دير القديس العظيم أنبا مقار
الصفحة الرئيسية  مجلة مرقس الشهرية - محتويات العدد

دراسة الكتاب المقدس:
 

سفر العدد
سفر التيه والتجربة في البرية
ـ 36 ـ

 
ملخص دراسة السفر

أولاً: إعداد الجيل القديم ليرث أرض الموعد (1:1ــ10:10).
1- تنظيم الجماعة تمهيداً للارتحال ( 1:1ــ49:4).
2 ــ تقديس الجماعة (1:5ــ10:10).
ثانياً: فشل الجيل القديم في أن يرث أرض الموعد (11:10ــ18:25).
1 ــ بدايات الفشل في الطريق إلى قادش (11:10ــ16:12).
2 ــ أزمة قادش برنيع (1:13ــ45:14).
3 ــ إخفاق إسرائيل المتواصل (1:15ــ22:19).
4 ــ حوادث في الطريق إلى موآب (1:20ــ18:25).
ثالثاً: إعداد الجيل الجديد لميراث أرض الموعد (1:26ــ13:36).
1 ــ إعادة تنظيم إسرائيل (1:26ــ23:27).
2 ــ شرائع للتقدمات والنذور (1:28ــ16:30).
3 ــ الانتصار على الشعوب في شرق الأردن وتقسيمها على أسباط إسرائيل (1:31ــ13:36).

ثالثاً: إعداد الجيل الجديد لميراث أرض الموعد (26: 1-36: 13)

1 - إعادة تنظيم إسرائيل (26: 1-27: 23)

ب - مبدأ جديد في تقسيم الأرض، وإقامة يشوع خَلَفاً لموسى (27: 1-23)

 

* حالة شاذة تُعرَض على موسى النبي تستلزم استشارة الرب:

بعد أن وضع الرب لموسى المبادئ الرئيسية التي على أساسها يتم تقسيم أرض الموعد بين الأسباط، وهي التي حدَّدها له في هذه النقاط الثلاث:

1. حسب عدد أسماء الذكور من كل سبط. فالكثير يُكثَّر له، والقليل يُقلَّل له؛

2. يكون التقسيم بالقرعة، ليخرج لكل سبط المكان من الأرض الذي يأخذ نصيبه فيه؛

3. لم يكن لسبط لاوي نصيب في الأرض، بل يُعطيهم كلُّ سبط مدناً من نصيبه، لأن الرب هو نصيبه.

بعد أن أرسى موسى هذه المبادئ، برزت حالة شاذة في وسط الجماعة، أثارتها بنات صلفحاد بن حافر من سبط منسَّى، وهي كالآتي:

+ «فتقدَّمت بنات صَلُفحَاد بن حافَرَ بن جلعاد بن ماكير بن منسَّى من عشائر منسَّى بن يوسف. وهذه أسماء بناته: مَحْلَة ونوعَة وحُجْلَة ومِلْكَة وتـِرْصَة. ووقفن أمام موسى وألعازار الكاهن وأمام الرؤساء وكل الجماعة لدى باب خيمة الاجتماع قائلات: أبونا مات في البرية. ولم يكن في القوم الذين اجتمعوا على الرب في جماعة قورح، بل بخطيَّته مات، ولم يكن له بنون. لماذا يُحذف اسم أبينا من بين عشيرته لأنه ليس له ابنٌ. أعْطِنا مُلْكاً بين إخوة أبينا.» (عد 27: 1-4)

تقدَّمت بنات صلفحاد بدعواهن لموسى في حضور ألعازار الكاهن، وأمام الرؤساء وكل الجماعة أثناء وجودهم لدى باب خيمة الاجتماع، وكُنَّ خمس بنات، وقد اجتمع رأيهن على أمر واحد، وهو أن يطلبن بثقة وإيمان أن يكون لهنَّ نصيب في ميراث أرض الموعد أسوة بالذكور من سبط منسَّى، فلماذا يُحذف اسم أبيهن من بين عشيرته لأنه ليس له ابن؟ لقد كان مطلباً عادلاً، اجتمع رأيهن عليه، وقدَّمنه للرب أمام موسى وكل الجماعة بكل شجاعة وثقة.

وفي عرضهن لقضيَّتهن ذكرن أن أباهنَّ لم يكن من جماعة قورح الذين فتحت الأرض فاها وابتلعتهم، لأنهم طالبوا بمساواتهم بالكهنة في خدمة الرب؛ وإنما مات ميتة طبيعية بخطيته، ولم يكن عدم إنجابه لأولاد ذكور غضباً عليه من الرب.

موسى يُقدِّم دعوى بنات صلفحاد أمام الرب:

+ «فقدَّم موسى دعواهُنَّ أمام الرب. فكلَّم الربُّ موسى قائلاً: بحقٍّ تكلَّمتْ بنات صلفحاد، فتُعطيهنَّ مُلْك نصيب بين إخوة أبيهن وتنقل نصيب أبيهن إليهن. وتُكلِّم بني إسرائيل قائلاً: أيُّما رجل مات وليس له ابن، تنقلون مُلْكَه إلى ابنته. وإن لم تكن له ابنة، تُعْطُوا مُلْكه لإخوته. وإن لم يكن له إخوة، تُعطوا مُلْكه لإخوة أبيه. وإن لم يكن لأبيه إخوةٌ، تُعطوا مُلْكه لنسيبه الأقرب إليه من عشيرته فيرثه. فصارت لبني إسرائيل فريضةَ قضاء كما أمر الربُّ موسى.» (عد 27: 5-11)

لما كانت هذه الدعوى لم يسبق لها مثيل، ولم يسبق لموسى أنه تلقَّى بشأنها أي توجيهات من الرب؛ لذلك بسطها موسى أمام الرب منتظراً إرشاده. فهكذا ينبغي أن يتصرف الخدَّام الأمناء الذين استأمنهم الرب على رعيته، أن لا يحكموا في شيء بعجلة؛ بل عليهم أن يطلبوا مشورة الله وإرشاده بالصلاة.

أما إجابة الرب فكانت تأكيداً لعدالة مطلب بنات صلفحاد وحقّهن في أن يرثن بين إخوة أبيهن. ثم أضاف الرب على ذلك تشريعاً إضافياً لتوريث الأرض بين الأسباط. فإنه إن مات رجل ولم يكن له ابن ولا ابنة يؤول ميراثه لإخوته، وإن لم يكن له إخوة ينتقل مُلْكه لإخوة أبيه، وإن لم يكن لأبيه إخوة يُعطَى مُلْكه لنسيبه الأقرب إليه من عشيرته.

ويرى العلاَّمة أوريجانوس في هذا القانون ظلاًّ للخيرات السماوية، إذ يرى أن هؤلاء الورثة الخمسة لميراث أرض الموعد هم رمز للورثة في السماء:

[فالدرجة الأولى: درجة الابن الذي يتميَّز بالمعرفة الروحية والعلم. أما الدرجة الثانية: درجة الابنة، التي تتميَّز بالأعمال الخيِّرة. أما الدرجة الثالثة فيوافقها مَن يتحلَّى بالمشاركة والتعاطُف وروح الأُخوَّة؛ لأنه يوجد قوم لا يعملون شيئاً من دافع إرادتهم الخاصة، ولا من انعكاس أفكارهم الشخصية، وإنما إذ يوجدون دائماً بين إخوتهم، يقتدون بهم ويتمثلون بأعمالهم التي يعملونها بدافع حياتهم النابعة من إدراكهم الشخصي... أما الدرجة الرابعة التي هي أخو الأب، فيمكن أن يُرَى فيها طبقة الناس الذين يبذلون أقصى ما في وسعهم لإتمام توصيات آبائهم والتقاليد التي تقبَّلوها من الشيوخ؛ أولئك الذين يندر لهم أن تحرِّكهم دوافعهم الشخصية أو تهزَّهم مشاعرهم الخاصة... أما الدرجة الأخيرة، فهي تلك المختصة بالأقارب الأقرب إلى الأجداد، فهم أولئك الذين يصنعون الخير، سواء كان مصادفة، أو بمعرفة لسببٍ ما؛ فإنه لا يضيع أجر عمل الخير؛ بل سوف ينال حسب جودة الرب نصيباً في الميراث...](1)

الرب يُعرِّف موسى عن موته، ويريه من بعيد أرض الميعاد:

+ «وقال الربُّ لموسى: اصْعَدْ إلى جبل عباريم هذا، وانظر الأرض التي أعطيتُ بني إسرائيل. ومتى نظرتها، تُضَمُّ إلى قومك أنت أيضاً كما ضُمَّ هارون أخوك، لأنكما في برية صِين، عند مخاصمة الجماعة، عصيتما قولي أن تُقدِّساني بالماء أمام أعينهم، ذلك ماء مَريبة قادش في برية صِين.» (عد 27: 12-14)

طلب الرب من موسى أن يصعد إلى جبل عباريم ليُريه من فوق الجبل أرضَ الموعد نهاية المطاف، ويُخبره عن اقتراب ساعة موته وانتقاله من هذا العالم، لأنه «عزيز في عيني الرب موت أتقيائه» (مز 116: 15). فالموت للأبرار هو راحة من الأتعاب، وختام مسيرة جهادهم، وانضمام إلى صفوف الذين أكملوا سعيهم وسبقوهم إلى أحضان القديسين.

وإن كانت شهوة موسى أن يدخل مع الشعب إلى أرض كنعان، إلاَّ أن الرب الذي حَكَمَ عليه بألاَّ يدخلها هو وأخوه هارون، لأنهما لم يمجِّداه أمام جماعة بني إسرائيل في برية صين، عند ماء مريبة (عد 20: 6-13)، رأى بلطفه ومحبته لموسى ألاَّ يحرمه من أن يُعاين الأرض المشتهاة التي سيرثها شعبه، حتى تطمئن نفسه إلى مصيرهم ويفرح بنصيبهم.

وجبال عباريم هي سلسلة جبال تقع شرقي الأردن، وتمتد شمالاً وجنوباً، ودُعيت ”عباريم“ لكونها تقع عَبْرَ الأردن، وكانت تتكون من عدة جبال متشابكة من بينها جبل نبو الذي صعد إليه موسى وهناك رقد، كما جاء في (تث 32: 48-52).

موسى يطلب من الرب أن يُعيِّن خلفاً له:

+ «فكلَّم موسى الربَّ قائلاً: ليُوَكِّل الربُّ إله أرواح جميع البشر رجلاً على الجماعة، يخرج أمامهم ويدخل أمامهم، ويُخرجهم ويُدخلهم، لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي لا راعي لها.» (عد 27: 15-17)

لاحِظ قول موسى للرب: «ليُوَكِّل الرب إله أرواح جميع البشر رجلاً على الجماعة»، فما أعظم نبل هذا النبي، الذي تقبَّل قضاء الرب وحُكْمه بكل خضوع، ورَضِيَ شاكراً أن يكتفي برؤية الأرض المشتهاة من بعيد، بعد أن قاد شعبه إليها نحو أربعين سنة، متحمِّلاً كل ثقلهم وتذمُّراتهم بكل صبر وتفانٍ. فهو بقوله هذا يستسلم لحُكْم الله، ويضع وديعة حياته ومصيره بين يدي الله «إله أرواح جميع البشر»، وكأنه يقول مع المرنِّم: «اعلموا أن الرب هو الله، هو صنعنا وله نحن، شعبه وغنم مرعاه» (مز 100: 3)، ويُردِّد مع بولس الرسول: «لأننا إن عشنا فللرب نعيش، وإن متنا فللرب نموت. فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن.» (رو 14: 8)

كما أنه بطلبه هذا من الرب أن يوكِّل رجلاً آخر خلفاً له ليقود الجماعة بعده، يُظهر سُموّاً زائداً في شخصيته، فهو لا يُفكِّر في نفسه ولا ينشغل بشيء يخصه، بل بما يخص شعبه الذي سيُحرم من رعايته لهم بعد موته، ولكنه يثق في أن الرب خالقهم «وإله أرواح جميع البشر» لابد وأن يُدبِّر لهم مَن يتولَّى أمرهم بعده، لأنه هو المعتني والمتكفِّل بجميع البشر.

ويُعلِّق على ذلك العلاَّمة أوريجانوس قائلاً:

[وقال الرب لموسى أن يصعد إلى الجبل، ولما صعد إلى هناك ونظر وتفحَّص جيداً أرض الميعاد عن بُعْدٍ، قال له الرب إنه هناك يموت. وأما موسى هذا الرجل العظيم فقد انشغل بشعبه أحرى من أن يهتم بنفسه، فتوسَّل إلى الرب أن يُعيِّن رجلاً لقيادة شعب إسرائيل، قائلاً: «لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي لا راعي لها» (عد 27: 17). فلنلاحظ أول كل شيء إن هذا الرجل الكامل والمطوَّب لم يَمُتْ في سهل أو على هضبة أو على تلٍّ؛ وإنما فوق جبل، أي أنه كان في موضع مرتفع ذي مطالع صعبة. فإنه هناك في الواقع فوق هذه القمة، أكمل موسى حياته وأنجز مهمته.

أما ما تبع ذلك الحديث فهو ما أرهبني، إذ يقول الرب لموسى العظيم، خادمه، وخليله الذي كان يتكلَّم معه وجهاً لوجه! «وتُضمُّ إلى قومك أنت أيضاً، كما ضُمَّ هارون أخوك (وترك هذه الحياة فوق جبل هور)». وأعلن له عن سبب موته: «لأنكما عصيتما أوامري في برية صين، عندما عصتني الجماعة ولم تقدِّسني، وأنتما لم تقدِّساني أمامهم في واقعة الماء» (ترجمة من النص). فهل كان موسى حينذاك مخطئاً؟ وهل هو أيضاً اقترف إثم التعدِّي؟ وهل هو أيضاً حُسِبَ ضمن الذين أخطأوا؟ فإنه لأجل ذلك، كما أظن أن الرسول قال بتأكيد: إنه «قد ملك الموت من آدم إلى موسى» (رو 5: 14). نعم، فإن الموت قد أمسك موسى، ولم يترفَّق به حتى هو أيضاً. فشكراً لربنا يسوع المسيح الذي أعتقنا من مصدر هذا الموت! فكيف يمكن لموسى أن يُخلِّص أي واحدٍ من الخطية، طالما كان هو نفسه واقعاً تحت طائلتها: «لأنكما في برية صين... عصيتما قولي». فذاك وحده (الرب يسوع)، إذن، الذي يتضح أنه يمكن أن يكون نصيراً، الذي لم يفعل خطية وحده...

فلنتوقَّف مهلةً أمام نبالة موسى: عندما كان على وشك تركه لهذا العالم، فقد توسَّل إلى الله أن يُعيِّن قائداً للشعب خلفاً له. ألم يكن في استطاعته أن يختار هو نفسه قائداً ويختاره برأي مستنير، وبقرار عادل وسليم، إذ هو الذي سبق الله وقال له: «اختر شيوخاً من الشعب الذين تعلم أنهم شيوخ بالحقيقة» (عد 11: 6 - مترجمة حسب النص). واختار هكذا موسى رجالاً، الذين انسكب عليهم روح الله مباشرة وتنبَّأوا (انظر عد 11: 24-26). ولكنه لم يتجرَّأ أن يفعل ذلك، بل اسمعه يقول: «ليُوكِّل الرب إله أرواح جميع البشر رجلاً على الجماعة، رجلاً يحيا أمامهم ويقودهم» (عد 27: 17،16 - مترجمة حسب النص). وهكذا، فإن موسى هذا العظيم بهذا المقدار وذو الكرامة المرتفعة، لم يسمح لنفسه بأن يُعيِّن خليفته...

وقال الله لموسى: «خُذ يشوع بن نون، رجلاً فيه روح (الله)، وضعْ يدك عليه، وأوقفه قدَّام ألعازار الكاهن، وأوصه قدَّام كل الجماعة، واجعل من هيبتك عليه، لكي يسمع له كل جماعة بني إسرائيل» (عد 27: 18-20). هذا هو ما كُتب بالضبط، بخصوص تنصيب رئيسٍ للشعب، بدون أي هتاف، أو تهليل شعبي، وبلا اعتبار لنَسبٍ؛ لكي يُعطي لأقربائه ميراث الأرض؛ وإنما لقيادة الشعب، لذاك المختار من الله الذي ينبغي أن ينال الثقة.](2)

(يتبع)


(1) Hom. XXII,1,1-2.

(2) Hom. 22 sur Nb, 3:3,4:1,2 (PG 12,743-745).