دراسة كتابية


عن الإيمان والأعمال
القديسان بولس ويعقوب، هل هما ضدَّان؟
-6-

ثالثاً: الإيمان والأعمال في رسالة القديس يعقوب

ملخص الدراسة
أولاً: معنى الإيمان، الأعمال، النعمة، الخلاص (عدد سبتمبر 2008).
ثانياً: الإيمان والأعمال في رسائل القديس بولس (عدد أكتوبر 2008).
1. بين اختبار القديس بولس واختبار التلاميذ.
2. في ”بدء الخلاص“، عمل النعمة لا يتطلَّب غير الإيمان (عدد نوفمبر 2008).
3. في ”حياة الخلاص“، الإيمان يعمل (عدد ديسمبر 2008).
4. القديس بولس وأعمال الإيمان (عددا ديسمبر 2008 ويناير 2009).
ثالثاً: الإيمان والأعمال في رسالة القديس يعقوب.
رابعاً: القديسان بولس ويعقوب، خادما الإنجيل الواحد.

ثم نأتي إلى ما كتبه القديس يعقوب(1) في رسالته عن الإيمان والأعمال.

ورسالة القديس يعقوب هي ضمن الرسائل العامة (الكاثوليكون) أي الموجَّهة إلى الكنيسة الجامعة في كـل مكان، وليس إلى كنيسة بعينها، مثلها مثل رسالتي القديس بطرس ورسائل القديس يوحنا الثلاث ورسالة القديس يهوذا أخـي القديس يعقوب.

وقد كتب القديس يعقوب رسالته من أورشليم. والبعض يعتبرها أول ما كُتِبَ من العهد الجديد (ربما سنة 49م) بعد استشهاد القديس استفانوس مباشرة وانتشار اليهود الذين آمنوا خارج أورشليم تحت وطأة الاضطهاد من إخوتهم وقبل انعقاد مجمع أورشليم (سنة 50م) وقبل أن يكتب القديس بولس رسالتيه إلى غلاطية ورومية (سنتا 49، 57م على الترتيب).

ويرى آخرون مع هذا أن القديس يعقوب كتب رسالته حوالي سنة 60م (أو قبلها بقليل) بعد أن كتب القديس بولس رسالته إلى رومية (وقبلها رسالته إلى غلاطية)، وأن القديس يعقوب فيما عرضه في رسالته لعلاقة الأعمال بالإيمان، يراه البعض مُخالفاً لِمَا أورده القديس بولس.

ولكن يمكن القول - كما سيتضح فيما بعد - إن ما كتبه القديس يعقوب في هذا الصدد يأتي في سياق سلوكي تعليمي وليس جدلياً فكرياً كما في رسالتي القديس بولس إلى غلاطية ورومية. كما أن ما جاء في رسالة القديس يعقوب في مجال الإيمان والأعمال يتكامل ولا يتعارض مع ما جاء في رسالتي القديس بولس المذكورتين وغيرهما، خاصة أن ”الأعمال“ التي يستبعدها القديس بولس غير ”الأعمال“ التي يؤكِّد القديس يعقوب على أهمية دورها، والتي يشترك معه القديس بولس في الحثِّ عليها وفي حتمية اقترانها بالإيمان الحقيقي، ثماراً طبيعية لسُكنى الروح القدس في النفس المؤمنة(2).

الأصحاح الثاني من رسالة القديس يعقوب:

والحديث عن الإيمان والأعمال في رسالة القديس يعقوب القصيرة (التي تتكوَّن من خمسة أصحاحات فقط) لم يستغرق إلاَّ جزءاً من الأصحاح الثاني (يع 2: 14-26)، وجاء في سياق انتقاده لبعض السلوكيات السلبية في الكنيسة، وتوبيخه للمنحرفين الذين لم يتحرروا بعد من ميراث حياة الجسد التي عاشوها قبلاً (مهاجماً أخطاء اللسان، الغيرة والتحزُّب، شهوة الجسد، محبة المال والاستغلال) وحاثّاً على التوبة ومخافة الله.

وهو بَدَأَ الأصحاح الثاني هكذا: «يا إخوتي، لا يكن لكم إيمان ربنا يسوع المسيح رب المجد في المحاباة» (يع 2: 1)، وقد هاله أن البعض (ربما كان بينهم قادة الكنيسة) يُميِّزون بين أعضاء الكنيسة أثناء الخدمة، فيُحابون الأغنياء ويُكرِّمونهم ويحتقرون الفقراء ويهينونهم، ويُنكرون بذلك الإيمان: «إن كنتم تُحابون تفعلون خطية موبَّخين من الناموس كمتعدِّين. لأن مَن حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة، فقد صار مُجرماً في الكل...» (يع 2: 10،9).

من هنا تطرَّق القديس يعقوب إلى ارتباط الإيمان (بالمسيح) بالأعمال التي تشهد له: «أرني إيمانك بدون أعمالك، وأنا أُريك بأعمالي إيماني» (يع 2: 18).

فالإيمان لا يتفق والخطية، كما أن هناك فرقاً بين إيمان الكلام وإيمان العمل. فالأول لا جدوى منه (مثل محبة الكلام واللسان - 1يو 3: 18): «ما المنفعة، يا إخوتي، إن قال أحدٌ أن له إيماناً ولكن ليس له أعمال(3). هل يقدر الإيمان (البارد، الشكلي، الاسمي، الفاقد الفاعلية والحيوية) أن يُخلِّصه» (يع 2: 14).

وأيَّة خدمة مسيحية هذه إذا قيل لعريانين مُعتازين: «امضيا بسلام، استدفئا واشبعا» دون أن تعطوهما بالفعل حاجة الجسد (يع 2: 16،15). هذه خدمة وهمية لا علاقة لها بإيمان: «ربنا يسوع المسيح» (يع 2: 1)، والكلام المُنمَّق وحده لن يسدَّ أعواز أحد(4).

فالإيمان ليس هو مجرد كلام الشفاه ولا يكتفي بالاعتقاد والمعرفة أو يعني الانتماء الشكلي، فحتى «الشياطين يؤمنون ويقشعرون» (يع 2: 19)، ولكنهم رغم هذا الإقرار لا يزالون شياطين منذ سقوطهم، ولا رجاء في توبتهم وعودتهم ولا أمل. نعم، «إن الإيمان بدون أعمال ميت» (يع 2: 26،20)(5).

وهذا صحيح، فالإيمان السلبي الساكن الذي لا يُترجم إلى عبادة ومحبة واستجابة وفعل خير وخدمة ورفض للخطية وجهاد وتوبة وحمل للصليب ومناداة بالخلاص، لا يستحق اسمه، هو لا شيء، ميت، صفر؛ مثله مثل أعمال العبادة الشكلية التي هدفها إرضاء الذات والناس. فالإيمان الحقيقي الجدير بهذا الاسم هو الإيمان العامل (غل 5: 6)، والأعمال الحقيقية الجديرة بهذا الاسم هي أعمال الإيمان وثماره (1تس 1: 3).

وفي مَثَل الابنين الذي ساقه الرب (مت 21: 28-32)، فالابن الذي تعهَّد بالعمل في كرم أبيه ولكنه لم يمضِ، لم يأخذ شيئاً لأنه لم يُحقِّق إرادة أبيه. أما الابن الذي تقاعس في البداية ورفض العمل ثم ندم أخيراً ومضى، قَبِله أبوه. فالأمر ليس مجرد النوايا والتعهُّدات الكلامية مهما بولغ فيها، وإنما التنفيذ والعمل الفعلي هو الجدير حقاً بالتقدير والمكافأة.

والقديس يعقوب في تدليله على ضرورة أن يكون الإيمان عملياً، استخدم مثلين من العهد القديم، هما: إبراهيم، وراحاب الزانية. فيقول عن الأول إنه أكمل الإيمان بالأعمال (يع 2: 22): «إذ قدَّم إسحق ابنه على المذبح» حسب أمر الله «وتمَّ الكتاب القائل: فآمن إبراهيم بالله فحُسِبَ له برّاً(6)، ودُعِيَ خليل الله» (يع 2: 23،21).

ويقول عن راحاب إنها رغم حياتها الدنسة السابقة (يش 2: 1)، أعلنت إيمانها بالله، وقد برهنت عليه بأن «قَبِلَت الرسل وأخرجتهم في طريق آخر» (يع 2: 25)(7).

وهو يختم هذا الأصحاح بالقول: «تَرَون إذاً أنه بالأعمال (أيضاً) يتبرر الإنسان، لا بالإيمان وحده (بدون أعمال)» (أي يتبرر الإنسان بالإيمان الحقيقي الذي تُبرهن عليه أعماله)، «لأنه كما أن الجسد بدون روح ميت، هكذا الإيمان أيضاً بدون أعمال ميت» (يع 2: 26،24). فالأعمال هي روح الإيمان الحي كما أن الإيمان هو روح الأعمال الأمينة المقبولة في نظر الله، وبانفصال الإيمان عن الأعمال أو العكس يموت كلاهما.

وهو إذا كان ينفي أن الإنسان يتبرر بواسطة إيمان شكلي مجرد من الفاعلية، فهو في ذات الوقت لا يمكن أن يقصد أنه يتبرر بأعمال أو ممارسات مقطوعة الصلة بالإيمان بالمسيح (أي بالأعمال وحدها). والمؤمن الحقيقي يثق أنه مهما فعل كل بر، فليس خلاصه بأعماله، وإنما هو بدم المسيح(8).

(يتبع)

دكتور جميل نجيب سليمان


(1) القديس يعقوب يُرجِّح البعض أن يكون هو يعقوب بن حلفى أو يعقوب الصغير (مر 15: 40) أحد الاثني عشر (مت 10:3؛ مر 3: 18؛ لو 6: 15)، وأخو يهوذا (يه 1: 1) (أو لبَّاوس الملقَّب تدَّواس - مت 10: 3؛ مر 3: 18). وقد دُعِيَ أخا الرب (مت 13: 55؛ مر 6: 3؛ 15: 41؛ غل 1: 19) مثله مثل أخيه يهوذا بن حلفى (مت 3: 55؛ مـر 6: 3). وقد ظهر له الرب ظهوراً خاصاً بعد قيامته (1كو 15: 7). وبعد استشهاد القديس يعقوب ابن زبدي (أع 12: 2) صـار القديس يعقـوب أول المتقدِّمـين الثلاثـة في الكنيسـة = = الأولى المعتبرين أعمدة: «يعقوب وصفا ويوحنا» (غل 2: 9) ورئيس المجمع الأول (أع 15: 13-21) كأول أسقف لأورشليم التي لم يُغادرها حتى استشهاده سنة 62م، إذ ألقاه اليهود من فوق جناح الهيكل، ثم هشَّموا رأسه بعد ارتطامه بالأرض.
(2) مجلة مرقس، عدد ديسمبر 2008 - ص 32؛ وعدد يناير 2009 - ص 39.
(3) القديس يعقوب لا يقصد هنا بالطبع ”أعمال الناموس“ التي انتهى مجمع أورشليم الذي كان يرأسه إلى عدم جدواها، لليهودي أو الأُممي، لاقتبال الخلاص (أع 15: 20،19)، والتي سقطت مع ما تدَاعَى من رموز العهد القديم، وإنما يقصد أعمال الإيمان الحي. والقديس يعقوب يستخدم تعبير ”الناموس الكامل“ ناموس الحرية (يع 1: 25)، و”الناموس الملوكي“ (يع 2: 8) مقابل ناموس العهد القديم.
(4) وهو ذكر في الأصحاح السابق أنه لا يكفي سماع الكلمة، وإنما أيضاً العمل بها وإلاَّ فسوف تُنسَى مع الوقت. بالضبط، كمَن ينظر صورة وجهه في مرآة، ولكن بمجرد أن يتحرك من أمامها تختفي صورته (يع 1: 22-24).
(5) في تعاليم المسيح نماذج كثيرة لهذا المنطق الذي يحث على التعلُّق بالجوهر: «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه» (مت 16: 26؛ مر 8: 36؛ لو 9: 25)؛ «اعملوا لا للطعام البائد، بل للطعام الباقي للحياة الأبدية» (يو 6: 27)؛ «الروح هو الذي يُحيي، أما الجسد فلا يفيد شيئاً» (يو 6: 63)؛ «ليس كل مَن يقول: يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات، بل مَن يفعل إرادة أبي الذي في السموات» (مت 7: 21).
(6) في الحقيقة أن الكتاب سجَّل هذه الآية: «فآمن إبراهيم بالرب، فحسبه له برّاً» (تك 15: 6)، لأن إبراهيم صدَّق وعد الله له أن يصير نسله كنجوم السماء، ليس من لعازر الدمشقي، بل من ابنٍ من صُلبه رغم شيخوخته هو وامرأته سارة (تك 17: 17؛ 18: 12؛ رو 4: 19-22)، وذلك قبل سنوات كثيرة من تقديم إسحق على المذبح طاعة لأمر الله (تك 22: 2،1). والمقصود هنا أن إيمان إبراهيم الذي حُسِبَ له برّاً لم يكن إيماناً بالكلام (ولو لم يكن له عمل ظاهر)، وإنما إيماناً حقيقياً برهن عليه عملياً فيما بعد بتقديم إسحق - ابن الموعد - ذبيحة (تك 22: 3-14) دون تساؤل أو اعتراض رغم أن ذلك يتناقض بصورةٍ ما مع وعد الله القديم أن يأتي النسل الكثير من إسحق (تك 17: 19)، إذ كيف يتحقَّق الوعد مع موت مَن سيتحقق به الوعد؟ ولكن إبراهيم مع هذا أطاع ولم يُجادِل. وإذ عَبَرَ التجربة وتزكَّى إيمانه من جديد، أكَّد له الرب من جديد قسمه القديم (تك 22: 15-18).
(7) ولكن راحاب أكَّدت إيمانها بالله بقولها للجاسوسين بعد أن أخفتهما عن أعين الجنود: «علمتُ أن الرب قد أعطاكم الأرض، وأن رُعبكم قد وقع علينا، وأن جميع سكان الأرض ذابوا من أجلكم، لأننا قد سمعنا كيف يبَّس الرب مياه بحر سوف (البحر الأحمر) قدَّامكم عند خروجكم من مصر، ومـا عملتموه بملِكَي الأموريين اللذيـن في عَبْر الأردن: سيحون وعوج، اللذين حرَّمتموهما، سمعنا فذابت قلوبنا ولم تبقَ بعد روحٌ في إنسانٍ بسببكم. لأن الرب إلهكم هو الله في السماء من فوق وعلى الأرض من تحت» (يش 2: 9-11). ثم أطلقت الجاسوسين من كوَّة في السور وأرشدتهما إلى طريق آمِن. وبإيمانها نجت هي وعائلتها من الموت عند دخول بني إسرائيل أريحـا التي احترقت كلها بالنار «واستحيا يشوع راحاب الزانية وبيت أبيها وكـل ما لهــا، وسكنت في وسط = = إسـرائيل إلى هـذا اليوم، لأنها خبَّأت المُرسلَيْن اللذين أرسلهما يشوع لكي يتجسَّسا أريحا» (يش 6: 25). وقد كرَّم الله راحاب بأن صارت في سلسلة الأنساب التي أدَّت إلى «ميلاد يسوع المسيح ابن داود» (مت 1: 1). فهي ولدت بوعز جدَّ يسَّى أبا داود النبي والملك (مت 1: 6،5).
(8) والمصلِّي في الخدمة الثالثة من صلاة نصف الليل، يقول متشفِّعاً في محبة الخلاص ورحمته:”بعين متحننة يا رب، انظر إلى ضعفي. فعمَّا قليل تفنَى حياتي، وبأعمالي ليس لي خلاص. لهذا أسأل بعين رحيمة يا رب، انظر إلى ضعفي وذلي ومسكنتي وغربتي ونجِّني... فإنك محب البشر وحدك“. وعلى أي حال فإنه إذا كان لا يليق الاعتداد بالأعمال الصالحة، فلا ينبغي التحرُّج من ذِكرها إذا اقتضى الحال، لأنها - من قبل ومن بعد - تنتسب إلى عمل الروح القدس في المقام الأول، والمؤمن هو مُشارِك في العمل مع الله (1كو 3: 9) الذي سبق فأعدَّها له لكي يسلك فيها.
This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis