سِيَر تعليمية
خَبَر الشاب إشعياء وتعليمه
للقس بطرس السدمنتي
- 2 -

+ القس بطرس السدمنتي من آباء القرن الثالث عشر الميلادي، وهو من كبار علماء اللاهوت القليلين في ذلك العصر. وقد نشرنا الجزء الأول من ”خَبَر الشاب إشعياء وتعليمه“ في عدد فبراير 2012 – ص 32، نقلاً عن المخطوطة س 21 (ورقة 85 وجه إلى 110 وجه) بمكتبة دير القديس أنبا مقار، وهي عن خبر شاب يُدعَى إشعياء كان قد ترهَّب، وقد بلغ مبلغاً عظيماً في الزُّهد والرحمة على المساكين. وقد حاوره أحد تلاميذه في عدة موضوعات، ومن ضمنها موضوع ”الرحمة“ و”الصلاة“. وفي هذا الجزء يسأل التلميذ مُعلِّمه عن الجمع بين أعمال الرحمة والصلاة، وعن موضوعات أخرى هامة.
قال التلميذ: أفما يجوز الجمع بين الأمرين (الصلاة والرحمة) معاً؟

قال المعلم: يجوز إلاَّ على الحال الأفضل من القِسمين. فإن المتخلِّي (الزاهد) والمُصلِّي بالروح على أفضل الأقسام يكون ذاهلاً عن مصالح بدنه مستغرقاً في المناجاة مع الله، وبهذا يعدم الالتفات إلى المخلوق والنظر في مصالحه.

قال التلميذ: يا أبي قد أخبرتني وعرفتني هذه الأمور، فما النافع بي ولي من الأقسام كلها؟

قال المعلم: يا بُنيَّ ابْكِ على خطاياك وتنصَّل من الذنوب بالإقلاع والاستغفار، واسأل الله الرحمة والمسامحة والعون والعصمة فيما بَقِيَ من العمر، وتصوَّر الفراغ في كل يوم، وتوقَّع ورود الصوت إليك كل ساعة. وليكن المنبر الرهيب نصب عينيك أبداً. وإذا عملت برّاً فاحفظه، وإن كان قليلاً فلا تستحقره. وتصوَّر النقص لكي تلحق بالكاملين. وإن لم يكن لك عمل البتة، فتلفَّظ بصوت العشَّار قدام الله: ”اللهم اغفر لي فإني خاطئ“، واقرع صدرك براحة يدك (لو 18: 13).

وإن أردتَ الرحمة على المساكين والصلاة عليهم والدعاء لهم والتوجُّع لحالهم، فلا تَدَع يوماً يمضي عنك إلى أن ينقضي معه ذنوبه. وأن تُعِدَّ نفسك كل يوم كمَن ابتدأ، وتناسَى ما مضى لتبتدئ بنشاط. واغْصِب النفس على عمل الخير، فإنَّ الخير كله اغتصاب. ولا تطلب شيئاً في غير وقته. وإن أردتَ أن تلتذَّ فيما يتولد من الأعمال الصالحة، فلا تطلب راحة البدن في زمان الجهاد وبليغ العمل، فتخيب من الأمل.

واطلب كلَّ شيء بمثله: الرحمة بالرحمة، والعفاف بالتعفُّف، والمغفرة بالمغفرة، والحلم بالحلم، والرضا بالرضا، وقبول العذر بمثله، وإجابة السؤال بإغاثة السائل. ولا تطمع في أن يُكال لك بخلاف ما كِلْتَ (مت 7: 2). ولا تترجَّى أن تنال من غير ما قدَّمتَ. ولهذا قال الكتاب الإلهي: ”إن الرحمة تحل على الرحماء“ (يع 2: 13)، ”ومَن زرع شيئاً إيَّاه يحصد“ (2كو 9: 6). وقال أيضاً: ”ها الإنسان وعمله“ (رؤ 22: 12). واعلم أن الرجاء لا يتعلَّق بترك ما نُهِيتَ عنه فقط، بل وتعمل ما أُمِرتَ به. ويكفيك في هذا المثل الذي (...)(1) كذلك العبد الكسلان الذي لم يأتِ من الخطأ إلاَّ تَرْك عمل الخير فقط، وقد عُوقب عقاب المجرمين (لو 19: 12-27).

فلهذا، يا ابني، استعدَّ دائماً لفعل الخير وَجِدَّ في طلبك، ولا ترذل شيئاً من غير تجربة، ولا تمدح ما لم تنتفع به مراراً، فالنادر لا حُكْم له. ولا تكتفي بتجربة نفسك لنفسك، فرأي الواحد غير مَصِيْب في الأكثر، لا سيما وخداع النفس مشهور.

لا تشغل خاطرك فيما لم يأتِ زمانه، فربما لن تصل إليه وتعدم الحاضر إتمامه. أَحْسِن إلى كل أحد بالقدر اللائق بك النافع به من جهتك. لا تثق بنفسك ولا تايس (تيأس) منها إلى الممات، فإنَّ الخروج عن الرذيلة والعودة إليها كلاهما ممكن. قَرِّر عملك بقدر قوَّتك، فإنَّ الزائد عن القدر مُنقص للعمل. واعلم أنَّ الفضيلة قد تستحيل (أي تتحوَّل) فتصير رذيلة بطُرُق شتَّى. فلا تَغْتَرَّ بحُسْن الحال، واحذر التفريط الإفراط (المُفرط) أكثر.

لا تعجب بعملك فيختلسه العدو منك. إن أردتَ برّاً بغير عمل فاعترف بالنقص، وذلِّل نفسك قدَّام الله، واسأل العفو منه. وإن كان لك عمل، فاحفظه مِن شُكر الفرِّيسي (لو 18: 11). تكتَّم في الخير بحسب الطاقة، فإنَّ مَن تظاهر ببرِّه فقد تطرَّق إلى إفساده. لا تمتنع من خير تعمله مع القدرة عليه وإلا سُلبت العطية (لو 19: 24).

لا تطوِّب الآراء الفردية ولو كنتَ قد جرَّبتها وانتفعتَ بها، بل اهْجُ (الهج؟) بما هو أنفع بالأكثرين. لا تجمع بين ترك الفضيلة وذمها. وحيثما جلستَ فأعدَّ (احسب) نفسك مسكيناً وغريباً فتستريح عند الإطراح بك (مت 25: 30). وافعل ذلك لوجه الله تعالى ليوجِّه العناية بك. وإن تأخَّرَت عناية الله في أَمْر من الأمور فلا تقنط (تيأس)، فربما كان تأخرها عنك عناية بك. واعْتَبِر بالرسول بولس الذي كان انتفاعه بالبلية أكثر من رفعها عنه (2كو 12: 9).

اقْتَنِ الهذيذ مع الله وخاطبه بالقلب، واسجد له بالروح، واعمل عمل الملائكة والناس جميعاً: تارة تُرتِّل، وتارة تستغفر، وتارة تستدعي العون. وإن غلب عليك الملل ولم تتمكن من امتداد الخاطر نحو الأفضل، فاستعمل تلاوة اللسان أو قراءة الكتب المعروفة بالبراديسوس (”الفردوس“، والمقصود كتاب: ”فردوس الآباء“ أو ”بستان الرهبان“) مع سِيَر الآباء المجاهدين. وإن لم يُفِدْك ذلك وإلاَّ فاسْتَعِِن بمجاورة إنسانٍ عَمَّال (مُجاهد)، وإذا وجدته فاغتنمه وخُذْ منه الكفاية وعُدْ إلى مكانك ومستقرَّك، لئلا تشغله بالحديث عن كمال عمله.

واسْتَدْعِ الخاطر مع الله دائماً بالتردُّد في الابتهال دائماً. وإن تعذَّر عليك عمل الباطن بالقِسم الأفضل، فلا تكُفَّ عن الظاهر. واعلم أنك إن لم تشغل النفس فيما لله، وإلاَّ أَشْغَلها الشيطان فيما له. لأن النفس بالطبع عمَّالة متحركة على الدوام، وحركتها طبيعية تُشبه حركة الأفلاك غير المنقطعة. وقد شُبِّهت أيضاً حركة النفس بحركة طاحون الماء، فإن لم تسبق وتلقي فيها قمحاً، وإلاَّ ألقى فيها إبليس العدو زواناً. وإذا خالفك الكل أو ذمَّك الكل فيما جرَّبته مراراً ووجدته نافعاً بك، فلا تهمل ذلك ولا تَعْدِل عنه البتة، فليس جُناح (لوم) على مَن تمذهب في العبادة بمذهب خاص في الله.

احذر الناس وخداع نفسك أكثر. تندَّم على الذنب ولا تُؤخِّر الإقلاع أكثر. أَبْغِض الرذيلة والسبب أكثر، توقاً (اتِّقاءً لـ) حصول سببه. وإن مارستَ أسباب الخطأ وسلمتَ منه، فليس ذلك لطبيعة الإنسان، بل للعناية الإلهية.

لا تطلب أن تُجرِّب الأشياء كلها بنفسك، ولا تكثر مما ليس هو مطلوب لذاته، ولا تقصر عما يجب، بل توسَّط فيما لا يفرطن لذاته (أي اتَّخِذ الأمور الوسط) فيما بين طرفي الإفراط والتفريط.

وإن سألتَ شيئاً ولم تَنَلْه فلا تحزن، فربما كان عدمه أنفع من وجوده. ثم جانِب (أي تجنَّب) المتهاونين في خلاص نفوسهم وجانِب مرتكبي الذنوب أكثر، لا سيما المصممين منهم. لا تعظ مَن لم توبِّخه نيته على زلاته، ولا تعاشر مَن تعوَّد إحالة الذنب على الغير. لا توبِّخ عدواً ولا تُصاحب مهذاراً. لا تنتقم بفكرك من أحد، ولا تلفظ بما يترتب به الذنب عليك. اصطحب بالصالح وبالباكي على خطاياه.

أَكْثِر مما امتحنته مراراً فوجدته نافعاً بك وتمسَّك به بالأكثر. وإن أردتَ أن لا تكون محزوناً فكأنك أردتَ أن لا تكون موجوداً.

لا تروم أن تجرِّب الأشياء كلها بنفسك، فليس في العمر كفاية لتجربة الأمور كلها. إن أردتَ أن تصطحب بمَن لا ذنب له ولا نقص فيه فلن تجده. إذا كان الوثوق بالدنيا خداعاً، فالوثوق بما هو أسرع زوالاً منها أكثر خداعاً. خُذْ الخير من حيث وُجِدَ، واتَّعظ بمَن تلفَّظ بخير.

لا تسترسل مع الفكر بلا تمييز لئلا يكون المُحرِّك له الشيطان، فإنَّ عادته جرت أن يستر (أي يستتر) بما يعلم أنه جيد المبدأ رديء العاقبة، لعلمه بأنَّ الناس كلهم لا يتساهلون في قبول المبادئ الرديئة، ولهذا يُقدِّم أمام الناس مُقدِّمات حسنة في الظاهر، من ضرورتها أن تُنتج رديئاً في العواقب. ولعلم الرسول بتفنُّن قتاله (أي قتال الشيطان)، أمرنا أن نقاتله بسلاح اليمين والشمال (2كو 6: 7).

ولا يضربنا الشيطان إلاَّ بما يأتيه علينا من الجهة اليمينية، لأن الرذيلة إذا تسترت بلباس الفضيلة جذبت بها النفس وخدعتها بالأكثر، ولهذا قال بولس الرسول: ”كونوا حذرين لئلا يخدعكم الشيطان كما خدعـت الحية حـواء بمكرها“ (2كو 11: 3).

يا ابني احذر أن تُعاود (الخطيئة)، وإن عاودتَ، فاحذر أن ينقطع رجاؤك. فقد علمت أنَّ قطع الرجاء (هو) داء لا شفاء له. وعلمت أيضاً أنَّ كل الخطايا تُغفر مع وجود التوبة، ولكن كل خطية لها توبة مخصوصة، وعقاب المعاودة إلى الخطأ يكون مُضاعفاً. ليس يكفي في استغفار الذنب المعاودة لأن شروط التوبة كثيرة: أولها الإقلاع عن الذنب، ثم الندم عليه، ثم الاستغفار بسببه، ثم مقابلته بفعل الجميل مقابله، الضدُّ بالضدِّ، لأن داود النبي لم يَقُل: ”أبعد عن الشر“ فحسب، بل قال: ”وافعل الخير“ (مز 37: 27). وقال بولس الرسول: ”مَن كان يسرق فيما مضى فلا يعود يسرق الآن، بل يكدُّ بيديه ويُعطي المساكين“ (أف 4: 28). وقال يوحنا المعمدان للمُقلعين عن الخطايا: ”اعملوا ثماراً تليق بالتوبة“ (مت 3: 8).

فاعلم من مجموع هذه الأقوال أنَّ ترك الخطايا، أعني ترك المعاودة إليها، ليس يكفي في الاستغفار عن الذنوب. وإذا كان الذي لم يعمل خطأ بل إنما تكاسل عن عمل الخير فقط عوقب عقاب الأشرار (مت 25: 30)؛ فكم بالحري عقاب مَن يجمع بين ارتكاب الذنوب، وترك الأعمال الصالحة التي هي شرط كافٍ في الاستغفار مقروناً بالإقلاع والتندُّم والتضرُّع.

إذا أعوزك الخير كله، فاستحقر ذاتك وتذلَّل بقلبك واعترف بضعفك. فإنَّ العشَّار حَظِيَ بالعفو على هذا السبيل (لو 18: 14). وإن أمكنك أن تضيف إلى انكسار القلب عملاً آخر من الخير المقبول عند الله كثيراً، إذا اقترن بانكسار القلب النية الصالحة، واعْتَبِر في ذلك بفَلْسَي الأرملة. فإنها مع قلة موجودها تقرَّبَت إلى الله بأحقر العطايا، وأُعِدَّ (حُسِبَ) عملها كاملاً لكمال همتها وصلاح نيتها (لو 21: 1-4).

فكُن مسكيناً بالروح غنياً بالرجاء الصالح، حسن النية، وقد صيرتَ القليل كثيراً. لا تستحقِر قليلاً مع جودة النية. لا تُعِدَّ الكثير كثيراً إلاَّ إن شملته النية الصالحة، وقارنه تواضُع النفس. لا تشكر أمراً إلاَّ بعد التجربة، ولا تعمل عملاً إلاَّ بعد معرفة. إن لم تكن لك تجربة بالأمور فاعتضد بمَن يكون له ذلك. كل ما جرَّبته فوجدته نافعاً بك فقد صار من قبيل الواجب عليك. إن كنت مُقلاًّ فاتَّكل على مَن لم ينسَ صنعة يديه، وتوثَّق ببركة مَن لم يُعوزه إخراج ما في العدم (2 مكابيين 7: 27).

اسْتَشِر فيما لم تُجرِّبه مراراً، ولا تُغالط نفسك فيما صحَّ عندك واستخبرتَ جيده من رديئه بالامتحان الكثير. لا تأخذ رأي مَن لم يُشاركك في العمل، وما وقع لك على سبيل النادر من نفع أو إضرار فلا تتخذه قانوناً. فالنادر لا حُكْم له.

الوقائع الغريبة اكتمها، وما وجدته نافعاً بك دون غيرك فاجعله فرضاً عليك دون غيرك. وما خالفتَ فيه الكل فاكتمه عن الكل، ولو كان نفعه حقيقاً بك (عائداً إليك). ولا تَبُح بما أودعك الله وخصَّصك (خصَّك) به، فحكمته في خَلْقه خفية متفننة.

لا تعظ مَن يستحقرك، ولا تُعلِّم متكبراً. لا تحقر (لا تحتقر) أحداً من الناس فللرب في كل مخلوق وديعة، وحكمته غير مسلوبة عن كل مخلوق. فربما وُجِدَت ذخائر الحكمة في المستجهل من الناس (1كو 1: 27)، كما قد توجد ذخائر الكنوز في الأماكن المستجهلة.

إن تمسكتَ بشيء من الدنيا، فاعتقد مع ذلك زواله. كل ما أنت مزمع أن تتركه اضطراراً، فابدأ بالزهد فيه اختياراً. وإن كان ضرورياً في عيشك فتناول مقدار الحاجة منه، ولا تترك منه كثيراً ثقة بحلول العمر. فإن المُدَّخِر لِمَا لا يحتاج إليه إنما يدخره لغيره، وكل ما يمكنك أن تستصحبه معك إلى دار الإقامة (الأبدية) فأَكْثِر منه، فإن نوعاً ما يُدَّخَر لدار الآخرة لا يفسد نوعه.

لا تُسوِّف بالخير، فإن التسويف يستغرق الأوقات كلها. إذا خطرت لك فكرة صالحة فـلا تؤخر العمل بها، فربما كانت هي آخر ما يُلقى إليك من الفكر الصالح، وكأن نهاية العمر مُحْدِقٌ بها.

لا تطمع أن تجني الثمار من غير غرس تغرسه أنت بيدك وتسقيه، إنما يعطيك الله من نوع ما قدَّمتَ أمامك، ويُجازيك بقدر ما عملتَ. الله قادر أن يُعطيك كلَّ ما تطلبه، لكن العدل يمنعه أن يمنحك ما لا تستحقه. الله رحيم غفور لكن ليس على الذين يستوجبون جهنم. وإنما يحصد الإنسان ما يزرع. لو أراد الله أن يرحم الإنسان مجاناً لما خلقه مختاراً طالباً الأفضل، مُتمكِّناً مِن ترك ما رهب عليه وتوعَّد بسببه، قادراً على تجنُّب الرذائل والإقلاع بعد المعاصي، مستفرغاً جداً جهده بعد تقاعده في عمل الخير والمواظبة عليه.

لا تنسَ حقوق الله واعترف له بما له عليك، سواء إن كانت نعمة أو نقمة. فإنْ كانت نقمة فأنزلها لك منزلة الأدب. يجب أن تعرف الله بكل ما يجب أن يُعرَف به حتى تشكره عند نزول النعمة، وتستغفره عند نزول النقمة بسبب الذنوب. لأن داود النبي يقول: ”إن الله سبحانـه أحب الرحمة والعدل، وإن النار تتَّقد من غضبه“ (مز 89: 46). وإنما كان ذلك ليخاف فيبتعد من المعاصي، ويحب فيتوغل في رضاه بفعل الخير.

وإن أحببتَ أن تكون عابداً لله، فأحب التعب ولا تفر من الجهاد، ولا تخرج من ميدان العبادة ولا تهرب من الحرب الروحاني (الروحانية)، ولو جُرحتَ دفوعاً؛ بل لازِم الجهاد، وقاوِم العدو الشيطان، ومَانِع (أي امنع) الحركات الطبيعية المجاذبة للعقل نحو الرذيلة، ولا تُعطي راحة لصدغيك ولا نعاساً لعينيك حتى تجد موضعاً للرب ومسكناً لإله يعقوب (مز 132: 4).

احذر أن تقع في أحد بلسانك، ولا تتكبر عليه بقلبك، لئلا تتخلَّى العناية عنك فتقع في المحذور منه، فإنَّ ليس سقطة إلاَّ ويتقدمها إما تهاون أو تكبُّر. فلهذا الْزَمْ التواضع الكثير ليهرب العدو منك وتُحيط بك عناية الله.

اتخذ الصوم عوناً، والصلاة حصناً، والقراءة ينبوعاً، وتوغَّل في الهذيذ مع الله سبحانه، وارتفع بفكرك شوقاً إليه. وقُلْ مع داود: ”مَن يُعطيني جناحين مثل حمامة فأطير وأستريح مع الله“ (مز 55: 6).

يا ابني إذا اشتكل (اختلط) عليك أمرٌ، فإذا لم تجد مَن له بصيرة ولا مَن له تجربة بالأمور، وإلاَّ فبالصلاة الكثيرة امْتَحِن صحته من سقمه. ولا تُبغِض الأشرار، بل اكره أعمالهم. وادْعُ لأعدائك لتنتفع أنت وهم. وإذا عدمتَ الرأي الصائب من نفسك ولم تجد من تعضد برأيه، فاعمل متَّكلاً (على) سر الطبيعة.

واعلم أن الشيطان كامنٌ ككمون النار في حجر الزناد (أي الذي يُصدِر شرار النار)، فإذا وجد سبباً ظهر، فلهذا لا ينبغي أن تثق بسكون الأوجاع ولو خَفِيَ أثرها عنك وقتاً ما، بل كُنْ حذراً على الدوام، ولا سيما قد جرت العادة للمقاتل البطل أن يرفع (يوقِف) حربه وقتاً ما ليخدع بذلك مَن يقاتله.

اغتنم العمر فليس لك زمان تبقى فيه غير ما اقتضاه تركيبك الذي هو عن قليل ينحل رباطه، وتبقى خائباً من المساعد الطبيعي والعون الإلهي. لا تسوِّف في زمان الصبى (الصِّبا) متَّكلاً على زمان الشيخوخة، فإنَّ الشيخ يعجزه العمل الخصيص بسنه لضعفه، لا سيما ما وقع فيه من التسويف في زمان الشبيبة. إنما ينبغي أن تُقدِّم لله أفضل ما عندك، وتخدمه بكل قوتك، وتُقدِّم له من أوائل ثمراتك وبكورك وهي الشبيبة.

قال التلميذ: يا أبي نفعتني بوعظك وتعليمك، ولم تعجزني شيئاً، وقد زرعتَ خيراً فأسقيه بماء طلباتك ليتم ويدوم ثماره، فاعضدني بالصلاة والدعاء إلى الله لأعمل بما قلت لي، فأنجح عند الله وأقتات بثمرات الأعمال.

قال المعلم: يا بُنيَّ دعائي لك واجب عليَّ ولو لم تسألني إياه، ولكن لا ينبغي أن تتَّكل على الدعاء فيسترخي عزمك، بل جِدَّ (اجتهد) في تكملة كل ما سمعتَ مني، ولا تستصغر صغيرة منه، فتتهاون بها. ولا تستعظم كبيرة منه فتهرب منها، فإنَّ كل ما قلته لك ممكن لك، ونافع بك، والله مسؤول في أن يؤيِّدك ويقويك ويصون عملك من المُفسِد. آمين.

والسُّبح لله دائماً أبدياً، آمين.

(1) ربما هنا فقرة ناقصة تتكلَّم عن مكافأة العبيد الأُمناء ومجازاة العبد الكسلان.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis