تدبير الروح القدس
الحياة الباطنية للكنيسة
- 2 -
حياة الصلاة والعبادة


حياة الصلاة
- 3 -
الرهبنة القبطية في الصحراء
معقل حياة الصلاة

حياة التقوى في الشعب القبطي في المدن،
تمهيد لعهد الرهبنة القبطية في الصحراء:

كيف بدأت الرهبنة؟

لقد نشأت فكرة الرهبنة في أواخر القرن الثالث، حينما خرج بعض المسيحيين من قُراهم تاركين ممتلكاتهم وبيوتهم لكي يعيشوا على أطراف المدينة أو القرية، بقصد ممارسة الحياة المسيحية بطريقة أقرب إلى مشيئة الله، بعيداً عن كل نوع من أنواع المهادنة مع محبة العالم. وقد ازدادت هذه الحركة حوالي القرن الرابع، حينما انتهت الاضطهادات في الإمبراطورية الرومانية، وأصبحت المسيحية هي الديانة السائدة والمسموح بها بل والمُفضَّلة على سائر الديانات الوثنية.

ومن بين هؤلاء النازحين كان القديس أنطونيوس (251-356م)، الذي ترك قريته في أواسط مصر (قمن العروس - بني سويف)، وباع أرض ميراثه عن والده ووزَّع ثمنها على الفقراء، وخرج ليعيش بقرب النهر، ثم توغَّل شرقاً في الصحراء، حيث اجتمع حوله مريدون وتلاميذ يريدون أن ينهجوا السبيل الذي اختطَّه. وعلى مثال أنطونيوس، خرج باخوميوس، ثم مقاريوس، ثم باقي آباء الرهبنة العظام الذين حوَّلوا الصحاري والجبال من الإسكندرية شمالاً إلى أسوان جنوباً، إلى قلاع للحياة الروحانية الأصيلة.

مضمون الحياة الرهبانية:

كلمة "راهب" ليست هي الترجمة الحرفية للوصف الذي وصف به القديس أثناسيوس الرسولي (تلميذ القديس أنطونيوس والمعاصر له) القديس أنطونيوس، فقد وصفه بأنه "تارِك العالم" أو "النازح من العالم" anachoresis.

فالرهبنة هي أولاً "خروج" و"نزوح" من المجتمع المدني، ولكنها أيضاً "دخول إلى" و"غزو" للبرية، وذلك للجهاد الروحي ضد النفس وشهواتها في حضن السكون والهدوء اللذين تتميز بهما البرية أو الصحراء، وبعيداً عن اهتمامات الحياة الدنيوية وحتمياتها. ولكن هذا "الخروج" يجب ألاَّ يكون مجرد خروج "بالجسد" فقط، لكن الخروج من العالم يعني أولاً أن النفس يجب أن تكفَّ عن الخضوع للجسد، كما يقول مار إسحق السرياني (القرن السابع الميلادي):

[حينما تسمع عن جحد العالم أو عن هجر العالم أو التطهُّر من العالم، فلابدَّ لك أن تتعلَّم وتعرف أولاً معنى كلمة "العالم". فالعالم هو الطريقة الجسدانية للحياة والذهن الجسديَّيْن. وإنكار العالم يتضح من هذين التغييرين: تغيير طريقة الحياة، واختلاف الدوافع الذهنية].

لذلك يُحذِّر الآباء من الظن بأن "المكان" هو الذي يجعل الإنسان بمنأى عن الشر. لكن إطاعة دعوة الله ووصاياه هي التي تُخلِّص. فالخروج من العالم كدعوة من الله، هو الخروج الصحيح من أجل هدف إطاعة الله والحياة بحسب مشيئته، مثلما أن الوجود في العالم يمكن أن يكون لعموم المسيحيين مجالاً للحياة المسيحية الصادقة والأمينة لإطاعة دعوة الله للقداسة والحياة بحسب مشيئته.

لذلك، فالراهب كنازحٍ من العالم، يخرج من العالم ليُحارِب المُحاربة الحسنة ضد نفسه والشيطان والخطية. فهذا النزوح هو غزو لتحرير الخليقة من العبودية للشيطان. وقد نجح الرهبان الأوائل في تحويل "البرية"، التي كانت معتَبَرة أنها "معقل" للشيطان، إلى مدينة؛ كما وصف القديس أثناسيوس البرية فَرِحاً بامتلائها بالرهبان: "الصحراء تحوَّلت إلى مدينة الرهبان الذين فيها".

وفي وثيقة قديمة عن الرهبنة في مصر، تُسجِّل أن الرهبان الذين التفُّوا حول ناسك اسمه "أبوللو" كانوا يُشبهون جيشاً من الملائكة، وأنَّ من خلالهم تحقَّقت نبوَّتان من العهد القديم: "تفرح البرية والأرض اليابسة، ويبتهج القفر ويُزهر كالنرجس" (إش 35: 1)، "ترنَّمي أيتها العاقر التي لم تلد، أشيدي بالترنُّم أيتها التي لم تَمخَض، لأن بني المستوحشة (العانس) أكثر من بني ذات البعل (الزوج)" (إش 54: 1). ويقول مؤلِّف الوثيقة إن هاتين النبوَّتين تحقَّقتا بالصحراء التي أثمرت روحياً بالرهبان، بينما باقي أرض مصر كانت سابقاً غير طاهرة مثل باقي الأُمم(1). وقد ردَّد مثل هذا الوصف لصحاري مصر، القديس يوحنا ذهبي الفم في عظته الثامنة. أما القديس بروكوبيوس من غزة (475-538م)، فقد اتخذ نفس هاتين النبوَّتين (إش 35: 1؛ 45: 1) ليُظهِر أن "الآب أخضَع الصحراء للمسيح". وهو يقصد إخضاع القُوى الشيطانية للمسيح في الأماكن التي كان يُعتقد قديماً أنها تحتل الصحاري والأماكن التي بلا ماء. وهذا هو صميم عمل الكنيسة الكرازي: "إخضاع كل شيء للمسيح".

وهكذا أصبحت "مدينة الصحراء الرهبانية" هي ميدان حرب روحية بين الرهبان والشيطان والقُوى الشريرة، يُحقِّقون فيها انتصار المسيح القائم من بين الأموات عليها، بدوام صمودهم ومثابرتهم على الحياة الرهبانية بكل معاناتها وجهادها.

على أن حياة الرهبنة التي عاشها هؤلاء الروَّاد الأوائل، بدأت - منذ البداية - تتبلور حول الصلاة التي يُصليها الراهب. وقد تمحورت حياة الصلاة هذه حول وصية المسيح: "ينبغي أن يُصلَّى كل حين ولا يُملُّ" (لو 18: 1)، "أَفَلاَ ينصف الله مختاريه الصارخين إليه نهاراً وليلاً وهو مُتمهِّل عليهم، أقول لك: إنه يُنصفهم سريعاً" (لو 8: 8،7).

وقد نهج الرسل والمسيحيون الأوائل هذا النهج، ويوصي القديس بولس مسيحيي "تسالونيكي": "صلُّوا بلا انقطاع" (1تس 5: 17). هذه الوصايا المختصرة التي أكَّد عليها المسيح والرسل كان المؤمنون يُمارسونها مما أثَّر على سموِّ حياتهم، وجعلهم يستطيعون الصمود أمام الضيقات العنيفة التي صادفتهم. وهكذا الأمر أيضاً مع مسيحيي الأجيال الأولى التي عانت من الاضطهاد الرسمي الذي شنَّته عليهم الدولة بقسوة شديدة على مدى ثلاثة قرون متوالية.

لذلك، فحينما كفَّ الاضطهاد بناءً على مرسوم ميلان الذي أعطى السماح لكل الديانات بممارسة طقوسها بحرية في أوائل القرن الرابع، كانت الرهبنة قد تأسَّست على حياة الصلاة الدائمة، واستمرت تمارسها حتى سلَّمتها إلينا نحن العائشين في زماننا هذا. وقد عبَّر التقليد الرهباني باختصار عن هذا الاختبار بأحد أقوال آباء البرية: "الراهب الذي يُصلِّي فقط حينما يقف للصلاة، ليس بالحقيقة يُصلِّي"(2).

كيف طبَّق الرهبان وصية الصلاة كل حين وبلا انقطاع؟

ظن البعض أن هذه الوصية تُطبَّق بممارسة الصلاة الصوتية بالفم، بينما الإنسان واقف في مواضع الصلاة، الأمر الذي يستدعي استبعاد كل نشاط آخر يقوم به الإنسان يُعيقه عن هذه الصلاة. هؤلاء البعض كانوا من نواحي سوريا وسمُّوا أنفسهم "المُصلِّين"، وقد حاولوا أن ينشروا أفكارهم هذه بين الرهبان المصريين في مصر، بأن يُثنوهم عن عمل أيديهم الذي به يقتاتون، مما يجعلهم يعتمدون اعتماداً كلِّياً في سدِّ احتياجاتهم المادية على تقدمات المؤمنين في العالم.

ولكن سرعان ما شجبت الكنيسة سوء الفهم هذا، لأنه يجعل من الحياة الرهبانية عالة على تقدمات الآخرين. وهكذا شدَّد التقليد الرهباني على أن أي راهب، متوحِّداً كان أو مجمعياً (أي يسكن مع الإخوة في مجمع الدير) يجب أن يعول نفسه، لا أن يُعال من الآخرين. وليس المقصود هنا انشغال الرهبنة بالخدمات التي تدرُّ إيراداً مثل: المدارس والمستشفيات والملاجئ، ولكن على المستوى الفردي أنَّ كل راهب يقوم بعمل يدوي، حتى من ثمن بيع هذا العمل يُقيت نفسه، بل ويُقيت الفقراء والمرضى الذين لا يقدرون على العمل ليُقيتوا أنفسهم، تحقيقاً لوصية المسيح: "طوبى للرحماء لأنهم يُرحمون" (مت 5: 7).

القديس أنطونيوس هو أول من رسم طقس الصلاة والعمل:

وأول خبر في "أقوال آباء البرية" يؤكِّد بوضوح على هذا الطقس في حياة الراهب اليومية، في سيرة القديس أنطونيوس:

[وكان يوماً جالساً في قلايته، فأتت عليه بغتة روح صغر نفس وملل (acedia = ضيق، قنوط، حزن، ظلمة الأفكار، وهي التي تدفع الرهبان إلى الخروج من الدير)، وضاق صدره. فبدأ يشكو إلى الله ويقول: "يا ربُّ، إني أحب أن أخلُص، لكن الأفكار لا تتركني، فماذا أصنع؟" وقام من موضعه وانتقل إلى مكان آخر وجلس. وإذا برجل جالس أمامه... وكان جالساً يضفر الخوص. ثم قام مرة ثانية ليُصلِّي، ثم جلس ليشتغل في ضفر الخوص، وهكذا. أما ذلك الرجل فقد كان ملاك الله أُرسِل لعزاء القديس وتقويته، إذ قال لأنطونيوس: "اعمل هكذا وأنت تستريح". ومن ذلك الوقت صار يُصلِّي ثم يشتغل في ضفر الخوص. وبذلك لم يَعُدْ الملل يُضايقه بشدة، فاستراح بقوة الرب يسوع المسيح له المجد](3).

وهذا تعليم آخر عن اختبار الصلاة الدائمة مع العمل.

إجابة القديس لوقيوس:

حضر إلى الأب لوقيوس رهبان من أولئك الذين يُدعَوْن "مُصلِّين". فسألهم عن عمل أيديهم، فقالوا له: "نحن لا نهتم بعمل اليدين، إنما نهتم بالصلاة الدائمة، كقول الرسول". فقال لهم الشيخ: "أما تأكلون وتنامون؟" قالوا: "نعم". فقال لهم: "فإذا ما جلستم تأكلون أو إذا نمتم، فمَن يُصلِّي عنكم؟" فلم يكن ما يجيبونه به. فقال لهم: "اغفروا لي، فإن عَمَلَكم ليس كقولكم، لكني أُريكم كيف أني أُمارس عمل يدي وأُصلِّي دائماً: وذلك بأن أجلس بعون الله وأبلَّ خوصاً وأضفر الضفيرة وأقول: "ارحمني يا الله كعظيم رحمتك، وككثرة رأفاتك امحُ إثمي"، أفما يُعتبر ذلك صلاة؟" أجابوه: "نعم". قال لهم: "وإذا مكثت هكذا طول النهار أعمل وأُصلِّي، فيكون لي عن عمل كل يوم ستة عشر فلساً. فأترك منها على الباب فلسين، وآكل بالباقي. فيصبح آخذ الفلسين مُصلِّياً عني في وقت أكلي وفي وقت نومي، وبنعمة الله تكمل لي الصلاة الدائمة كأمر الرسول"(4).

وهكذا يكون حل المشكلة كما أوضحها الأب لوقيوس: الصلاة الدائمة تُقدَّم بالمشاركة بينه وبين المُصلِّين عنه أثناء أكله ونومه. ونفس الحل نجده، ولكن في صورة أكثر تطوُّراً، في الدير المشهور باسم: "دير الذين لا ينامون" في القسطنطينية. فهناك يُمارس الرهبان خدمات الصلاة بنظام النوبات (النبتشيات): فحالما تنتهي مجموعة من الصلاة، تقوم مجموعة أخرى بالخدمة، وبذلك تُقدَّم الصلاة على مدى الأربع والعشرين ساعة لدى المجمع الرهباني كله.

الصلاة عمل مشترك، وليس فردياً:

إن مبدأ الصلاة بالمشاركة الذي يطرحه القديس لوقيوس، بالرغم من بساطته، يؤكِّد على نقطة هامة جداً: فالصلاة ليست عملاً فردياً، بل هي عمل جماعي، فنحن نصلِّي دائماً كأعضاء بعضنا للبعض في جسد المسيح. وحتى المتوحد في أبعد رُكن من الصحراء، لا يقف وحده وهو يُصلِّي؛ بل بالأكثر، كعضو في عائلة كبيرة. فكل الكنيسة تُصلِّي معه وفيه، وحينما لا يمكنه الصلاة، فإنَّ صلوات الآخرين تُكمل عجزه.

تنوُّع كلمات الصلاة الدائمة:

وهناك نقطة أخرى ذات أهمية أيضاً، وتنبع من اختبار أبَّا لوقيوس عن الصلاة الدائمة بلا انقطاع. فالصلاة عنده لا توقِف عمل اليدين. فهو يُصلِّي بينما هو يعمل، مستخدماً صيغة من الصلاة يُكرِّرها على الدوام. وبهذه الطريقة لا تتحدَّد الصلاة بالوقت الذي يمكنه فيه أن يقف ليُصلِّي، لكنه يستطيع أن يُردِّد صلاته بينما هو يعمل.

واقتباس القديس لوقيوس صلاته من المزمور الخمسين، هو اقتباس من بين اقتباسات أخرى تُكرَّر وتُردَّد في الصلاة. القديس يوحنا كاسيان الذي تتلمذ على رهبان مصر، يوصي بآية أخرى من المزامير: "اللهم التفت إلى معونتي، يا رب أسرع وأعنِّي" (مز 69 [70]: 1)(5).

والأب أبوللو، الذي كان تائباً عن حياة رديئة سابقاً، كان يستخدم جملةً تُعبِّر عن توبته: "أنا كإنسان، أخطأتُ؛ وأنت، يا الله، كرحيم، اغفر لي".

والقديس مقاريوس يُعلِّمنا صلوات قصيرة للمناسبات المتنوعة: "سأله الشيوخ مرة: كيف نصلِّي؟" فقال: "نبسط أيدينا إلى الله ونقول: يا الله، أهْدِنا كما تحب وكما تريد، وإن أصابتنا ضيقة قلنا: يا ربُّ، أعنَّا. فهو يعرف ما هو خير لنا، ويصنع معنا كرحمته ومحبته للبشر"(6).

- ولكن من بين الجُمل القصيرة التي تنفع لترديدها كصلاة دائمة، واحدة هي أغناها في المعنى وأكثرها شيوعاً في الحياة الروحية الأرثوذكسية في كل مكان وفي كل الكنائس، تلك هي المسمَّاة بـ "صلاة يسوع". وقد علَّمها أول مَن علَّمها القديس مقاريوس لتلاميذه، ومنه انتشرت في كل العالم، ليس بين الرهبان فقط بل وبين عموم الشعوب المسيحية.

وقال القديس مقاريوس: "داوم على ذِكر الاسم القدوس، اسم ربنا يسوع المسيح. فهذه هي الجوهرة التي من أجلها باع التاجر الحكيم كل أهوية قلبه واشتراها، وأخذها إلى داخل بيته، فوجدها أحلى من العسل والشهد في فمه".

وسأله أخ: "إني جبان بسبب خطاياي، فماذا أعمل يا أبي؟" فقال له الشيخ: "تقوَّ وتمسَّك برجاء الحياة والرحمة التي لا حدَّ لها، الذي هو اسم ربنا يسوع المسيح".

وفي مخطوط "بستان الرهبان" المطبوع، الجزء الأول، من صفحة 26-29؛ أحاديث كثيرة للقديس مقاريوس عن الصلاة باسم يسوع، تستطيع الرجوع إليها لمزيد من الفائدة.

ومن الصلوات الشائعة التي تُنادي اسم الرب يسوع المسيح: "يا ربُّ يسوع المسيح، ابن الله، ارحمني (أعنِّي، قوِّني، ساعدني، أنقذني... إلخ)". ويجد القارئ في كتاب: "حياة الصلاة الأرثوذكسية" باباً كاملاً عن هذا الاختبار الجميل الذي يصلح لكل إنسان مهما كانت دعوته في الحياة(7).

نشاطان للإنسان: داخلي باطني"، و"خارجي:

إن كل إنسان له نوعان من "النشاط": النشاط المنظور، وهو اليدوي أو الذهني، والذي يؤديه من أجل مجد الله؛ ولكن ما وراء هذا النشاط فهناك "النشاط الباطني الداخلي" الذي هو الصلاة الدائمة. ويقول آباء البرية: "على الإنسان أن يكون دائماً نَشِطاً داخل نفسه". هذا "النشاط الباطني" يُسمَّى أيضاً "التأمل الخفي"، أو "تذكُّر الله"، أو بكلمات القديس مقاريوس في عظاته:

[على المسيحيين أن يحفظوا في كل وقت ذِكْر الله... لكي يمكنهم أن يُظهروا محبتهم للرب ليس فقط وهم في الأماكن المخصَّصة للصلاة، بل وبينما هم يمشون أو يتكلَّمون أو يأكلون، فعليهم أن يحفظوا تذكار اسم الله، بمعنى المحبة نحوه والشوْق إليه](8).

هذا النشاط الباطني بهذه الصورة يُمارسه مسيحيو ورهبان الشرق. أما في الغرب، فهناك الاختبار المُشابه المُسمَّى: "اختبار الحضور الإلهي" وسط الواجبات اليومية كما كتبه "الأخ لورنس" الذي كان يعمل في مطبخ الدير ويُمارس هذا الاختبار في كل لحظة.

إمكانية هذا الاختبار للعائشين في العالم كما لرهبان البر اري:

يقول القديسون إن لا شيء من الحالة الخارجية للإنسان قادرة أن تشتت الإنسان عن صلاة القلب. ففي سيرة القديس أنطونيوس تُسرد قصة طبيب كان مساوياً - في نظر الله - لأعظم المتوحِّدين في البراري: القديس أنطونيوس:

[فقد أُعلن لأبَّا أنطونيوس في الصحراء: "يوجد في المدينة واحد مثلك، هو طبيب حسب مهنته، وهو يُعطي لمَن هم في احتياج كل ما يمكنه أن يوفِّره لهم، وعلى مدى النهار كله يُرتِّل الثلاثة التقديسات مع الملائكة"](9).

إذن، فأيُّ واحد منا، وبمعونة الروح القدس، في إمكانه أن يعمل ما عمله هذا الطبيب. ملكوت السموات داخل كلٍّ منا. أن تُصلِّي ببساطة، فهذا يعني أنك دخلت إلى الملكوت الباطني الذي في قلبك، وهناك تكون واقفاً أمام الله، وواعياً بحضوره داخلك. وإذا أردتَ أن تُصلِّي بلا انقطاع، فافعل ذلك دائماً.

وبالرغم من أن كل مجد هذا الملكوت لا يُستعلَن بكماله إلاَّ لقليلين في هذا الدهر الحاضر، لكننا كلنا يمكننا أن نكتشف - كل واحد بحسب طاقته وحسبما أُعطِيَ له - لو جزءاً من غِنَى هذا المجد. فالباب مفتوح أمامنا، والمفتاح موجود في داخلنا. o


(1) A. J. Festugiere (ed.), Historia Monachorum, 19-21. (2) Apophthegmata Patrum, Anonymous Collection 104, ed. Nau, ROC 12 (1907), 402; AP (The Sayings of the Desert Fathers) Nau, ROC, F. Nau, ed. "Histoire de Solitaires égyptiens". (3) مخطوط "بستان الرهبان" - الجزء الأول، نشر دار النسخ والتحرير القبطية الأرثوذكسية، 1951، صفحة 6؛ بالمقارنة مع النص اليوناني في Apophthegmata Patrum. (4) "بستان الرهبان"، المرجع السابق، ص 109. (5) Conferences 10: 10. (6) "بستان الرهبان"، المرجع السابق، ص 26. (7) "حياة الصلاة الأرثوذكسية"، من صفحة 411-412. (8) Homily 43:3, ed. D?rres, 286; or tr. Maloney, 220. (9) Apophthegmata Patrum, Antony 24.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis