|
تم عقد هذا المؤتمر في الفترة من 29 إلى 31 أكتوبر عام 2005 بمدينة Blankenberge البلجيكية تحت عنوان: «ها أنا أصنع كل شيء جديداً» (رؤ 21: 5)، وحضر هذا المؤتمر ممثلون لـ 6 بطريركيات، وعدد كبير من الشباب، وما يقرب من خمسين طفلاً، وذلك من مختلف أنحاء أوروبا. وقد التقى الجميع في جوٍّ ودِّي مُفرح لكي يؤكِّدوا على أصالة الأرثوذكسية، ويدعوا إلى الحياة بالإيمان الرسولي في قلب المجتمع الغربي. واشتمل المؤتمر على ثلاث محاضرات جامعة، وثلاث ندوات بحث، واثنتين وعشرين ورشة عمل. كل ذلك بغرض التفكير في كيان الكنيسة والتحديات التي يجب عليها أن تحدد موقفها منها، وذلك ”من أجل حياة العالم“، كما تقول الليتورجية.
قداسة البطريرك المسكوني برثولماوس
وقد تمثل في هذا المؤتمر - كما ذكرنا - معظم البطريركيات التي لها أبروشيات في أوروبا، فحضر عن البطريركية المسكونية أساقفة يونان وبلجيكيون وأسقف بريطاني، وبطريركية موسكو مثَّلها أيضاً أسقف من بريطانيا، ومثَّل بطريركية رومانيا أسقف فرنسي؛ أما بطريركية أنطاكية فمثَّلها البروفيسور إدوارد لحام (من باريس)، وبطريركية الصرب بباريس مثَّلها في هذا المؤتمر الأب Jaque Markovic خادم الرعية الصربية ببروكسيل. وقد افتتح هذا المؤتمر المطران البلجيكي بندلايمون Pantéléimon، وهو أحد كبار المسئولين في البطريركية المسكونية والممثِّل الرسمي للكنيسة الأرثوذكسية في بلجيكا. وقد تلى على الحضور ”بركة وسلام“ البطريرك برثولماوس الأول قائلاً نيابة عنه: ”إن تنظيم هذا التجمُّع الأخوي يُظهر ويقوِّي وحدتكم الروحية في المسيح“. وأكَّد في هذه الرسالة أيضاً على أن ”هذه الوحدة التي في المسيح هي مؤسَّسة على الإيمان المشترك، وعلى رابطة السلام، وعلى محبتكم المتبادلة؛ محبتكم التي تخطَّت حدود الدول، وتجاوزت الأعراق واللغات“. وقد ركَّز البطريرك برثولماوس في رسالته أيضاً على أنه لا يوجد مكان لمناقشة قضية ”التأقلم مع العصر“ من خلال تطويع الحقائق لمتطلبات العصر، وإنما من خلال تجديد الإنسان بالنعمة الإلهية المُعطاة له من المسيح: ”وذلك عن طريق الاتحاد بجسد المسيح، آدم الجديد. فكل مَن اعتمد للمسيح وتجدَّد فقد وُلد ثانياً، وأصبح آدم جديداً على مثال سيدنا يسوع المسيح أول مَن وُلد جديداً من بين الأموات، وأصلح طبيعتنا الإنسانية التي كانت قد خرَّبتها الخطية“، وهذا هو عين ”التأقلم مع العصر“ والتعايش بإيجابية مع كل عناصره. ودعا البطريرك برثولماوس - في ختام رسالته - جميع الحاضرين وإخوتهم الغائبين أيضاً إلى التقدُّم معاً لقبول التجديد الكامل في المسيح. وقد حضر هذا المؤتمر - بالإضافة إلى المطران بندلايمون Pantéléimon (رئيس المؤتمر) - المطران عمانوئيل رئيس مجلس الأساقفة الأرثوذكس بفرنسا، ورئيس الأساقفة جابرييل Gabriel (أبروشية الروس التابعة للبطريركية المسكونية بفرنسا)، وكذلك الأسقف كاليستوس وير Kallistos Ware (البطريركية المسكونية ببريطانيا العظمى)، والأسقف باسيليوس (بطريركية موسكو ببريطانيا العظمى)، والأسقف مارك Marc (بطريركية رومانيا بفرنسا)، والأسقف المساعد أثيناغوراس (البطريركية المسكونية ببلجيكا). وحضر أيضاً ممثِّلاً عن نفسه الأسقف المساعد في فرنسا اسطفان Stephan de Tallin (استونيا)، الذي عمل على مدى سنوات في رعاية متطلبات المجتمع المعاصر، وحضر من الكنيسة الكاثوليكية المونسنيور بول فان دن بيرج Mgr Paul Van Den Berghe، ورئيس أساقفة الكنيسة الكاثوليكية بأوترخت (هولندا) المونسنيور جوريس فيركامن، وكذلك حضر أيضاً بول برين حاكم مقاطعة فلاندر الغربية.
الإنسان اليوم: موته أم تجديده وقد قام برتراند فيرجيلي Bertrand Vergely - مدرس المؤتمرات بمعهد الدراسات السياسية ومعهد اللاهوت الأرثوذكسي بباريس (معهد القديس سرجيوس) - بطرح أول موضوعات المؤتمر للنقاش، والذي كان بعنوان ”الإنسان اليوم: موته أم تجديده“. وردًّا على السؤال: مَن هو الإنسان؟ تعرَّض فيرجيلي لإجابات الماديين والمثاليين، وأوضح أنه لا يمكن فهم الإنسان إلاَّ بداية من الحياة التي هو جزءٌ منها، وركَّز فيرجيلي على مفهوم ”الشخص“ مُعرِّفاً إيَّاه على أنه ”فرد مرتبط بالحياة، وليس فرداً بدون حياة“. وقال أيضاً: ”الذي عنده الإحساس بشخصه هو الذي يكتشف سرَّ الحياة، وذلك في رحلته من غير المرئي إلى المرئي، ومن المرئي إلى غير المرئي، ورؤية الحياة بصورة جيدة تعتمد على الحركة الثالوثية أي على خبرة الإنسان بالثالوث الإلهي الكائن في جوهر الحياة“. وأضاف فيرجيلي أيضاً أن رفض ”الخبرة المستيكية“ يقود إلى استبدال ”الإله السرِّي“ بـ ”الإله السياسي“، وهو الإله الذي يبغي التعسُّف والقوة، ومِن ثمَّ يصبح دين الإنسان ليس إلاَّ التعسُّف الذي هو ”موقفنا الحالي، فنحن نقبع في فرديـة تتعارض مع الإنسانية وتؤدِّي إلى موت الإنسان“. وبحسب فيرجيلي، فإنَّ إنسان اليوم لم يَعُد لديه إحساس، وذلك بسبب أننا لم نربط الإحساس البشري بالله. فالعلاقة بين الإحساس البشري والله هي ذاتها الحرية الحقيقية. وباختصار، فإن ”الحياة تنكشف من عمق اختبار الله الحي الذي نجده في الخبرة المستيكية“، لأنه حينما تصبح الحياة ”إلهية“ فسوف يتحرر الإنسان من تفاهته، و”لن يكون أي شيء مُغلَقاً أمامه، طالما أن الله حاضرٌ في داخله“. ففي ”العلاقة البشرية/الإلهية“ لا توجد حرية بشرية وحرية إلهية، فالله مع الإنسان هو عمانوئيل: الله في الإنسان، وهذه هي روعة العلاقة بين الله والإنسان. فإذا استوعب الإنسان هذه الرسالة التي هي قلب إنجيل المسيح، فإنه سوف ينتصر بالله على الخراب الكائن في كل مكان، وسوف يجد في نفسه الله المخلِّص.
الأسقف كاليستوس وير
وفي الجلسة الثانية قام الأسقف كاليستوس وير بتناول الموضوع الرئيسي للمؤتمر: «ها أنا أصنع كل شيء جديداً» (رؤ 21: 5)، وقد أكَّد على جزئية ”الجِدَّة“ التي منحها المسيح للإنسان وللعالم كله قائلاً: ”هذه الجِدَّة الممنوحة من المسيح لا تعني أبداً الإبطال الكلِّي لِمَا هو موجود، ولكنها تعني بالأحرى أنه في المسيح يصبح كـل شيء جديداً، الكل يصير أُخروياً...“. وأوضح الأسقف كاليستوس وير أيضاً أن الحَدَث ”الجديد“ الفائق هو قيامة المسيح، والذي به تحوَّل الزمن من طريق الموت إلى طريق الحياة الأبدية والدهر الآتي. وأضاف أن القيامة تُعبِّر عن ”الجِدَّة“ مع ”الاستمرار“ في نفس الوقت؛ لأن المسيح قام من القبر بجسد روحي ممجَّد، ولكنه كان على نفس هيئة جسد ما قبل القيامة. لذلك، فالتقليد في الكنيسة لا يجب أن يكون مجرَّد تكرار لِمَا سبق، وإنما يكون حياة بالروح في عمق التقليد. ومن المهم أيضاً أن نجعل من الخليقة كلها ”تقدمة إفخارستيا“، وذلك بالحب والبذل لأن ”الحب هو قلب السر الإلهي للثالوث الأقدس“.
ما هي التحديات التي تواجه الكنيسة في مطلع الألفية الثالثة؟ وطُرح في الجلسة الثالثة السؤال التالي: «ما هي التحديات التي تواجه الكنيسة في مطلع الألفية الثالثة»؟ وقد قام ميشيل ستافرو Michel Stâvrou (أستاذ اللاهوت العقيدي بمعهد القديس سرجيوس) بتقديم عرض مكثَّف للموضوع من خلال تحديد معالم العصر الحالي في المجتمع الغربي، والذي يخضع لعمليات تغيير ثقافي يمكن أن يؤدِّي بالكنيسة إلى الجنوح ناحية ”الخصوصية“. وقد أشار إلى أن رسالة الكنيسة في عالم اليوم هي ”لازمة أساسية للإفخارستيا“، بحيث إن ”العالم يظهر كمادة لإفخارستيا المسكونة، والإنسان يصبح كاهن هذا السر العالمي المسكوني“.
موضوعات يجب أن تكون مجال اهتمام كنيسة اليوم ثم قام ميشيل ستافرو بعد ذلك بطرح بعض الموضوعات التي يجب أن تكون مجال اهتمام كنيسة اليوم، أَلاَ وهي: وحدة المسيحيين، الحوار بين الأديان، الوقوف بجانب الإنسانية، البيئة والأخلاق الطبيعية. ثم أوضح أن الإجابة والتعامُل مع كل التحديات التي تواجه الكنيسة يجب أن يكون نابعاً من جدَّتها (جدَّة الكنيسة)، وهـذا يتطلَّب بالضرورة إعادة البحث عن الخبرة الرسولية، والضمير اللاهوتي، وجوهر الحياة الليتورجية؛ وذلك عن طريق ”الحضور النبوي في المجتمع الدنيوي“. كما أكَّد أيضاً في الختام على أنه ”لكي تنهل الكنيسة مـن القوة المذخرة في الإفخارستيا يجب عليها أن تحقِّق عملها كشاهدة على هــذه القوة بطرق مختلفة حسب حالة وطبيعة شعب الله“. موضوعات متنوعة وبعد ظهيرة 29 أكتوبر عُقِدَت - في وقت واحد - ثلاث دورات، تم من خلالها مناقشة الموضوعات الآتية: ”ليتورجية الأحد: مصدر لحياة متجددة دائماً“، ”ما هي نظرتنا للحب والجنس الآن“؟ ”السطحية، التوحُّد (كمرض نفسي يجعل صاحبه يحب الحياة وحده في انعزالية عن المجتمع)، المخدرات؛ ماذا نفعل في مواجهة ذلك كله“؟ كما ناقشت هذه الندوات موضوع وحدة الشركة بين الكنائس الأرثوذكسية فيما بينها، وذلك كنواة للتوحيد بين الكنائس المختلفة. وبجانب هذه الموضوعات الرئيسية كانت هناك موضوعات أخرى على هامش هذه الندوات، مثل: ”الكتاب المقدس هو كلام الله الحي“، ”هل نستطيع أن نصلِّي في عالمنا هذا“؟ ”الرعية“، ”الخبرة الرهبانية“، ”اللاهوت: هل هو لغة للخاصة“؟ ”رجال، نساء، أطفال؛ الكل مدعو للخدمة، كلٌّ حسب الموهبة المعطاة له“، ”بدايات الحياة، ما قبل الخلق وفترة عدم الخصوبة“، ”المرض، المعاناة، الموت“، ”العلم والإيمان“، ”لنتكلَّم عن الله لأولادنا“، ”التعليم الديني للصغار ما بين الأمس واليوم“، ”قبول المسيحيين الجُدُد في الكنيسة“، ”ما هو الإيمان؟ وكيف نشهد لإيماننا في عصرنا المادي“؟ ”الأرثوذكسية وحقوق الإنسان“، ”المسيحي كشاهد على وحدة الكنيسة“. مع الأطفال (شركاء في المؤتمر): وقد قام مسئولو التنظيم بالمؤتمر بتقسيم الأطفال الحاضرين (من سن 3 إلى 13 سنة) إلى مجموعات، وقامت هذه المجموعات بتقديم المزمور (145) بطرق مختلفة: فمنهم من قام بترتيله، ومنهم مَن قدَّم معانيه من خلال رسوم توضيحية، وآخرون من خلال الإشارات. وقد تحدث المطران اسطفان مع هؤلاء الأطفال، موجِّهاً انتباههم إلى بعض آيات المزمور وما تحويه من معانٍ روحية يمكن أن تساعدهم على النمو داخل الإطار الكنسي. (يتبع)
|