|
من الكتابات المسكونية الأرثوذكسية |
|
|
القديس الروسي يوحنا كرونستادت كان كاهن رعية متزوجاً، عاش في روسيا في القرن التاسع عشر. وقد كرَّس حياته كلها لخدمة الشعب في بذل وحُب وتفانٍ منقطع النظير، وفي نفس الوقت كان رجل صلاة وأُلفة دائمة مع الله. ترك مؤلَّفات روحية كلها نابعة من خبرات حياته. وقد تُرجم كتابه: ”حياتي مع المسيح“ إلى عدَّة لغات. وكان الشعب الروسي يُجِلُّه ويُقدِّسه حتى قبل وفاته. وكانت له مواهب الكشف والنبوَّة والشفاء. وقد انتقل من العالم في 20 ديسمبر عام 1908. وقد حدثت معجزات كثيرة بصلواته بعد انتقاله. وأعلنت الكنيسة الروسية قداسته في أول نوفمبر عام 1964 تحت اسم: ”القديس يوحنا كاهن كرونستادت العجايبي“. وقد وردت مقتطفات من أقواله في كتاب: ”حياة الصلاة الأرثوذكسية“ للأب متى المسكين. وقد نُشر الجزء الأول من هذا المقال في عدد سبتمبر 2011، ص 29، ونستكمل في هذا العدد بقية المقال.
الصلاة من أجل اقتناء الحب الإلهي:
يجب أن نُصلِّي بحرارة من أجل اقتناء الحب الإلهي، والكنيسة تُصلِّي بصفة رئيسية من أجلنا لأجل هذه البركة العظمى. ولذلك فإن القديس يوحنا كرونستادت يُصِرُّ على أن الكاهن ينبغي أن يرفع صلوات الكنيسة بكل قلبه، لأنها تشمل كل شيء.
فيوصي الكاهن بعد إتمام خدمة الأسرار الإلهية: [اشْكُر الله دائماً بصلاة قصيرة من عمق قلبك، لأنه أعانك على أن تخدمه بإيمان وحُب. ولكن ما الذي يعمله الكثير منَّا؟ إننا نُقيم الخدمة على مضض وبإسراع مع حذف أجزاء منها حتى نُنهي العمل المقدس بأسرع ما يمكن، ونرجع مسرعين إلى الحياة اليومية! أيُّ خداع شديد هذا! إننا في عمانا نستخف بكلمات الروح الحيَّة في الصلوات التي تُتلى في الخدمات والأسرار الكنسية. إننا نتجاهل ما يمكن أن يكون ينبوعاً للسلام العذب والفرح في الروح القدس، بل وحتى للصحة الجسدية. إنها لخطيئة عظيمة أن نُجري الأسرار بتهاون، وهي تُعتبر تجديفاً. فماذا، إذن، علينا أن نعمل لكي نُجري السرائر والخدمات بطريقة ملائمة؟ يجب أن يكون إيماننا ثابتاً بأن إلهنا، المكرَّم بثالوثه الأقدس، هو دائماً معنا حتى أنه دائماً يرانا، وأنه من أول كلمة في صلاتنا من أجل المعونة إنما هو مستعدٌّ لمعونتنا في عملنا المقدس].
دراية الكاهن بخطاياه:
والكاهن يجب أن يكون على دراية، ليس بالخطايا فحسب، بل أيضاً بالقلق غير الضروري الذي يُصاحِب الخطايا. وعندما يُدرك خطاياه يجب ألاَّ يرتدَّ، بل يواصل بجراءة عمله المقدس.
فالقديس يوحنا يقول: [أنت، أيها الكاهن، يجب أن تُعطي الكرامة الواجبة والأهمية والسمو والرسوخ لرتبة الكهنوت الذي تمارسه لمجد الله ولخلاص الناس. ولا تنظر إلى وجه أحد، أو إلى وجهك، أو إلى نقائصك وخطاياك، أو إلى فضائلك؛ بل انظر فقط إلى وجه الله، المسيح الذي تحمل أنت صورته، والذي تمثِّله كوسيط بين الله والناس أثناء الخدمة الإلهية التي تكون أنت فيها بكلِّيتك لله لا لذاتك. ويجب أن تبسط كل شر وخطاياك، وحتى تذكار الشر الذي يحضُّك عليه الشيطان- مُقدِّماً التوبة – أمام حَمَل الله الذي أخذ على عاتقه خطايا العالم. ويجب ألاَّ تضطرب بذِكر هجومها عليك. آمين، ليكن].
وفي نفس الوقت، إذ يقتبس القديس يوحنا من القديس يوحنا ذهبي الفم، فهو يُذكِّرنا بأنه حتى ضعف الكاهن وحقيقة أنه ليس حُرّاً من الخطيئة، يمكن أن يكونا نافعين لخلاص البشر حسب عناية الله الرحيمة. فهو يقول: [الله لم يجعل الملائكة، المُقدَّسين الساطعين والأشدَّاء في قوتهم، وسطاء لكم ومُتمِّمين للسرائر السماوية؛ بل جعل بشراً مثقلين مثلكم بالضعفات والخطايا، وبذلك يكونون مترفِّقين بضعفاتكم وأخطائكم التي هي فيكم كما هي فيهم].
ومع ذلك، فإنَّ هذه الآمال الجسورة من أجل نعمة الكهنوت تُكتَسَب بجهادٍ شديد. فالقديس يوحنا يوصي الكاهن ألاَّ يُعير انتباهاً لخطاياه ونقائصه من أجل عدم الإحجام عن إتمام مهمته، وذلك لأنه يُفتَرَض طبيعياً أن الكاهن يُصارع مع الشر. إنه هو نفسه يتكلَّم باستمرار ليس عن المعونة المعجزية التي من فوق فحسب؛ بل أيضاً عن صراعه مع الشر.
ففي الذكرى الخامسة والأربعين لكهنوته، لخَّص الأب يوحنا هذا الصراع بقوله: [عندما أصبحتُ كاهناً وراعياً، تعلَّمتُ سريعاً من الخبرة مع مَن اشتبكتُ معه في صراع في حياتي الروحية، أي مع رئيس هذا العالم القوي الماكر والساهر الممتلئ بالغضب والهلاك ونار جهنم. وهذا يعني أن الرب، راعيَّ الصالح، أدخلني في تجربة واقتادني إلى خبرة التدريب الروحي حتى أعرف مع أيِّ أعداء كان عليَّ أن أتعامل، وقد انتصرتُ عليهم بأسلحة الإيمان والصلاة والتوبة والاشتراك في سرائر المسيح المقدسة. وفي هذا الصراع تعلَّمتُ الإيمان الحقيقي، والرجاء، والصبر، واستقامة الروح، وطهارة القلب، والدعاء المتواصل باسم يسوع المسيح].
ينبوع الحياة يُشعل نار الحب:
هذا الكلام بخصوص السرائر المقدسة والذي يُقيمها يكفي لكي يُظهِر لنا أين نجد نار الحب هذه التي تُشعل أولاً قلب الكاهن، ثم بواسطته قلوب رعيته! بذلك يصبح من الواضح أن النشاط الرعوي يُولَد ويتغذَّى بواسطة سر الكهنوت، وأنَّ الواجب الأول للكاهن هو أن يقتاد الناس إلى ينبوع الحب، إلى عشاء الرب.
وقد لخَّص القديس يوحنا أفكاره هذه بطريقة رائعة مُفعمة بالحيوية قائلاً: [كلُّنا نحب الحياة، ولكننا لا نمتلك الحياة الحقيقية بدون ينبوع الحياة: يسوع المسيح. والليتورجية إنما هي الينبوع الأكثر عمقاً للحياة الحقيقية، لأن الله نفسه موجودٌ فيها. إنَّ رب الحياة يُعطي ذاته كطعام وشراب للذين يؤمنون به، ويُعطي حياةً بوفرة للذين يتناولونه. أيَّة سعادة وأيُّ نعيم لطبيعتنا التي تتناول جسد الرب ودمه الأقدسين بلاهوته الذي لم يُفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين! فبواسطة التناول المتواتر، ينال الكاهن نعمة الله بلا كيل، ويجب أن يستدرَّ الجميع منه نعمة المسيح بوفرة، ويجب أن يحاول بكل وسيلة أن يوزِّع النعمة على نطاق أوسع، لا أن يحتفظ بها لنفسه وحده].
الكاهن وسيط بين الله والناس:
إنَّ الهدف الرئيسي للكاهن هو أن يكون وسيطاً بين الله والناس في توصيل النعمة الإلهية. ولكنه هو أيضاً يُشارك الناس في كل ما هو صالح فيه، لأن الصلاح ليس صلاحه هو بل هو صلاح الله. وعلى ذلك فيجب عليه أن يُعلِّم ليس بفكره هو، بل بفكر المسيح.
والأب يوحنا يقول إن الكاهن ينبغي أن يُشعَّ ويُغْنِي، ليس بما عنده، بل بالغِنَى الإلهي. وهو يُقرِّر، كقاعدة، أنَّ حاملي كهنوت المسيح والقديسين هم مستودعات يتدفَّق منها الماء المبارك لكي يصل إلى المؤمنين. فالكاهن يجب أن يكون في العالم الروحاني، في مجال رعيته، كما تكون الشمس في الطبيعة، فيجب أن يكون نوراً يُجدِّد الحرارة والروح للجميع. ولكن هذا النور وتلك الحرارة ليسا ملكاً له، فيجب ألاَّ يحتفظ بهذا النور، أو بالحري بنور الله، لنفسه؛ بل ينشر نور حكمته وإدراكه إلى أبعد حدٍّ!
والمعونة المباركة التي يجب على الكاهن أن يبحث عنها لا تستبعد، طبيعياً، احتياجه الضروري لتطوير خبرته الروحية ومواهبه الطبيعية المختلفة.
فالأب يوحنا يقول: [يجب على الكاهن نفسه أن يختبر قوة الإيمان، وعذوبة الصلاة، وغفران الخطايا، وحقيقة أن الصلاة ليست دائماً تُستجاب؛ وكذلك يختبر أحزان النفس، والتعزيات المليئة بالسعادة. وحينئذ يمكنه أن يقول في صلواته من أجل المؤمنين: ”أَعْطِهم، يا الله، نفس النعمة التي تُعطيني إيَّاها دائماً أنا غير المستحق“، وذلك مثلما يطلب من أجل كل الأمور الخارجة عن خبرته الشخصية].
ضبط النفس قبل ضبط الآخرين:
وها هي نصيحة للأب يوحنا بخصوص النمو الذاتي: [لكي نضبط الآخرين علينا أن نتعلَّم أولاً أن نضبط أنفسنا. ولكي نُعلِّم الآخرين يجب أولاً أن نكتسب نحن معرفة ذواتنا. عندما تتملَّك علينا أهواء (أو شهوات) كثيرة، فمن الأفضل ألاَّ نأخذ على عاتقنا أن نتحكَّم في الآخرين].
وحُب الكاهن يجب أن يكون كونيّاً مثل حُب المسيح. ولذلك فالأب يوحنا يقول: [حُب الكاهن يجب أن يكون من أجل العالم كله. يجب أن يكون هو كل شيء للجميع].
هذا الحب يكون منبعه حُب المسيح الذي غُرست صورته في جميع البشر، وجميع المسيحيين الحقيقيين هم أعضاء جسده الذي هو الكنيسة. فالقديس يوحنا يقول: [اقْبَل كل إنسان يأتي إليك، ولا سيما من أجل سبب روحي، بطريقة فيها حنان وابتهاج، حتى لو كان شحَّاذاً. واتضِع داخلياً أمام كل أحد، مُعتَبِراً أنك أقل منه، لأن المسيح نفسه قد جعلك خادماً للكل، والكل هم أعضاؤه رغم أنهم يحملون مثلك آثار جروح الخطية].
ودراية الأب يوحنا بوحدانيته مع البشرية كلها، ولا سيما مع الكنيسة، إنما هي بالطبع إحدى الشروط التي لا غِنَى عنها للكهنوت الحقيقي، وهي تتفق مع إدراك الكاهن لمسئوليته، وهي أساس اتضاعه.
وها هي أحد أقواله العديدة عن هذا الموضوع: [يجب ألاَّ ننسى قط أننا جميعاً جسدٌ واحد، وأنه ينبغي أن نُشجِّع بعضنا بعضاً على أن نُحب وأن نعمل أعمالاً صالحة. نحن الكهنة، بصفة خاصة، يجب ان نتذكَّر ذلك ونتصرف بموجبه. فإذا كانت الرأس بلا خطية هكذا يكون الأعضاء. وإذا أظلمت نفوسنا بالشهوات يصبح جسد المسيح، أي شعب كنيستنا، أكثر ظلمة. عندما نصبح أقوى روحياً تصبح رعيتنا هكذا أيضاً. وإذا ضعفنا تصير رعيتنا هكذا أيضاً. ارحمني يا إلهي!].
*********************************************************************
هجرة المسيحي إلى الله
نص عظات على أناجيل قدَّاسات
أيام الصوم الأربعيني المقدَّس عام 1981
192 صفحة الثمن 8 جنيهات
يُطلب من:
دار مجلة مرقس
القاهرة:
28 شارع شبرا - تليفون 25770614الإسكندرية:
8 شارع جرين - محرم بك - تليفون 4952740أو عن طريق موقع الدير على الإنترنت:
www.stmacariusmonastery.org
*********************************************************************
