دعوة لتجديد العهد مع الله للذين فقدوا حرارة الروح الأولى


إنكار الذات وحمل الصليب

«إن أراد أحد أن يأتي ورائي فليُنكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني» (مت 16: 24).
كل الذين آمنوا بالمسيح قد صاروا تلاميذ في مدرسة الروح القدس، ومهمة الروح القدس الرئيسية هي أن يجعلنا أكثر فأكثر مُشابهةً للمسيح. وتستغرق هذه المهمة العمر كله، لأنها تعني، في الحقيقة، الصلب مع المسيح من خلال الخضوع الطوعي لمشيئته، وقبول الدخول من الباب الضيِّق والطريق الكرب الذي هو إنكار الذات وحَمْل الصليب.

ولم يُخْفِ الرب يسوع عن تلاميذه الذين يتبعونه ما تتطلَّبه تبعيَّتهم له من ضيق شديد ومعاناة إلى حدِّ إهلاك النفس من أجل تخليصها: «فإنَّ مَن أراد أن يُخلِّص نفسه يُهلكها، ومَن يُهلك نفسه من أجلي يجدها. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ أو ماذا يُعطي الإنسان فداءً عن نفسه؟» (مت 16: 26،25)

فاتِّباع المسيح يعني اجتياز الصليب مع المسيح. فينبغي على كل مسيحي أن يختبر هذا الطريق إن كان يُريد أن يذوق فرح القيامة والانتصار على العالم والذات. فلكي تحيا يجب أن تموت أولاً، ولكي تربح يلزم أن تخسر كل شيء أولاً! وهذا هو الاختبار الذي اجتازه بولس الرسول وعبَّر عنه قائلاً: «ما كان لي ربحاً، فهذا قد حَسِبْتُه من أجل المسيح خسارة. بل إني أَحْسِبُ كل شيء أيضاً خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي، الذي من أجله خسرتُ كل الأشياء، وأنا أحسبها نُفاية لكي أربح المسيح، وأُوجد فيه» (في 3: 7-9).

لذلك كان أول سرٍّ من أسرار الكنيسة هو المعمودية. فهي المدخل إلى المسيحية، لأنها هي الموت والدفن والقيامة مع المسيح: «أم تجهلون أننا كل مَن اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته، فدُفِنَّا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أُقيم المسيح من الأموات، بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً في جِدَّة الحياة. لأنه إن كنَّا قد صرنا متحدين معه بشِبه موته، نصير أيضاً بقيامته. عالمين هذا: أنَّ إنساننا العتيق قد صُلِبَ معه ليُبطَل جسد الخطية، كي لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية» (رو 6: 3-6).

فالمعمودية في ممارستها تستلزم منا التعرِّي من كل شيء وجحد الشيطان بكل عالمه وشهوته وظلمته، والاعتراف بالمسيح النور الحقيقي الآتي إلى العالم، حتى نحظى بالاتحاد معه بشبه موته بالدفن في ماء معموديته من أجل قبول قوة قيامته ”ولِبْس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البرِّ وقداسة الحق“ (أف 4: 24)، «لأن كلَّكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح» (غل 3: 27).

[فالمعمودية تضع المُعمَّد مرة واحدة وإلى الأبد داخل نطاق الرجاء، واضعاً الموت خلف ظهره والحياة الأبدية أمامه...](1).

لأن بالمعمودية ننال قوة الموت مع المسيح والقيامة معه سرّاً بالنعمة، ثم علينا أن نحيا ونُحقِّق ما نلناه بالفعل والسلوك العملي، وكلنا رجاء أننا قادرون أن نُكمِّل ما نلناه بالنعمة ”حاسبين أنفسنا أمواتاً عن الخطية، ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا“ (رو 6: 11).

ورغم أن إماتة الذات يجب أن تحتل المركز الأول والأهمية القصوى في حياة المسيحي، إلاَّ أنه من النادر جداً أن نجد أحداً قد وصل إلى هذه الدرجة من النضج الروحي في هذه الأيام. فأولئك الذين يمكن أن ندعوهم ”أتباع المسيح المصلوب“ هم نوع نادر الوجود في الكنيسة في هذا الزمان الحاضر، حتى بين الذين كان يجب أن يكونوا وارثين لأولئك الذين دُعيوا بالحقيقة ”لُبَّاس الصليب“. ومع ذلك فما زال كلام المسيح الذي جاء في الكتاب المقدس، والذي قاله منذ ألفي عام لازم التطبيق، حيث إنه بدونه لا يمكن أن نتبع المسيح ونحظى بالحياة الأبدية: «إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فليُنكر نفسه، ويحمل صليبه، ويتبعني» (مت 16: 24)، كما جاء أيضاً في (يو 12: 25،24): «الحق الحق أقول لكم: إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتَمُتْ فهي تبقى وحدها، ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير. مَن يحب نفسه يُهلكها، ومَن يُبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية».

من المعروف أن الأطفال عادةً مملوؤون من حب الذات والتمركز حول الذات والاعتداد بالذات، لأنهم لم ينضجوا بعد فكرياً وروحياً لكي يفهموا ما هو الموت عن الذات وإنكار الذات الذي يؤدِّي إلى الحياة. لذلك قال بولس الرسول: «أيها الإخوة لا تكونوا أولاداً في أذهانكم بل كونوا أولاداً في الشر. وأما في الأذهان فكونوا كاملين» (1كو 14: 20). ولكننا في أحيانٍ كثيرة نجد البعض منا يتصرفون مثل الأطفال في عدم نضجهم، لأنهم لم يبلغوا بعد النضج الروحي؛ إذ أنهم لم يحاولوا أن يموتوا عن ذواتهم، عملاً بوصية المسيح: «إن أراد أحد أن يأتي ورائي، فليُنكر نفسه، ويحمل صليبه، ويتبعني». أي أنه ينبغي علينا أن نُميت ذواتنا حاملين صليب موتنا عن الذات، ونسير في جنازة موتنا مع المسيح «الذي احتمل الصليب مُستهيناً بالخزي فجلس في يمين عرش الله» (عب 12: 2).

إن الموت الطبيعي لا يمكن دفعه أو تأجيله، ولكنه هو الوسيلة الوحيدة للتخلُّص من الجسد الفاني لانطلاق النفس لملاقاة باريها. فإذا كانت النفس قد استعدَّت بموتها عن ذاتها، فيا لسعادتها، فإنها ستلتقي بربِّها ومخلِّصها الذي سيأخذها لتكون معه في الفردوس. هكذا الموت عن الذات هو السبيل الوحيد لانطلاق النفس وتحرُّرها من قيود الإنسان العتيق، لبلوغ النصرة الكاملة على الخطية، والنضج الروحي، والتمتُّع بعشرة المسيح المُفرحة والوجود في حضرته: «عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلِبَ معه ليُبطَل جسد الخطية، كي لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية. لأن الذي مات قد تبرَّأ من الخطية. فإن كنا قد متنا مع المسيح نؤمن أننا سنحيا أيضاً معه» (رو 6: 6-8).

وإنه جديرٌ بنا، أيها الأحباء، أن نكون على وعيٍ كامل بأن إبليس في هذه الأيام الأخيرة قد بدأ بشنِّ هجومه بكل قوته ضد شعب الله. لقد أطلق إبليس العنان لشياطينه بكل أسلحتهم الفتَّاكة من أجل تدمير الأسرة والعلاقات بين البشر والاقتصاد العالمي، وكل أُسس الإيمان. لذلك يصرخ فينا بطرس الرسول مُحذِّراً ومُنبِّهاً: «اصحوا واسهروا لأن إبليس خصمكم كأسدٍ زائر يجول ملتمساً مَن يبتلعه هو. فقاوموه راسخين في الإيمان، عالمين أن نفس هذه الآلام تُجرَى على إخوتكم الذين في العالم» (1بط 5: 9،8). كما يُحذِّر بولس الرسول أيضاً قائلاً: «ولا تعطوا إبليس مكاناً» (أف 4: 27). وينصحنا أن نلبس سلاح الله الكامل لكي نقدر أن نثبت ضد مكايد إبليس، «فإن مصارعتنا ليست مع دمٍ ولحم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحية في السماويَّات» (أف 6: 12).

لذلك يقول يعقوب الرسول أيضاً: «قاوموا إبليس فيهرب منكم. اقتربوا إلى الله فيقترب إليكم» (يع 4: 8،7). والواقع أن إبليس هو مصدر كل شرٍّ في العالم، فهو الذي أدخل الموت إلى العالم، إذ يقول القداس الإلهي: ”والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس“. كما يشهد يوحنا الرسول قائلاً: «مَن يفعل الخطية فهو من إبليس، لأن إبليس من البدء يُخطئ. لأجل هذا أُظهِرَ ابن الله لكي ينقض أعمال إبليس» (1يو 3: 8).

والآن، قد جاء المسيح ونقض أعمال إبليس وكسر شوكة الموت وغلب الهاوية بقيامته المجيدة: «إذ محا الصكّ الذي علينا في الفرائض الذي كان ضدّاً لنا، وقد رفعه من الوسط مُسمِّراً إيَّاه بالصليب؛ إذ جرَّد الرياسات والسلاطين، أشهرهم جهاراً ظافراً بهم فيه» (كو 2: 15،14).

هذا ما أكمله المسيح من أجلنا، فما هو المطلوب منا أن نفعله لكي نجني ثمار ما عمله المسيح من أجلنا؟ هذا ما أجاب عليه بولس الرسول بقوله: «فإن كنتم قد قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله. اهتموا بما فوق لا بما على الأرض. لأنكم قد متُّم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله... فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض: الزنى، النجاسة، الهوى، الشهوة الردية، الطمع الذي هو عبادة الأوثان، الأمور التي من أجلها يأتي غضب الله على أبناء المعصية، الذين بينهم أنتم أيضاً سلكتم قبلاً حين كنتم تعيشون فيها. وأما الآن فاطرحوا عنكم أنتم أيضاً الكل: الغضب، السخط، الخبث، التجديف، الكلام القبيح من أفواهكم، لا تكذبوا بعضكم على بعض، إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه» (كو 3: 1-10).

إذا تعمَّقنا كلمات بولس الرسول هذه، فإننا نجد أنها صدى كلمات المسيح والتوقيع العملي لها. فهذا هو إنكار الذات وحمل الصليب واتِّباع المسيح لمَن يريد أن يأتي وراءه. فإن أردت أن تحيا فينبغي أن تُميت ذاتك، وإن أردت أن تربح ينبغي أن تترك كل شيء، فإنَّ «مَن يحب نفسه يهلكها. ومَن يُبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياةٍ أبدية» (يو 12: 25).

هذا هو المفتاح الرئيسي للحياة المسيحية المنتصرة في المسيح يسوع. فمَن يفعل هذا بقوة المسيح الساكن فيه والعامل فيه، فقد تحرَّر من كل مجاذبات الذات ورغباتها وشهواتها وكبريائها وغرورها ومحبتها للعالم والجسد والخطية.

فالمسيح «حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة، لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر» (1بط 2: 24). وهذا هو نفس ما عبَّر عنه بولس الرسول بقوله: «لأنكم قد متُّم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله». فالمسيح حينما حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة، متنا نحن معه إذ كانت حياتنا مستترة مع المسيح في الله، ولكن كان علينا أن «نموت (بإرادتنا) عن الخطايا فنحيا للبر» كقول بطرس الرسول.

لذلك أضاف بولس الرسول قائلاً: «الزنى، النجاسة، الهوى، الشهوة الردية، الطمع»، ثم أردف أيضاً قائلاً: «فاطرحوا عنكم أنتم أيضاً الكل: الغضب، السخط، الخبث، التجديف، الكلام القبيح من أفواهكم، ولا تكذبوا بعضكم على بعض؛ إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذي يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه».

ولعلنا نستطيع أن نُعدِّد بعض علامات إنكار الذات وحمل الصليب في الحياة اليومية، مع المسيح، وبمعونة روحه القدوس، في المواقف الآتية:

1. حينما ترى أخاك أو عدوك وقد نجح في مجالٍ سَبَق أن حاولتَ أنت فيه وفشلتَ، فلا تحسده بل تُسرُّ بنجاحه.

2. حينما يحصل شخص آخر على شيء كنتَ تتمناه لنفسك ولم تنله، فلا تغار منه بل تفرح له.

3. حينما تفعل شيئاً تستحق عليه الشكر والتقدير فيُقابَل عملك بالتجاهُل وعدم الاعتبار، فلا تحزن ولا تتمرَّر نفسك.

4. حينما لا تمتعض ولا تضطرب نفسك عندما تُحسَب مُخطئاً في خطأ لم تفعله.

5. حينما لا تتضايق ولا تغضب إذا نال شخص آخر كرامةً تظن أنك أنت الأَولى بها.

6. حينما تحتمل في صمتٍ شخصاً ظالماً أحببته وقدَّرته واحترمته، فلا يُبادلك نفس المشاعر.

7. حينما تُشتَم أو يُفتَرى عليك، فلا تصير حاقداً أو توَّاقاً للانتقام.

8. حينما تتقبَّل النقد أو التصحيح باتضاعٍ من شخص يصغرك سنّاً أو معرفة.

9. حينما تتقبَّل المديح والتكريم بدون غرور أو افتخار بسبب ما أُنجز بواسطتك بمعونة الله ونعمته لخير الآخرين.

10. حينما تستمر في محبتك وصفحك للآخرين الذين طالما بذلت لأجلهم من جهدٍ ووقتٍ وعطاء وصلوات، ولكنهم قابلوا كل ذلك بالجحود والقطيعة والمقاومة.

(يتبع)

(1) الأب متى المسكين، من كتاب: ”المعمودية - الأصول الأولى للمسيحية: أهمية المعمودية وعظم قيمتها“، ص 10.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis