|
أواخر الأيام
وحياة الدهر الآتي
|
|
|
ما هي أواخر الأيام Eschatology:
إن تدبير الله لخلاص البشرية الذي بدأ بمجيء ابن الله متجسِّداً لم يكتمل بعد، وقد علَّمنا المسيح عن اكتمال استعلانه في الدهر الآتي. والموضوعات المختصة لِمَا بعد الموت هي كالآتي: خلود النفس، المجيء الثاني للمسيح، قيامة الأجساد، الدينونة العامة للبشر، وبدء حياة الدهر الآتي.
والكلام المختص بأواخر الأيام هو الكلام عن كل ما يختص بحياة الدهر الآتي كما هو مُستعلَن في الكتاب المقدس، وكما هو مشروح في فكر أجيال المُفسِّرين مـن آبـاء الكنيسة، وكما يُمارَس في الصلوات الليتورجية المتصلة بهذا الموضوع.
ما بين المجيء الأول للمسيح،
وبين مجيئه الثاني:
ماذا يحدث بين ”الآن“ أي عصر تدبير الخلاص الذي ابتدأه وعمله المسيح، وها نحن نعيشه ونُمارسه؛ وبين ”النهاية“ المزمعة أن تكون؟ هذا هو مجموع الموضوعات التي تُسمَّى أحياناً: الأحداث الأخيرة أو الأُخرويات، والتي تُشير إليها الأسفار المقدسة بأسماء مختلفة، مثل: ”الأيام الأخيرة“ (إش 2: 2؛ ميخا 4: 1)، أو ”الأزمنة الأخيرة“ (1بط 1: 20)، أو ”الساعة الأخيرة“ (1يو 2: 18).
+ وفي العهد القديم كانوا يفهمون كلمة ”الأيام الأخيرة“ بأنها الأيام السابقة لمجيء ”المسيَّا“ أي ”المسيح“، ثم تأتي بعد ذلك نهاية العالم (أع 2: 17؛ يو 6: 39-54).
+ أما في العهد الجديد، فقد شهدت أسفار العهد الجديد لمجيء المسيَّا الذي هو يسوع المسيح. أما نهاية العالم، فالمؤمنون بالمسيح يعيشون خلاصهم بالمسيح في انتظار وتوقُّع ”الأيام الأخيرة“، والتي ستبدأ بالمجيء الثاني للمسيح في آخر زماننا هذا الذي نعيشه (كما ورد في 2تي 3: 1؛ 1بط 1: 5).
+ لذلك فهناك دائماً في الإنجيل تمييز بين ”هذا الدهر“ الذي نعيشه الآن، وبين ”الدهر الآتي“ الذي ننتظره ونترجَّاه. وفي أحد أحاديث المسيح، يوضِّح بجلاء أن الذين يرذلون عمل الروح القدس، فهؤلاء لن يجدوا السلام ”لا في هذا الدهر، ولا في الدهر الآتي“ بسبب عدم مغفرة خطيتهم هذه (مت 12: 32).
+ والخلاص كما بشَّر به الرسل هو الحَدَث الذي يحسُّ به المؤمن هنا ويختبره بـ ”الإيمان“، بينما ينتظر ويترجَّى اكتماله بـ ”الرجاء“ في الدهر الآتي.
فحياة المؤمن يحياها الآن بين زمن عمل المسيح ابن الله المتجسِّد في العالم الحاضر، وبين ما سيعمله بدءاً بمجيء المسيح الثاني (2تس - أصحاح 2 كله؛ رؤ 1: 1-8).
+ فالمؤمن يحيا الحياة الجديدة بالإيمان الآن في هذا الدهر (رو 6)، بينما يتذوَّق - بالرجاء - عربون الحياة الأبدية ويتمسَّك بها: «أَمسِكْ بالحياة الأبدية التي إليها دُعيتَ» (1تي 6: 12)، «مَن يؤمن بابن الله فعنده الشهادة في نفسه... وهذه هي الشهادة: أن الله أعطانا حياة أبدية، وهذه الحياة هي في ابنه» (1يو 5: 11،10).
والقديس بولس، وهو يُقارن بين التمرينات البدنية وبين التدريبات الروحية من أجل التقوى، يُوصي تلميذه ”تيموثاوس“ الأسقف أن يُمرِّن نفسه، أي يتحكَّم في نفسه، من أجل التقوى: «التقوى نـافعة لكـل شيء، إذ لها مـوعد الحياة الحاضرة والعتيدة (أي المزمعة أن تكون)» (2تي 4: 8).
هذا الرجاء في حياة الدهر الآتي
سُجِّل في قانون الإيمان:
فقد ختم قانون الإيمان (الذي تقرَّر في مجمع نيقية عام 325م، وأُكمِل في مجمع القسطنطينية عام 381م) بنود الإيمان بهذا النص: ”وننتظر (أي ”ونترجَّى“) قيامة الأموات، وحياة الدهر الآتي. آمين“. وقد سبق هذه الخاتمة بالنص في البند المختص بحياة المسيح بقوله: ”وسيأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات“.
غموض المستقبل فيما وراء القبر، وعدم
لياقة الجسارة في اقتحام حُجُب المستقبل:
وقبل أن نخوض في تفاصيل هذه الموضوعات، لابد أن نُذكِّر أنفسنا بأن العقل البشري المُقيَّد بالزمن، غير مؤهَّل لأن يفحص ويتكلَّم عمَّا لم يحدث بعد. فعقولنا وهي تفكِّر الآن، وهي محدودة بالزمان والمكان؛ لا يصح أن تفحص ما هو في الأبدية. فعقولنا المُقيَّدة بالزمن لا ترقَى إلى درجة معرفة المستقبل.
+ لذلك، فلا يمكن لأي عين بشرية أن تخترق حُجب المستقبل. العقل يستطيع فقط أن يُخمِّن. العاطفة والتخيُّل يمكنهما أن يحلما أو يتخيَّلا المستقبل. ولكن لابد من اتضاع النفس البشرية المحدودة في معرفتها أمام زمن المجيء الثاني للمسيح.
اقرأ عن وجوب اتضاع المؤمنين أمام أمور الأيـام الأخيرة (مت 24: 36؛ مر 13: 23؛ أع 1: 7،6): «فقال لهم: ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه؟».
+ والأرثوذكسية، وهي على علم بالحدود المستعصية على العقل البشري، توصي بأنه ليس أفضل من أن ننصت بانتباه للأسفار المقدسة التي تشهد للوعود الإلهية عن الأزمنة الأخيرة، والتي أجمع الآباء على أن نقرأها بقياس الإيمان. وقد كتب القديس إيرينيئوس أبو التقليد الكنسي في القرن الثالث، وهـو يُعلِّق على الرقم 666 المخفي معناه والوارد في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي 13: 18 وصفاً للوحش:
[إنه أكثر أماناً وأقل خطراً، أن ننتظر تحقيق النبوَّة، من أن نُخمِّن أو نستنبط أو نستخرج](1).
+ وقد حدث أن الكثيرين من الناس فقدوا ثقتهم في التفسيرات المختلفة عن تحديد تواريخ معاصرة لبعض أحداث المستقبل كاسرين بمنتهى الجرأة حاجز غموض المستقبل، ثم حلَّت التواريخ المزعومة ولم يحدث تحقيق لأي أمر من أمور المستقبل المذكورة. وقد أدَّى الترويج لهذه التحديدات في نفوس الذين صدَّقوها إلى تجريد الحياة الحاضرة من أهميتها، أو تسفيه الحياة الزمنية الأرضية، أو تنمية خدعة الهروب من مسئوليات الحياة اليومية لدى قارئي هذه التفسيرات بزعم اقتراب نهاية العالم.
+ أما التعليم الصحيح حول أمور الأزمنة الأخيرة، فهو يحضُّ على الإيجابية، كما نقرأ في الأصحاح 15 من الرسالة الأولى إلى كورنثوس الذي يتحدث كله عن قيامة الأجساد في الدهر الآتي، وبالرغم من هذا يُوصي القديس بولس: «إذاً، يا إخوتي الأحباء، كونوا راسخين غير متزعزعين، مُكثرين في عمل الرب كل حين، عالمين أن تعبكم ليس باطلاً في الرب».
+ ومن بين أمثلة التعليم الباطل بخصوص الأُخرويات الادِّعاء بأنَّ عند صاحبه مفاتيح لتفسير معاني الأحداث المعاصرة كأنها تحقيق للنبوَّات القديمة عن الأيام الأخيرة، وإيهام الناس بتطبيق هذه النبوَّات على أحداث الزمان المعاصر، ما يدعو الناس إلى السلبية أو الخوف من المجهول أو كُره الحياة الإنسانية الحاضرة.
+ كل هذا يدعونا بالأكثر إلى التزام الخشوع والاتضاع ونحن نقرأ نبوَّات الزمان الأخير، مُركِّزين على الرجاء في المسيح الذي سيُكمِّل خلاصنا في الدهر الآتي.
ليكن الكتاب المقدس هو المرشد:
إن شهادة الكتاب المقدس في هذه الأمور تظل هي المرشد لنا لتُلزمنا بحدود فهم ما نقرأه حينما تتكلَّم النبوَّة بالأوصاف المجازية ما لا تستطيع أذهاننا أن تكشف مغزاه. وقد استعار القديس بولس من سفر نبوَّة إشعياء 64: 4 هذه الكلمات: «”ما لم تَرَ عين، ولم تسمعْ أُذن، ولم يخطرْ على بال إنسان“ ما أعدَّه الله للذين يحبونه، فأعلنه الله لنا نحن بروحه» (1كو 2: 9)، وذلك حينما عجز - باللغة البشرية القاصرة - عن وصف ما رآه وسمعه في اختطافه إلى السماء الثالثة.
+ ويجب أن نعرف أن الغرض من شهادات الكتاب المقدس عن أحداث المستقبل، ليس الوصف بالتفاصيل المحددة الدقيقة لِمَا سيحدث، بل فقط من أجل التعزية والتشجيع، وبثُّ الرجاء في انتظار ما أعدَّه الله لنا في المستقبل، كما ينصح القديس بطرس قارئي رسالته: «فبما أن هذه كلها (عناصر هذا العالم) تنحلُّ، أيَّ أُناس يجب أن تكونوا أنتم في سيرة مقدسة وتقوى» (2بط 3: 11).
التعامُل مع الكلمات عن الأحداث الأخيرة
يكون بمقياس الإيمان:
فنحن نتعلَّم عن مستقبل الشركة بين الله والإنسان عمَّا أكمله الله في الماضي وما يعمله الآن في الحاضر. بينما بمقياس الإيمان نقرأ عن تكميل خلاصنا في المستقبل. فالإيمان يرجو تكميل ما لم يكتمل بعد والمؤجَّل إلى الأبدية، ولكشف ما لا يزال غامضاً بعد، وللانتصار على الذي ما يزال يُنازعنا هنا الآن في هذا الدهر، ولاستيضاح الرؤية لِمَا ما يزال غير واضح أمام أعين إيماننا هنا الآن. وهذا هو عمل الرجاء.
لماذا معرفة المستقبل شحيحة جداً الآن؟
هناك سبب مختص بالتدبير الإلهي: لماذا تُرك عقلنا المحدود يحيا بالإيمان أكثر منه بالعيان. إنه مكتوب: «مجد الله (في) إخفاء أمر» (أم 25: 2). إن دراسة المستقبل والعلم به يبقيان بحسب حكمة الله مخفياً، الأمر الذي يتطلَّب منا وداعة واتضاع العقل، وليس بالانتفاخ بالادِّعاء الكاذب بالمعرفة التفصيلية لِمَا وراء المنظور، وهو عمل يقوم به البعض تحت إحساس خفي بقداسة شخصية أعلى من باقي البشر. ولكن الكتاب المقدس يُعلِّمنا أن رؤية المخفيات لا يمكن أن تتحقَّق في ظل استمرار محدودية عقلنا البشري بحدود الزمان والمكان.
+ الخطية الأولى للبشرية كانت محاولة اختراق المعرفة المُحرَّمة (تك 2: 17). وستظل معرفة المستقبل تحت التحريم طالما الوعي الإنساني ما زال واقعاً تحت حتمية خداع الزمن.
+ حينما اجتمع التلاميذ بالمسيح القائم من الموت، «سألوه قائلين: يا رب، هل في هذا الوقت تردُّ المُلْك إلى إسرائيل؟». وهنا أجابهم الرب بآخر كلماته من فمه المبارك قبل مغادرته الأرض، وقد سجَّلها القديس لوقا هكذا: «ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه» (أع 1: 7،6). وباتِّباع هذا التعليم من فم المسيح - له المجد - فإن اكتمال أحداث الزمان الأخير سيتم مـن خـلال الاتضاع المقترن بالرجاء، دون أيـة تخمينات وتخيُّلات مُسبقة منا.
+ الإيمان هو أن نحيا الرجاء، راضين مكتفين بما نعرفه بالإيمان، مستغنين عمَّا لا نقدر أن نعرفه بالعيان، باحثين في الكتاب المقدس عمَّا تفضَّل الله واكتفى بإعلانه لنا. ومع كل هذه المحدودية في معرفة المستقبل، فإنَّ الإيمان الماسك بالرجاء في وعود الله بخصوص الأُخرويات ستبقى للمؤمنين مصدراً خصباً للتأمل والاندهاش والتعزية في أعمال الله العظيمة للخلاص.
+ ودراسة وعود الله والإيمان بها تحمل بركة ممتازة لذوي الرجاء في الدهر الآتي: «طوبى للذي يقرأ، وللذين يسمعون أقوال النبوَّة، ويحفظون ما هو مكتوب فيها، لأن الوقت قريب» (رؤ 1: 3).
(يتبع)
(1) Ad Her., V 30.3; ANF, Vol. I, p. 559.
