|
من تاريخ كنيستنا
|
|
|
تتابُع التجارب والمحن:
في ذلك الوقت كان البابا خريستوذولوس يُقيم في مقره ”دمرو“ (المحلة الكبرى) بعد أن لحقه مرض ”النقرس“، بينما كان في القاهرة.
وحرَّك الشيطان راهباً يُسمَّى ”فلوطس“، كان قد طلب الأسقفية من الأب خريستوذولوس، ولم يُحقِّق البابا طلبه. فرفع الراهب شكوى ضد الأب البطريرك إلى السلطان، وكاد أن يبعث بها لولا أن منعه بعض الأراخنة الأقباط بالقاهرة.
ويذكر كتاب ”تاريخ البطاركة“ أسماء هؤلاء الأراخنة: ”أبو اليُمن ابن مكراوه ابن زنبور“. وهذا كان أبوه ناظر الريف، وتقلَّد الوزارة أياماً قليلة، وكان يُلقَّب باسم ”الأجلّ الأوحد المكين عميد الخلافة مُحِب أمير المؤمنين“، ثم هرب عام 1065م بسبب مطالبة الجند برواتبهم ثم تمرُّدهم على الخليفة ”المُستَنصِر بالله“. والأرخن الثاني هو ”أبو الطيب الزراوي“، والأرخن الثالث ”أبو السرور يوحنا ابن يوسف الأبح“.
هؤلاء الثلاثة منعوا الراهب ”فلوطس“ من رفع شكواه، وصحَّحوا ما في نفسه، وردعوه عمَّا ينوي فعله؛ فارتدع زماناً، ثم تجدَّدت مناوشاته مع الأب البطريرك وعاد إلى محاولة رفع الشكوى إلى السلطان، إلى أن قُبِضَ على الأب البطريرك في مقرِّه بدمرو، حيث وجدوا عنده في داره 6000 دينار، فأخذوها وساروا بها مع الأب البطريرك إلى القاهرة، إلاَّ أن الأراخنة سرعان ما تدخلوا في الأمر، وعاد البابا خريستوذولوس إلى مقره في ”دمرو“، بعد أن أودع المال في بيت المال.
+ ويسرد كتاب ”تاريخ البطاركة“ حدوث زلزلة عظيمة يوم الثلاثاء ثاني يوم عيد الفصح (عيد القيامة)، قلبت عدة مواضع بمدن الرملة وتـنِّيس وغيرها. وتبع الزلزلة وباء قاتل حتى لم يبقَ في تـنِّيس من سكانها الذين يبلغ عددهم الألوف سوى مائة شخص.
+ كما حدثت حروب بين المشارقة (قبيلة بني حمدان) والأتراك على الوالي ”ناصر الدولة ابن حمدان“. كما كان يوجد خمسة آلاف رجل من الأكراد، أبادهم جيش الخليفة ”المستنصر“. لكن البعض من قبيلة بني حمدان تغلَّبوا على رجال الخليفة وهربوا إلى مدينتي ”الشرقية“ و”الغربية“ ونهبوهما وخرَّبوهما، ونهبوا ما بهما من كنائس وخرَّبوها، وكشطوا وجوه الأيقونات التي بقيت فيها، ويمكن أن يرى ذلك زوار الأديرة القديمة في وادي النطرون الآن شهادة على المحن التي عاشها المصريون في هذه الفترة المُحزنة من التاريخ.
+ واختطف أفراد طائفة اللواتيين(1) الأب البطريرك من داره، ونهبوا جميع ما فيها، وأخذوا منها مالاً كثيراً. وكان الأب البطريرك يقول لهم إن هذا لمار مرقس الإنجيلي، وذاك للقديس أنبا مقار، ولكنهم لم يقتنعوا بذلك.
وأخذ الأرخن أبو الطيب ابن يحنس الزراوي كاتب ناصر الدولة ابن حمدان، يتفاوض مع هؤلاء اللواتيين إلى أن افتدى الأب البطريرك بثلاثة آلاف دينار، دفع منها 1000 دينار وأطلق سراحه إلى الإسكندرية، بشرط متابعته من هؤلاء المختطفين إلى أن يوفي الألفي دينار الباقية. وظل الأرخن الزراوي يقترض من الشعب والأساقفة إلى أن أوفى المبلغ المطلوب.
+ ثم تزايد الغلاء والخوف وندرة القمح، إلى أن أكل الناس موتاهم، وأكلوا بعضهم بعضاً، وبعض القبائل (المسمَّاة الشدة المستنصرية) أكلوا أولادهم. وفَنِيَ الناس بالوباء والغلاء والسيف حتى لم يبقَ منهم إلاَّ اليسير.
سيرة أسقف قديس مُحب للفقراء:
هذا كان أُسقفاً على كرسي أرمنت بالصعيد اسمه ”باسيليوس“، وكان البعض قد أشاعوا موته، فرسم الأب البطريرك شخصاً اسمه ”بيمين“ عِوَضه، ورسم أسقفاً آخر على الواحات اسمه ”أبَّا فام“، وذلك سنة 780 للشهداء. ولما بعثهما إلى هناك بصحبة أنبا جورجي أسقف”بطو“ لتجليسهما، اكتشف المبعوثون أن أسقف كرسي أرمنت ما زال حيّاً لم يَمُت (أي أنبا باسيليوس). وعرف الآباء سيرته من أحد أبنائه وهو قس اسمه مينا، أنه في زمن الغلاء كان لا يَدَع في بيته خبزاً إلاَّ ويتصدَّق به. وفي ليلة من الليالي طرق بابه رجل محتاج، فقال الأسقف لتلميذه القس مينا: ”أعطِهِ خبزاً“، ولم يكن قد بَقِيَ عنده إلاَّ رغيفان، فأعطاه رغيفاً منهما. ثم قرع الباب محتاجٌ آخر، فدفع له بعض الرغيف الآخر وبَقِيَ بعضه. فلما هَمَّ أن يفطر به، قرع الباب محتاج آخر، فضجر التلميذ من ذلك، كما قال هو عن نفسه. فألزمه الأسقف أن يُعطي بقية الرغيف للذي قرع الباب. ولم يَعُدْ شيء يفطر به الأسقف. وبعد وقت من الليل، قُرِع الباب. فقال الأسقف لتلميذه: ”أَجِبْ مَن يدقُّ الباب“. فقال القس وهو متضجِّر مُغضَب: ”ما بَقِيَ عندنا شيء لنُعطيه لمَن يدقُّ، فبماذا أُكلِّمه، وليس عندنا شيء لنُعطيه؟“. فألزمه بإجابته، فنزل القس وفتح الباب. فدفع إليه شخص لا يعرفه ولا أبصر وجهه منديلاً يحوي طعاماً، ثم انصرف ولم يرجع ولا طلب المنديل.
وقد عاد الأسقف المرسوم ”بيمين“ إلى ريف أرمنت وأقام هناك إلى أن تنيح الأسقف أبَّا باسيليوس، فدخل بيمين إلى أرمنت.
+ وهكذا كان قديسون مختفون يعيشون وسط هذه الاضطرابات ويُنيرون وسط ظلمة هذا الدهر لكي يتمجَّد الله ويرتفع اسمه القدوس.
استتباب الأمن بوصول ”بدر الدين الجمالي“:
كان اللواتيون والسودانيون والأتراك قد زحفوا على الصحاري واعتدوا على رهبانها، فقتلوا كل راهب عثروا عليه، ولم يَنجُ من بطشهم غير الرهبان الذين لجأوا إلى الصعيد. فبدا للمصريين المعذَّبين أن الله قد حجب وجهه عنهم. ولكن غير المستطاع لدى الناس مستطاع عند الله. فقد جاء الفرج من عند الله بصورة غير متوقَّعة.
فإن ”المستنصر“ الخليفة حين وجد أن البلاء قد استحكم، ثاب إلى رشده، وبعث بخطاب سرِّي إلى بدر الدين الجمالي والي عكَّا بسوريا، وطلب إليه الإسراع إلى نجدته وتولِّي أمر مصر. وكان بدر هذا أرمني الأصل، بلغ درجة الولاية لأنه انتصر في معركتين قاد فيهما السوريين ضد الأتراك. فقَبِلَ بدر طلب المستنصر بشرط واحد، هو أن يستصحب معه جنوده السوريين. فرحَّب الخليفة بهذا الشرط. وعندها وصل بدر إلى القاهرة في أوائل فبراير سنة 790 للشهداء، وقتل كل الأشقياء من الأتراك واللواتيين والسودانيين. وهكذا صلحت البلاد على يديه. ثم خرج إلى اللواتيين وكسرهم، وقتل جميعهم وأبادهم من بلاد الريف. ثم سار إلى الصعيد أيضاً وفتحه، وأباد كل مَن كان فيها من المارقين.
تجربة للأب البطريرك بسبب وشاية
بين مَلكَي النوبة ومصر:
وكان أمير الجيوش ”بدر الدين الجمالي“ عند مسيره إلى الصعيد أن سعى إليه رجل اسمه القفطي بوشاية ضد البطريرك، وقال له: إن مطراناً اسمه بقطر هدم مسجداً في بلاد النوبة، وهذا المطران كان مبعوثاً من البطريرك خريستوذولوس، وأن في بلاد الحبشة مطراناً آخر اسمه ”قورييل“ وأنه يراعي المسلمين ويحبهم ويُكرمهم. فأرسل أمير الجيوش من الصعيد رسالة إلى ابنه الوحيد في القاهرة يأمره فيها أن يقبض على البطريرك، فقبض عليه واعتقله عنده إلى أن وصل رسول اسمه ”حسام الدولة“ كان أمير الجيوش قد أرسله إلى ملك النوبة ليستفسر عن صحة الادِّعاء. فعرَّفه ملك النوبة بعكس ما حكاه القفطي. فلما عاد الرسول إلى القاهرة، أحضر أمير الجيوش الأب البطريرك أنبا خريستوذولوس إلى مجلسه مُكرَّماً مُبجَّلاً، وأحضر الرسول ”حسام الدولة“ والقفطي المذكور آنفاً؛ فكذَّبه حسام الدولة فيما حكَّاه، فأقرَّ واعترف بكذبه.
فأحضر أمير الجيوش القضاة والشهود والفقهاء، وقال لهم: ”ماذا يجب أن يُفعل بهذا القفطي الكذوب الذي كذب بين ملكين؟“ فأفتى الفقهاء بقتله. فقال أمير الجيوش للبطريرك: ”فما تقول أنت فيه؟“ فقال له الأب البطريرك: ”ما عندنا في مذهبنا قتلٌ ولا مجازاة الشر بالشر، وأنت السلطان والأمر لله ولك“! فأمر أمير الجيوش بقتله، فقُتل.
+ ويقول كاتب سيرة الأب البطريرك: ”وجرى لأمير الجيوش مع الأب البطريرك أنبا خريستوذولوس في هذا المجلس كلامٌ كثير، أبان فيه الأب البطريرك من فضيلة وتعقُّل وتدبير حسن، حتى عظم قدره في أعين الحاضرين. ثم قال لأمير الجيوش إن "قورييل" المطران الذي ورد ذِكْره في الوقيعة والوشاية هو مدَّعي الكهنوت ومغتصب وظيفة المطران، لأني ما رسمتُه، ولا صلَّيتُ عليه، ولا كتبتُ له كتاباً يُخوِّله بأعمال المطران“. فأرسل أمير الجيوش إلى النوبة واستدعى هذا المطران المزعوم، فقتله.
+ وزاد أمير الجيوش في إكرام الأب البطريرك أنبا خريستوذولوس ومراعاته. وتواتر الرخاء في أيام أمير الجيوش، واستقامت الطرقات، وسهل وصول القوافل إلى مصر من المشرق والمغرب وكل البلاد.
خطاب من الأب البطريرك إلى بطريرك أنطاكية،
يشكو فيه من الاضطهاد،
ويأتيه الرد بضرورة الاحتمال:
وكان في آخر أيام أنبا خريستوذولوس البطريرك، أن الأنبا يوحنا كان قد صار بطريركاً على أنطاكية. وكتب إليه الأب أنبا خريستوذولوس كتاباً يشكو إليه ما جرى عليه من النهب والأَسْر والعقوبة، وأنه خرج من نعمته كما تخرج الشعرة من العجين، وأن الولاة أخذوا منه أكثر من مائة ألف دينار، وغير ذلك.
فكتب إليه البطريرك الأنطاكي جواباً على يد قس سرياني اسمه ”صمويل“ من أهل القدس، يذكر فيه كلاماً حسناً، ويشرح له الإيمان والمحبة والاتحاد المسيحي الذي لبطاركة الكرسيَّيْن (الإسكندرية، وأنطاكية). ثم قال له في رسالته:
- ”فأما ما ذكره الأخ القديس شريكنا في الخدمة من خروجه من نعمته كخروج الشعرة من العجين، وما ناله من اضطهادات ما شرحه في رسالته، فإني أنا الخاطئ أُجلُّ قَدْره ورياسته وقُدْسه عن هذا القول. وأيُّ مال لنا نحن الذين صرنا في هذه الرئاسة الجليلة التي لا نستحقها إلاَّ غِنَى السيد المسيح إلهنا، الذي كان على الأرض هو وتلاميذه يأكلون بين يديه خبز الصدقة. وهو القادر الذي أشبع الألوف من خمسة أرغفة شعير، ورفع من الفضلات أضعاف ذلك. وكذلك بطرس رئيس الحواريين وجميع التلاميذ القديسين - الذين نحن خلفاءهم - لم يكنز أحدٌ منهم كنزاً، ولا كان لأحد منهم سوى ثوب واحد لا غير؛ حتى أن القديس العظيم حبيب السيد المسيح يوحنا ابن زبدي الإنجيلي، كان يخدم في زبل الحمام في مدينة أفسس عند إنسان روماني، ويأكل الخبز بتعبه في مستوقد الحمام. فكيف يكون لنا، نحن الحقيرين، مال“!
وذكر البطريرك الأنطاكي للبطريرك الإسكندري مثل هذا الكلام وأكثر في رسالته، أشياء كثيرة من التعزية والتوبيخ والسلوى.
وكانت كلمات البطريرك الأنطاكي بلسماً لقلب البابا الإسكندري، فكرَّس ما بَقِيَ من حياته لتشديد عزائم أبنائه وتعزية قلوبهم مقابل ما يتألمون به في هذا الدهر.
نياحة الأب البطريرك خريستوذولوس:
ثم إن الأب خريستوذولوس كان قد قارب النهاية، إذ قد أنهكته السنون، وأَضْنتْه الشدائد. وفي يوم السبت الرابع عشر من كيهك عام 1077م، تنيح ودُفِن في كنيسة السيدة الطاهرة العذراء مريم المعروفة بالمعلَّقة بقصر الشمع (القاهرة القديمة). وكانت مدة إقامته على الكرسي الرسولي ثلاثين سنة. ثم بعد مدة نُقِلَ جسده الطاهر إلى دير القديس أنبا مقار بوادي هبيب (وادي النطرون). بركة صلواته تكون معنا. آمين. +
(1) ”اللواتيون“: قبائل بدوية انتشرت في الصحراء الغربية المصرية، هاجموا الأراضي الزراعية والقُرى، خاصة في الدلتا وغربها، وأشاعوا الفساد والنهب والسَّلْب والقتل.