سلوك المـؤمنين الاسميين، والمُستهترين الانتهازيين الذين فقدوا روح التوبـة، والمُزدريـن لروح النعمة (عب 10: 29).
في رسالته إلى روميـة، كَتَبَ معلِّمنا القديس بولس مُتسائـلاً: «فَمَاذَا نَقُولُ؟ أَنَبْقَى فِي الْخَطِيَّةِ لِكَيْ تَكْثُرَ النِّعْمَةُ؟»، ويُجيب: «حَاشَا! نَحْنُ الَّذِينَ مُتْنَا عَـنِ الْخَطِيَّةِ، كَيْفَ نَعِيشُ بَعْدُ فِيهَا؟» (رو 6: 2،1). فالمؤمـن الحقيقي مُبتهجٌ بالحرية التي نالها بالمسيح، ولن يسمح أن تصير فرصةً للجسد (غـل 5: 13) أو سُترةً للشـرِّ (1بط 2: 16)، ليرتبك بنِير العبودية من جديد (غل 5: 1).
فرغم وعود الله المُحب بطيء الغضب بأن لا يعود يذكر خطايا التائب (يؤ 2: 12-14)، فهذا لا يجعل فعل الخطية سهلاً. فتكرار الخطية ثم التوبة عنها ثم العودة إليها من جديد، يُلوِّث الحياة، وشيئاً فشيئاً تتعسَّر التوبـة. وهـو يؤدِّي إلى انقسام القلب وتشتُّت الذهن، ويُعكِّر صفو الحياة، ويجعل الخطية حاضرة منطلقة تقتحم الفكر حتى في أقدس الأوقات. وهـذا ما لا يمكن أن يُقدِم عليه مؤمن حقيقي اختبر الحياة الجديدة مع الله. (يتبع)
دكتور جميل نجيب سليمان