|
من تاريخ كنيستنا
|
البطريرك الثاني والسبعون |
|
جلس هذا الأب يوحنا على الكرسي الإسكندري في زمن مملكة ”الحافظ“ (1074-1149م)، وابنه ”الظافر“، ثم ”الفايز“ بن ”الظافر“. وكانت مدة جلوسه على الكرسي البطريركي تسع عشرة سنة وثمانية شهور.
مَن هو الأب يوحنا البطريرك؟
كان راهباً قديساً، قُسِمَ شماساً، وكان عفيفاً صالحاً، ذا ذِكْر حسن وسط الرهبان في دير أنبا يؤانس القصير. وكان اسمه ضمن الورقات الثلاث التي كتبوها ورفعوها على الهيكل، كما شرحنا سابقاً(1).
وفي هذه المرة اتفق الرأي على تقدمة الأب يوحنا حسب المتَّبع في ذلك الحين. وأرسلوا له وفداً من الكهنة ليُحضروه إلى القاهرة. فأحضروه، وقُسِمَ قسّاً ثم قمصاً بكنيسة المعلَّقة بالقاهرة، تمهيداً لرسامته أسقفاً رئيساً لأساقفة الإسكندرية حسب طقس الكنيسة.
أزمة يُثيرها المدعو ”يؤانس بن كدران“:
وهنا حضر الراهب ”يؤانس بن كدران“ الذي كان يسعى لرسامته بطريركاً أيام البابا ميخائيل الخامس، ورفضه الأراخنة والشعب(2)؛ فجدَّد الطلب من السلطان. فصدر أمر السلطان بعقد مجلس له ولغيره. فحضر الأساقفة أمام كبار رجال الدولة.
حديث الأساقفة عن شروط البطريرك
الذي يرغبونه:
أثناء اجتماع الأساقفة، جرت مناقشات ومداولات صاخبة. فقال الأساقفة والكهنة الحاضرون: ”لا يكون لنا بطريرك إلاَّ مَن نطلبه ونرغب فيه، ولا يكون هو الطالب ولا الراغب. وهذا هو قانون الأقباط منذ أن عبدوا الله بالإيمان المسيحي وإلى هذا الوقت“. واستشهدوا بقول المزمور 149: «يوثقون ملوكهم بالقيود وأشرافهم بسلاسل من حديد». وأكملوا حديثهم قائلين: ”... ذلك أنه إذا وجدوا أن الرجل الذي يُريدون أن يُقدِّموه عليهم كاملٌ حسب شروط قوانين الكنيسة سواء من جهة القداسة، أو التحلِّي بفضائل الدين، أو بالعلم، والصلاح، والعفاف، والرحمة، وبقية ما يحتاجون أن يكون فيه بحسب الإيمان الأرثوذكسي؛ فإنهم يأخذونه كرهاً من غير اختياره لئلا يهرب منهم إلى عمق الصحراء، فلا يقدرون على الوصول إليه“.
وذكروا سبب صعوبة العثور على مثل هذا الشخص: ”لأن قليلين هم أهل لهذه الصفة. فإن كان الكل هم آباءنا وإخوتنا، لكن هذا النوع من الأشخاص لا يوجد منهم إلاَّ بنسبة الواحد من بين الألف، وأن يكون قد توحَّد، وتفرَّد، وترك العالم، وهرب منهم، وجعل حياته مع وحوش الجبال وسباع البريَّة، حتى أن الله يُغيِّر طبيعة السباع الكاسرة والوحوش الضارية إلى مسالمته، والأسود إذا رأته تأتي إليه وتسجد عند رجليه. مثل هذا الشخص هو الذي يطلبه المسيحيون أن يكون المُقدَّم عليهم؛ فإن لم يجدوه، فإنهم يُقدِّمون غيره من أهل الاتضاع، والعلم، والدين، ومَن يُشهَد له بالعفاف والطُّهر“.
+ وأكَّد الأساقفة والكهنة للسلطان شروط المنع: ”ولا يجوز لهم أن يُقدِّموا عليهم مَن رغب هو في هذا المنصب، ولا مَن طلب من السلطان المدني“ (لاحِظ شجاعة الأساقفة في إبلاغ السلطان برفض مَن يسعى لدى السلطان لنوال هذا المنصب).
انعقاد مجمع للأراخنة والأساقفة
للاختيار بين الاثنين:
وبناء على حديث الأساقفة والكهنة، تقرَّر أن يُصدِر السلطان مرسوماً، ويسير الحاجب بالمرسوم معهم إلى مدينة الإسكندرية ليعقدوا فيها مجمعاً يحضره كبار الأقباط وأراخنتها وكهنتها وأي مَن رغبوا في حضوره معهم، لاختيار إما الراهب ”يوحنا“ أو الراهب ”يؤانس بن كدران“.
الاختيار بين الاثنين:
فساروا إلى مدينة الإسكندرية وعقدوا مجمعاً بحضور الوالي والقاضي وكبار أراخنتها والمسيحيين الموظفين في الدواوين الحكومية، والتجار، والأساقفة الذين حضروا من كراسيهم، وأهل القاهرة ومصر ومَن كان معهم. وقال الوالي والقاضي والفقهاء الحاضرون هذا المجمع: ”قد أَمَرَ السلطان أن الذي ترغبون فيه أيّاً من هذين الرجلين، قدِّموه عليكم“. فاتفقوا جميعهم بكلمة واحدة: ”"يوحنا بن أبو الفتح" بطريركنا، وهو مستحق لهذه الرتبة“.
موقف شجاع من الراهب يوحنا:
وذكر مَن حضر عقد هذا المجلس من المسلمين أنَّ رجلاً منهم سأل الراهب ”يوحنا بن أبو الفتح“ في المجلس: ”وماذا تقول أنت في هذا الرجل (أي ”يؤانس بن كدران“)، هل هو مستحق لهذه الرتبة دونك؟“. فقال في الحال: ”نعم! هو أصلح مني، وأكثر علماً بالشريعة“! واستحسن الجميع ذلك منه، وعظم قدره في أعينهم، من أجل هذا الرد.
تقدمة الأب يوحنا بطريركاً:
وللوقت قدَّموه بطريركاً في يوم الأحد الثاني من النسئ سنة 863 للشهداء الأبرار. وأكملوا تكريسه بالإسكندرية، وعاد إلى مصر. وتلقَّاه المسيحيون بالقاهرة ومصر، بأحسن استقبال، وساروا به إلى كنيسة القديس مرقوريوس مقر سكنه، وفرحوا به فرحاً عظيماً.
البابا الجديد يُطيِّب خاطر يؤانس بن كدران:
وفور رسامته وبدئه أعمال حبريته، قصد البابا يوحنا الخامس أن يُطيِّب قلب يؤانس بن كدران بأن يقسمه أسقفاً على سمنود؛ لكن يؤانس امتنع ولم يُطِعْه، وظل مُقيماً بالدير أحياناً، وبالريف أحياناً أخرى، إلى وقت مماته.
اضطرابات في مصر تعود بالوبال
على كل المصريين:
وكان المصريون في عهد البابا يوحنا الخامس يعيشون في قلق واضطراب بسبب التنافُس بين الخلفاء ووزرائهم على السلطة. وكثيراً ما أدَّى هذا التنافس إلى القتل. وهكذا انعكس صراع هؤلاء وأولئك على حياة الشعب بأكمله. ولأن هذا التنافس على السلطة دفع بعض الوزراء (أي الولاة) إلى قتل الخلفاء لعلهم بذلك يكونون الآمرين الناهين؛ لذلك كان ردُّ الفعل أن حرص بعض الخلفاء على تثبيت سلطتهم حرصاً أدَّى بهم إلى أن يبطشوا بولاتهم متى وجدوهم ذوي نفوذ. بل أدَّى هذا النزاع بين أصحاب العرش وبين الأقوياء من رجال الدولة إلى قيام أحزاب داخل صفوف الجند. فكان البعض منهم يُناصر الخليفة، بينما البعض الآخر يُناصر الوزير (الوالي)، مما نتج عنه اضطراب الأمن وانتشار القلق والفوضى. وكان نصيب الأقباط من هذا التوتر أن فَقَدَ الموظفون منهم مراكزهم، وصودرت أملاك البعض منهم، بينما لاقى فريق ثالث الموت.
حملات ”الصليبيين“ تؤثر على مركز
الأقباط في مصر:
وقد ضاعف من آلام الأقباط خصوصاً هجوم ”الفرنجة“ (الذين سُمُّوا فيما بعد بـ ”الصليبيين“) على بلبيس. وبسبب الشارة التي كان يحملها هؤلاء الغزاة على صدورهم وأعلامهم وهي شارة ”الصليب“، لم يُدرك عامة الناس الفرق بين الغزاة وبين المسيحيين المواطنين. لأن الشارة التي كان يحملها الغزاة الفرنجة، وهي الصليب، زوراً وبهتاناً؛ كانت هي شارة الأقباط يدقُّونها على أيديهم، ويرفعونها فوق منارات كنائسهم. لكن شتَّان بين ما كانت تُشير إليه الشارتان: فشارة الغزاة الفرنجة كانت تحضُّ الفرسان وقاطعي الطرق – بموجب نداء البابا الروماني أوربان في نوفمبر 1095م – إلى الاستيلاء على ثروات الأعداء وأرض المقدس، مانحاً غفران الخطايا، وضامناً السعادة والغبطة السماويتين للمقاتلين ”الصليبيين“؛ أما المصريون الحاملون شارة الصليب (علامة الفداء)، فكان عليهم أن يدفعوا ثمن الغدر الذي أبداه الغزاة الصليبيون الأجانب.
تعمير كنيسة في موقع
زيارة العذراء لمصر بالمطرية:
يُسجِّل كاتب سيرة البابا يوحنا الخامس أن الأقباط عمَّروا كنيسة بالمطرية كانت خرائب، وكانت بجانب ”بئر البلسم“ الذي نَبَتت بجواره شجرة البلسان التي يُستخرج منها أحد مكوِّنات ”زيت الميرون المقدس“، وكرَّسوها على اسم القديس مار جرجس، ورفعوا فيها القدَّاسات قبل أن يكملوا بناء السور المحيط بها، لكن هدمها المسلمون وبَنَوْا مكانها مسجداً(3). وكان هذا المكان مُعتبراً أنه أحد المواضع التي مرَّت فيها القديسة العذراء مريم حين هروب العائلة المقدسة إلى أرض مصر.
قبائل الغُزُّ يهاجمون فئات من بينهم الأقباط:
فقد هاجم هؤلاء الغُزُّ الكثيرين من سكان مصر من المسيحيين والسود والأرمن والأتراك والمصريين. وكانوا يقتلون البعض منهم، ويبيعون البعض الآخر. إن وجدوا مَن يشتري منهم باعوه، وإلاَّ قتلوه، ونهبوا أموالهم وسَبَوْا نساءهم. كما استشهد على يدهم راهب اسمه ”شينوفه“ من دير أنبا مقار، وأرادوا أن يحرقوا جسده، فلم يحترق. فأخذه المسيحيون ودفنوه في كنيسة أبي سرجة بمصر في يوم 24 بشنس. كما هدم هؤلاء المهاجمون كنائس كثيرة للشهداء في ضواحي القاهرة، كما هدموا كنيسة الحمرا بحارة الروم، وكنيسة الزهري. وكانوا ينهبون محتويات كل كنيسة هدموها.
+ وبعد ما هدأت هجمات هؤلاء المهاجمين، اهتم أحد الأراخنة وهو الشيخ ”الأسعد صليب“ صاحب الديوان (أي مدير الديوان)، بعمارة كنيستيْ الحمرا والزهري وما استطاع من الكنائس الأخرى، وكان يتعهَّد هذه الكنائس ويطمئن على رفع القرابين فيها بالقدَّاسات، ويهتم بتوفير مواد البناء والبياض فيها.
دخول رجل يهودي إلى المسيحية
وتبشيره اليهود:
وفي أيام البابا يوحنا الخامس، دخل إلى المسيحية رجل من اليهود بمصر من كبار قومه، وكان خبيراً عالماً، ومن أعيان طائفته، ويُسمَّى ”أبو الفخر بن أزهر“. وقد قرأ الكتب المسيحية، وتكلَّم في وقت وجيز اللغة القبطية (في وقت غابت فيه اللغة القبطية من أفواه الأقباط إلاَّ نادراً). وكان يُجادل اليهود باللغة العبرانية، ويُفسِّر للمسيحيين باللغة القبطية، وتمرَّس في دراسة المسيحية حتى صار أكثر علماً من أهل العلم بين الأقباط، ومات مسيحياً مؤمناً بالمسيح، ولكن بعد أن قاسى الشدائد من المسلمين واليهود. وكان اليهود يبذلون المال للسلاطين للحضِّ على قتله، لكن المسيح كان يُنجِّيه فلا يبلغون إلى ضرره. وأقام في المسيحية نحو 40 سنة يُجادل اليهود ويُقنعهم بالإيمان بالمسيح.
طلب رسامة مطران على الحبشة
في حياة مطرانها، ورَفْض البابا:
في أيام البابا يوحنا الخامس، وصل كتاب من ملك الحبشة (إثيوبيا) إلى الملك العادل بن السلار يلتمس قسمة مطران لهم، وكان هناك مطران اسمه أنبا ميخائيل (كان قد رسمه البابا مقار الثاني البطريك الـ 69)، الذي لما كبر وشاخ أرسل ملك الحبشة يطلب رسامة مطران بدلاً منه. وكان المطران قد وبَّخ الملك الحبشي على استيلائه على الحُكْم بغير وجه حق. فأرسل الملك الحبشي يطلب رسامة مطران غيره. ولكن البابا يوحنا الخامس امتنع، وقال للملك ”العادل“: ”ما في شريعتنا أن نولِّي إنسانين على رتبة الكهنوت، ولا أن نعزله منها حتى يموت، لأن رتبة الكهنوت سمائية، وليست هي أرضية“. فتضايق منه ”العادل“ وأمر باعتقاله في سجن دار الوزارة. وقاسى الأب البطريرك من ضيق هذا السجن ومن نتن رائحته. واستمر اعتقاله إلى أن قُتل ”العادل“.
قضية إضافة كلمة ”المُحيي“
إلى كلمة ”الجسد“ في الاعتراف الأخير:
كان البابا يوحنا الخامس قد رسم أسقفاً على ”سمنود“. وقد أوعز البعض للأسقف أن يكتب للبابا يوحنا الخامس عن رهبان قلاية بشبيش التابعة لدير أنبا مقار مع رئيسهم الأب سلمان، كانوا في زيارة لسمنود، وقد اتفق حال وجودهم هناك مع أسقف المدينة ”مكاريوس“ أن سمع الأسقف إضافة كلمة ”المُحيي“ على كلمة ”الجسد“ في الاعتراف الأخير الذي يقوله الكاهن جهاراً قبل التناول من الأسرار المقدسة، حيث قالوا: ”أومن أومن أومن وأعترف إلى النفس الأخير أن هذا هو الجسد المُحيي `nreftan'o الذي أخذه ابنك الوحيد ربنا وإلهنا ومخلِّصنا يسوع المسيح...“.
وقد قصد الأسقف أن يشتكي هؤلاء الرهبان للأب البطريرك. وهذا اللفظ مستخدم كثيراً في مواضع أخرى من القداس. فلما قرأ الأب البطريرك كتاب أنبا مكاريوس، تغيَّرت نظرته للأب سلمان وإخوته واستنكر عليهم ذلك. لكنه جمع الأساقفة ونظروا في أمر هذه الإضافة، فوجدوها حقّاً وليس فيها شيء خطأ، لأنه الجسد المُحيي بالحقيقة، ويؤدِّي لمَن يؤمن به إلى الحياة الدائمة.
وهكذا صحَّح الأب البطريرك رأيه، وكتب إلى سائر الأساقفة بهذه الإضافة. وقد قَبِلَ هذه الإضافة أهل الوجه البحري ومصر والإسكندرية وجميع رهبان الأديرة، ما عدا قسوس كنيسة أنبا مقار بحجة أنها مُضافة حديثاً لم يَجْرِ بها عادة مَن تقدَّمهم، ورفعوا الأمر إلى الوزير ”الصالح“ وقدَّموا له مالاً.
فاستدعى الوزير ”الصالح“ الأب البطريرك مع الرهبان في مجلس قدَّامه. وجرى الحديث عن العقيدة المسيحية. وقال الأب البطريرك وهو يسأل الوزير: ”موسى! ما هو عندكم؟“. فأجاب الوزير: ”نبيٌّ“. فسأله البطريرك: ”والمسيح! ما هو عندكم؟“. فقال: ”روح الله وكلمته“. فسأله: ”أتقدر أن تقول إن روح الله وكلمته نبيٌّ؟“. فقال: ”لا“! فقال البطريرك: ”فروح الله وكلمته أعظم وأشرف من الأنبياء، لأنه خالق الخلائق كلها...“. فسكت الوزير، ثم زجر الأب البطريرك الرهبان بالكلام وبعكازه.
فأمر الوزير بإخراج الأب البطريرك وأمر باعتقاله. وبينما هو في السجن يواصل الصلاة والصوم والطلبة إلى الله، رأى في منامه رؤيا قالها للمعتقلين معه: ”إنه بعد أيام يسيرة يفرج الله عني وعنكم“. وبعد 14 يوماً مات الوزير بيد ابن راعٍ صغير. وتعيَّن ابن الوزير ”مجد الإسلام“، فأفرج عن البطريرك وعن الأساقفة.
نياحة الأب البطريرك يوحنا الخامس:
في أيام الوزير ”شاور“ تنيَّح الأب البطريرك أنبا يوحنا في يوم 14 بشنس سنة 883 للشهداء / 1166 ميلادية، في كنيسة الشهيد مرقوريوس، وعملوا له مناحة عظيمة وليلة ساهرة بالصلوات والقراءات، ودفنوه مع جسد الأب البطريرك غبريال سَلَفه. +
(1) مجلة مرقس، عدد فبراير 2010، ”البابا ميخائيل الخامس“، ص 37-39.
(2) نفس الهامش رقم (1).
(3) ما زالت شجرة البلسم القديمة موجودة بمكانها في المطرية. وقد بنى حولها الرهبان الدومينيكان الكاثوليك ديراً وحديقة كبيرة، ثم بــاعوهـا منذ سنوات لراهبات ”بنـات =
= مريم“ (الذين كان يرعاهم المتنيح الأنبا أثناسيوس مطران بني سويف السابق).