|
دراسة الكتاب المقدس
|
|
|
(تابع) تفاصيل العهد وشروطه
(12: 1 - 26: 19)
أولاً: الأحكام المتعلقة بالعبادة
(12: 1-16: 13)
الأصحاح الخامس عشر
سنة الإبراء (15: 1-18)
مقدِّمــة:
يلزم أن نتذكَّر دائماً خلال دراستنا لسفر التثنية أن كل الشرائع والأحكام التي يتضمنها هذا السفر، إنما هي متعلِّقة بحياة الشعب الجديد المزمع أن يحياها بعد دخول أرض كنعان.
فبعد أن ركَّز الرب على ضرورة ارتباطهم في عبادتهم بالموضع الواحد الذي سيختاره الرب لهم، ويُعيِّنه لسكناه فيه في وسطهم في سبط واحد من بين جميع أسباطهم ليضع اسمه فيه، فيأتون إليه، ويُقدِّمون هناك ذبائحهم ومحرقاتهم وعشورهم ونذورهم وأبكار بقرهم وغنمهم (12: 5-7)؛ يعود فيؤكِّد على ضرورة مراعاتهم للمسكين والفقير والأرملة واليتيم واللاوي والغريب، عند تقديمهم لعشورهم في بيت الرب.
وبينما كانت وصية الرب تقضي بأن يحملوا عشورهم إلى هيكل الرب سنة بسنة دون تسويف، مثلما يعتني الرب بخليقته ويُعطيها طعامها في حينه، فقد كانت وصية الرب أيضاً أنهم في آخر كل ثلاث سنين يُخرِجون العشور من محاصيلهم ويضعونها في أبوابهم، حتى يتسنَّى للشيوخ والضعفاء والمساكين والغرباء، الذين لا يستطيعون الصعود إلى بيت الرب كل سنة، أن يأكلوا منها ويشبعوا. فقد جاء كلام الرب لهم في ختام الأصحاح السابق هكذا:
+ «في آخر ثلاث سنين تُخرِج كلَّ عُشْر محصولك في تلك السنة وتضعه في أبوابك، فيأتي اللاويُّ لأنــه ليس لـه قِسْمٌ ولا نصيبٌ معك (أي أنـه ليس لــه نصيب في أرض كنعان مثل بـاقي الأسباط، لأن الربَّ هــو نصيبه)، والغريب واليتيم والأرمـلة الذيـــن في أبوابك، ويأكلون ويشبعون، لكي يُباركك الربُّ إلهك في كل عمل يدك الذي تعمل» (14: 29،28).
أما هنا في هذا الأصحاح الخامس عشر، فيسترسل في نفس الموضوع مُتكلِّماً عن سنة الإبراء، التي هي السنة السابعة، بنفس مفهوم العناية بالمساكين ومراعاة احتياجات الفقراء والمعتازين:
«في آخر سبع سنين تعمل إبراءً» (15: 1):
يذكر التقليد اليهودي أنه منذ بداية إخضاعهم لأرض كنعان حتى نهاية امتلاكهم لها استغرق ذلك سبع سنين. كما أن تقسيم الأرض بين الأسباط استغرق سبع سنين أخرى. وهكذا فإنه لم يتم تقديم العشور للرب من كل ما تنبت الأرض إلاَّ بعد مُضيِّ أربع عشرة سنة من دخولهم أرض كنعان. وبذلك فإن أول سنة سبتية حفظوها كانت بعد سبع سنين أخرى، أي بعد واحد وعشرين سنة من امتلاكهم أرض فلسطين. وهذه هي السنة التي سُمِّيت هنا في سفر التثنية بسنة الإبراء. وهي السنة السابعة بعد مرور فترتين من الزمن، كل منهما ثلاث سنين، التي في آخر كل منهما تُعطَى العشور للاَّوي والغريب واليتيم والأرملة الذين في الجوار (كما جاء في تث 14: 29،28)، وفي نهاية هذه الدورة تحل السنة السبتية أي سنة الإبراء. وكلمة الإبراء بالعبرية (shemittah) معناها: عِتْق أو إطلاق أو تحرير أو صَفْح.
وكانوا يبدأون السنة السبتية في اليوم الأول من السنة الجديدة الذي كان يقع عند ظهور القمر الجديد للشهر العاشر من السنة المدنية، وهو شهر تشرين.
وقد جاءت الإشارة لهذه السنة السبتية لأول مرة في سفر الخروج، باعتبارها السنة التي تريح فيها الأرض وتتركها ليأكل منها فقراء شعبك، كما جاء في قول الرب: «ستُّ سنين تزرع أرضك وتجمع غلَّتها. وأما في السنة السابعة فتُريحها وتتركها ليأكل فقراء شعبك، وفضلتهم تأكلها وحوش البرية. كذلك تفعل بكرمك وزيتونك» (خر 23: 11،10). إلاَّ أنه لم يكن مُحرَّماً على صاحب الأرض أن يأخذ لنفسه ”وجبة“ من أرضه لأسرته في السنة السبتية، كما جاء في سفر اللاويين: «ويكون سبت الأرض لكم طعاماً. لك ولعبدك ولأَمتك ولأجيرك ولمستوطنك النازلين عندك...» (لا 25: 6).
وبما أن كل أعمال الزراعة كانت تتوقَّف خلال السنة السبتية، فإنه يتبع ذلك أن لا يُطالب أحدٌ صاحبه بدَيْن عليه في تلك السنة. وهذا هو ما أوصى به الرب في سفر التثنية:
التنازُل عن الديون:
+ «وهذا هو حُكْم الإبراء: يُبرئ كلُّ صاحب دَيْن يده مِمَّا أَقْرَض صاحبه. لا يُطالِبُ صاحبه ولا أخاه، لأنه قد نُودِيَ بإبراءٍ للربِّ» (15: 2).
فمن الواضح أن الفلاح الذي لا يزرع أرضه في هذه السنة لن يتوفَّر لديه ما يُسدِّد به ديونه. أما قصد الله من شريعة السنة السبتية، فمن الواضح أنها كانت مثل شريعة تقديس اليوم السابع من الأسبوع الذي هو سبت راحة للرب، فكلاهما يتعلَّق بالإيمان بالله ”يهوه“ إله إسرائيل، لكي يعرفوا أن للرب السلطان على الأرض والزمن، وأنَّ الكل به وله قد خُلِقَ، فهو الخالق وضابط الكل وإله العهد، كقول المزمور: «للرب الأرض وملؤها» (مز 24: 1)، وهو الذي ”أعين الكل إيـَّاه تترجَّى ليرزقها قوتها في حينه“ (انظر مز 104: 27؛ 145: 15). وهكذا فإن أرض كنعان هي مِلكٌ خاص للرب، وقانون هذه الأرض التي أورثها لهم أنها لا تُباع البتة: «لأن لي الأرض، وأنتم نزلاء وغرباء عندي» (لا 25: 23)، وليس لهم حق التصرُّف فيها. كما أن حياة الإنسان لا تعتمد على ”الخبز وحده بل على كل كلمة تخرج من فم الله“ (انظر تث 8: 3).
إذن، فشريعة السنة السبتية هدفها تذكير إسرائيل بالتزامهم نحو جميع إخوتهم باعتبارهم أعضاء بعضُهم لبعض، وعلى كل واحد منهم أن يُعامل بالرحمة والرأفة كلَّ مدين له من بني جنسه، فلا يُطالبه بدينه في هذه السنة «لأنه قد نُودِيَ بإبراءٍ للرب»، كما لو كان الرب يقول للدائن: اجعلْ دين أخيك عليَّ، مثلما قال بولس الرسول في رسالته إلى فليمون عن عبده أُنسيمس: «ثم إن كان قد ظلمك بشيء أو لك عليه دينٌ، فاحسب ذلك عليَّ... أنا أُوفي» (فليمون 19،18).
كانت هذه هي وصية الله لشعبه بالنسبة لكل صاحب دَيْن على أخيه أو صاحبه، أما الأجنبي فيُستثنى من هذه المعاملة. فقد كان على بني إسرائيل أن يتعاطفوا مع الفقراء من إخوتهم، أما الأجنبي الذي سمحت الشريعة بمطالبته، فهو المقتدر مالياً والذي له معاملات تجارية معهم. وهو غير الغريب المُقيم في وسطهم والذي اندمج في جماعتهم، فقد نصَّت الشريعة في مواضع متعدِّدة بالعطف عليه وعدم مضايقته، متذكِّرين أنهم كانوا غرباء في أرض مصر (انظر خر 22: 21؛ 23: 9؛ لا 19: 23). لذلك تقول الوصية:
+ «الأجنبيَّ تُطالِبُ، وأما ما كان لك عند أخيك فتُبْرئه يدك منه. إلاَّ إنْ لم يكن فيك فقير، لأن الربَّ إنما يُباركك في الأرض التي يُعطيك الربُّ إلهك نصيباً لتمتلكها. إذا سمعتَ صوت الرب إلهك لتحفظ وتعمل كل هذه الوصايا التي أنا أُوصيك اليوم، يُباركك الربُّ إلهك كما قال لك. فتُقرِض أُمماً كثيرة وأنت لا تقترض، وتتسلَّط على أُمم كثيرة وهم عليك لا يتسلَّطون» (15: 3-6).
وفي هذا تأكيد لِمَا سبق وقاله الرب لهم، إنهم إذا عملوا بوصاياه، ولم يقبضوا أيديهم عن مساعدة إخوتهم المحتاجين، يُبارك الرب في أرزاقهم وفي عمل أيديهم، ويفيض عليهم الخير، حتى أنه لا يعود هناك فقير في ما بينهم، ويستطيعون أن يُقرضوا الشعوب الأخرى بينما هم لا يحتاجون إلى الاقتراض منهم، بل ويتسلَّطون عليهم ولن يتسلَّط عليهم أحد.
إقراض الفقراء:
+ «إن كان فيك فقيرٌ أحدٌ من إخوتك في أحد أبوابك في أرضك التي يُعطيك الربُّ إلهك، فلا تُقَسِّ قلبك، ولا تَقْبض يدك عن أخيك الفقير. بل افتح يدك له وأقرضه مقدار ما يحتاج إليه. احترز من أن يكون مع قلبك كلامٌ لئيمٌ قائلاً: قد قَرُبَت السنة السابعة سنةُ الإبراء، وتسوء عينك بأخيك الفقير ولا تُعطيه، فيصرخ عليك إلى الرب فتكون عليك خطيةٌ. أَعْطِه ولا يسوء قلبك عندما تُعطيه، لأنه بسبب هذا الأمر يُباركك الرب إلهك في كل أعمالك وجميع ما تمتدُّ إليه يدُك. لأنه لا تُفقَدُ الفقراء من الأرض. لذلك أنا أُوصيك قائلاً: افتح يدك لأخيك المسكين والفقير في أرضك» (15: 7-11).
هنا يُطالبهم الرب بما هو أكثر من مجرد إسقاط الديون عن المدينين في سنة الإبراء، كتنفيذٍ حرفيٍّ لأحكام الشريعة، فيحاول أن يجعل عطاءهم للفقير نابعاً من قلب رحيم مُحب وكرم وسخاء: «فلا تُقَسِّ قلبك، ولا تَقْبض يدك عن أخيك الفقير. بل افتح يدك له وأقرضه مقدار ما يحتاج إليه»، فـ «المُعطي المسرور يحبه الله» (2كو 9: 7). لأنه إن غابت المحبة والرحمة واختفى العطف والتراحم والدافع القلبي للعطاء، فسوف يؤدِّي ذلك إلى ردِّ الفعل المُخزي الذي يُحذِّر منه الرب؛ إذ يُساور المُعطي هذا الفكر الشرير باقتراب سنة الإبراء، فيتردَّد في إقراض المحتاج لعلمه أنه بحلول السنة السابعة لن يسترد تلك القروض. وهكذا يصرخ الفقير إلى الرب فيسمع له، لأن الرب ”لن ينسى صراخ المساكين“ (انظر مز 9: 12)، أما مَن أغلق أحشاءه عن المسكين فيجلب على نفسه خطية: «فمَن يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل، فذلك خطيةٌ له» (يع 4: 17). ومكتوب أيضاً في سفر الأمثال: «مَن يسدُّ أُذنيه عن صراخ المسكين فهو أيضاً يصرخ ولا يُستجاب» (أم 21: 13).
وفي ختام هذه الفقرة يُقرِّر الوحي الأمر الواقع، بأنه رغم وعد الرب لهم بالبركة، إنْ هم حفظوا وصايا الرب، فلا يكون في وسطهم فقير، إلاَّ أنه لن تخلو الأرض من وجود الفقراء، لأي سبب من الأسباب، طالما هم مُقيمون في العالم المتقلِّب وشروره وشهواته؛ لذلك يُوصيهم الرب أن يكونوا كرماء في العطاء، أسخياء في التوزيع. وهذه هي نفس روح الوصية في العهد الجديد عهد النعمة، حيث يمتد الرب بها إلى مـا هـو أكمل وأسمى، إذ يقول الرب يسوع: «مَن سألك فأعطه، ومَن أراد أن يقترض منك فلا تردَّه» (مت 5: 42)، وأيضاً قوله: «وإن أقرضتم الذين ترجون أن تستردُّوا منهم فـأيُّ فضلٍ لكم، فإن الخطاة أيضاً يُقرضون الخطاة لكي يستردُّوا منهم المِثْل. بل أحبوا أعداءكم، وأحسنوا وأقرضوا وأنتم لا تـرجون شيئاً فيكون أجركم عظيماً وتكونوا بني العليِّ، فإنـه مُنعِمٌ على غير الشاكريـن والأشرار. فكونوا رُحماء كما أن أبـاكم أيضاً رحيمٌ» (لو 6: 34-36).
(يتبع)