عظة آبائية


قيامة الجسد وجسد القيامة
- 3 -
للقديس أوغسطينوس

ثانياًً: جسد القيامة
+ «هكذا أيضاً قيامة الأموات: يُزرع في فساد، ويُقام في عدم فساد... يُزرع جسماً حيوانياً، ويُقام جسماً روحانياً... وكما لبسنا صورة الترابي، سنلبس أيضاً صورة السماوي» (1كو 15: 42-49).

في العظة الثانية للقديس أوغسطينوس عن القيامة يُجيب على التساؤل الثاني بخصوص جسد القيامة، وهو نفسه تساؤل بولس الرسول: «يقول قائل: كيف يُقام الأموات؟ وبأي جسم يأتون؟» (1كو 15: 35). فيذكر القديس أوغسطينوس المَثَل الآتي: «يُشبه ملكوت السموات شبكة مطروحة في البحر وجامعة من كل نوع، فلما امتلأت أصعدوها إلى الشاطئ، وجلسوا وجمعوا الجياد إلى أوعية، وأما الأردياء فطرحوها خارجاً. هكذا يكون في انقضاء العالم، يخرج الملائكة ويفرزون الأشرار من الأبرار» (مت 13: 47-49)، ثم يتساءل القديس: ما هي الأوعية؟

+ يُجيب القديس أوغسطينوس:

لقد أراد الرب أن يخبرنا أن كلمة الله هي الآن مطروحة على الشعوب والأمم مثل الشبكة في البحر، ولكنها الآن تجمع، بواسطة أسرار الكنيسة، الأبرار والأشرار معاً. ولكن ليس كل ما تجمعه هذه الشبكة يُجمع أخيراً في ”أوعية“. تلك الكلمة التي تعني هنا عروش القديسين والأماكن السرِّية العظيمة لحياتهم المباركة التي لا يمكن لكل مَن سُمِّي مسيحياً أن يأتي إليها؛ بل الذين هم فعلاً مسيحيون. فواضح أن السمك الجيد والرديء يوجد في الشبكة، وأن الأبرار يحتملون مع الأشرار بصبر حتى يُفصَلوا عن بعضهم في النهاية. ويقول المزمور: «تخفيهم في ستر وجهك» (مز 30: 20 حسب السبعينية). هنا يتكلَّم عن القديسين: إن الله سيخفيهم في ستر وجهه، حيث لا يمكن لأنظار الناس ولا أفكار المائتين أن تتتبَّعهم. وهذا يعني أنه سيُخفيهم في أماكن سرية عميقة. فالمقصود بـ ”ستر وجه الله“ هو ما عبَّر عنه في مَثَل الشبكة بكلمة ”أوعية“ أو ”مخازن“.

نحن الغرباء في هذا المكان نتطلَّع بإيماننا إلى بيتنا غير المعروف. ولماذا لا أعرف شيئاً عن موطني الأصلي؟

إن المسيح الرب ملك هذا الوطن الأُم لمَّا أخذ جسدنا، صار لنا طريقاً، وذلك لكي يكون رحيلنا من هنا بهذا الطريق، أي بالمسيح الإله المتجسِّد، ونقضي الأبدية مع المسيح الإله المتجسِّد. إذن، أيها الإخوة، هذا المكان السرِّي الذي لم تَرَه عين ولم تسمع به أُذن ولم يخطر على قلب بشر؛ أيُّ كلمات أضعها أمامكم عنه، وبأي عين نراه؟ إننا حينئذ سنعرف شيئاً لا يمكننا أن نُعبِّر عنه الآن بالكلام. إنني مثلكم أسير بالإيمان وليس بالعيان. ولكن الرسول بولس يُعزِّينا في جهلنا ويُشجِّع إيماننا بقوله: «أيها الإخوة، أنا لست أحسب نفسي أني قد أدركتُ. ولكنني أفعل شيئاً واحداً، إذ أنا أنسى ما هو وراء، وأمتد إلى ما هو قدَّام، أسعى نحو الغرض، لأجعل جعالة دعوة الله العُليا في المسيح يسوع» (في 3: 14،13). وبذلك يُظهِر الرسول أنه مثلنا على ”الطريق“.

وهو يقول أيضاً: «إننا ونحن مستوطنون في الجسد، فنحن متغرِّبون عن الرب، لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان» (2كو 5: 7،6). وأيضاً: «لأننا بالرجاء خلصنا، ولكن الرجاء المنظور ليس رجاءً، لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضاً؟ ولكن إن كنا نرجو ما لسنا ننظره، فإننا نتوقعه بالصبر» (رو 8: 25،24).

الكنيسة تُعلِّم بما تؤمن به وليس بما تعرفه:

يقول المزمور: «آمنتُ لذلك تكلَّمتُ» (مز 116: 10). وقد اقتبس الرسول هذه الشهادة وأضاف إليها: «نحن أيضاً نؤمن، ولذلك نتكلَّم أيضاً» (2كو 4: 13). إنني لن أخدعكم، يا إخوتي، وأُكلِّمكم عمَّا أعرفه؛ بل إنني سأُكلِّمكم عمَّا أومن به. ولكن الرب وحده يتكلَّم عمَّا يعرفه عن حياة المستقبل الأبدية. ومع ذلك فقد أمسك عن أن يقول كل شيء يعرفه قائلاً: «إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن» (يو 16: 12). فإن كنا نؤمن بالقيامة المزمعة، وقد اعتمدنا على أساس هذا الاعتراف؛ فنحن نسأل الآن: كيف ستكون أجساد القديسين؟ وما هي طبيعة حياتهم المقبلة؟ لأن كثيرين يظنون أن القيامة ستكون للأرواح فقط!

إن كلَّ ما بُنِيَ على تدابير الخلاص التي تمَّت بواسطة الرب يسوع لم ولن ينتهي. اسمعوا مثلاً لذلك: المهندس يبني بيتاً قوياً بوسائل سينتهي وجودها في الحال، لأن الصرح العظيم الذي بناه قد استُخدمت في بنائه وسائل لن توجد بعد اكتمال البناء.

هكذا أيضاً عندما يُبنى أي شيء في الإيمان المسيحي، تُستخدم فيه وسائل وقتية. فقيامة المسيح وصعوده قد كملا وانتهيا، وهو الآن لا يموت أيضاً ولا يسود عليه الموت بعد (رو 6: 9). وهنا تحيا فيه إلى الأبد الطبيعة نفسها التي اتخذها بتجسُّده ووُلِدَ بها ومات ودُفِنَ بها، وهذه قد بُنيت وستبقى إلى الأبد. أما الوسائل التي بُنيت بها فقد انتهت، وهذه الوسائل هي: ولادته من الرحم البتولي، والقبض عليه، ومحاكمته، وجلده، وصلبه، ودفنه. فكل هذه قد رُتِّبت (وهي تدابير الخلاص) حتى يُبنى بواسطتها هذا الذي يبقى إلى الأبد. أما قيامة الرب فقد تأسَّست في السماء.

المسيح هو أساس بنائنا ورأسنا:

كل بناء على الأرض لابد له من أساس متين حتى لا يهبط المبنى بحُكْم ثقله إلى داخل الأرض، وحتى يبني صاحب البيت بيته في أمان، كما أن حجم البناء يعتمد على صلابة وقوة الأساس. أما مدينتنا السماوية أورشليم فهي تُبنى في السماء، وقد ذهب المسيح قبلنا إلى هناك ليكون أساساً لها. فهو هناك أساس ورأس الكنيسة، لأن رأس البناء هو الذي يبدأ منه البناء، أي الأساس، مرتفعاً إلى فوق. وكما يوضع الأساس أسفل البناء ثم يرتفع البناء عليه حتى يكمل؛ هكذا حدث مع المسيح: إنه وُلد طفلاً ثم نما تدريجياً، ثم أُهين وجُلد وصُلب وقُتِلَ ودُفن، وبذلك صار هو الأساس المتين لبنائنا السماوي الأبدي.

وإذ وضعنا أساسنا في الأعالي، فلنبنِ أنفسنا عليه كما يقول الرسول: «لا يستطيع أحد أن يضع أساساً آخر غير الذي وُضع، الذي هو يسوع المسيح، ولكن إن كان يبني على هذا الأساس: ذهباً، فضة، حجارة كريمة، خشباً، عُشباً، قشّاً؛ فعمل كل واحد سيصير ظاهراً» (1كو 3: 11-13). وإن كان المسيح حقّاً في السماء، فهو أيضاً في قلوب الذين يؤمنون به، وأساس حياتهم. لذلك فهم يبنون عليه بأمان، لأنهم يجعلون له المكانة الأولى في قلوبهم قبل كل شيء آخر.

هل يوجد في السماء طعام كطعامنا؟

إننا نقرأ أن ملائكة عملوا أعمالاً بشرية على الأرض، فقد جاء ثلاثة ملائكة إلى إبراهيم وأكلوا، وذهب ملاك مع طوبيا وأكل. فهل نقول إن هذا كان خداعاً وليس حقيقة؟ قال الملاك روفائيل لطوبيت وابنه طوبيا: «كان يظهر لكم أني آكل وأشرب معكم، وإنما أنا أتخذ طعاماً غير منظور، وشراباً لا يبصره بشر» (طو 12: 19). لقد أكل الملاك فعلاً، ولكنه ماذا يقصد بقوله: «كان يظهر لكم»؟ إن جسد الإنسان طالما أنه قابل للفساد ونهايته الموت، فهو يحتاج إلى غذاء وإنعاش، ومن هنا نحن نُعاني الجوع والعطش. وإذا أطلنا مدة الجوع والعطش فوق ما يحتمله الجسد، فهذا يقود إلى تبديد قوة الجسد وإلى نحافة ضارة به، فتضمحل قوتنا ولا ترجع. وإذا استمر الحال هكذا يؤدِّي ذلك إلى الموت، لأن خلايا الجسد تموت ولا يبني غيرها إلاَّ الغذاء. وتُفارقنا قوتنا ببطء أكثر من تجديدها بالغذاء.

وكما أن زيت المصباح يملأه سريعاً ويُستهلك ببطء، وعندما يقترب من الانتهاء يُنذرنا صغر اللهب واضطرابه باحتياج المصباح إلى زيت، ونحن نُسرع إلى إمداده به، فيتجدَّد بريق اللهب ويستمر المصباح مشتعلاً؛ هكذا الحال مع قوتنا الجسدية التي نستمدها من الطعام، فهي تأتي إلينا ثم تذهب بانحلال لا يتوقف ولكنه تدريجي. وتستمر مفارقة قوتنا لنا سواء أثناء عملنا أو حتى أثناء راحتنا. وإذا استُهلكت كلها يموت الإنسان كما ينطفئ لهب المصباح. هذه هي طبيعة الجسد. وأقمصة الجلد التي ارتداها آدم وحواء عندما طُردا من الفردوس تشير إلى هذه القابلية للموت (تك 3: 21)، لأن الجلد الذي يسلخه الناس من الحيوانات الميتة هو رمز للموت.

ومع هذا، فإن الطعام لن يؤمِّن الجسد ضد الموت. وحتى المصباح، فرغم أن لهبه يتجدَّد بالزيت، فلا يمكنه أن يشتعل إلى الأبد، لأن شريط المصباح لابد أن يُستهلك من كثرة الاستعمال؛ وهكذا نحن نحمل على عاتقنا أجساداً كهذه، فلابد أن يأتي وقت الشيخوخة حيث تنهار أجسادنا من الضعف. والملاك لا يأكل عن ضرورة، فإن كان الإنسان يأكل حتى لا يموت، فالملاك يأكل لكي يُشارك المائتين. لأنه إن كان الملاك لا يخاف الموت، فهو لا يُجدِّد قوته من ضعف، ولا يأكل عن جوع، وهذا هو معنى قول الملاك روفائيل: «كان يظهر لكم أني آكل»، أي: إنني كنتُ آكل ليس لأنني جائع أو محتاج، بل لكي أُشارككم.

بقاء طاقة الأكل بعد القيامة:

إننا بقيامتنا مثل المسيح لن يسود علينا الموت بعد، أي أننا ”سنكون مثله“. إذن، فلابد أن نتغيَّر، وإن كانت طاقة الأكل والشرب ستبقى معنا، ولكن ليس عن احتياج. وهذا هو السبب في أن الرب أَكَلَ بعد القيامة، لأن تلاميذه الذين أراد أن يُشاركهم كانوا لا يزالون في الجسد، كما أنه أراد أن يُريهم جراحاته، لأن ذاك الذي أعطى عينين للأعمى الذي خرج من بطن أُمِّه بدونهما كان يستطيع أن يقوم من بين الأموات بدون آثار جروحه، ولو أراد قبل موته أن يُغيِّر من جسده الضعيف القابل للموت حتى لا يُعاني من أي احتياج، لكان قد فعل ذلك، لأن هذا كان في قدرته لأنه هو الله الظاهر في الجسد وابن الله القادر على كل شيء مثل أبيه. لأنه حتى قبل موته غيَّر جسده كما أراد، وذلك على جبل التجلِّي عندمـا أضاء وجهه كالشمس (مـت 17: 2). لقد فعل ذلك بقدرته لكي يُريهم أنه استطاع أن يُغيِّر جسده مُحرراً إيَّاه من كل احتياج حتى أنه لو كان يريد لكان قد جعله لا يموت كما قال: «لي سلطان أن أضع نفسي، ولي سلطان أن آخذها أيضاً، ليس أحد يأخذها مني» (راجع يو 10: 18،17). ولكن عظيمة هي رحمته التي جعلته يضع نفسه ويموت لكي يضع الأساس لقيامتنا، لكي بعد أن نموت نقوم أيضاً إلى حياة الخلود التي نترجاها.

لقد كُتب عن الرب أنه قبل موته، جاع وأكل وعطش وشرب؛ أما بعد قيامته فلم يُذكَر عنه أنه جاع أو عطش؛ بل إنه أكل وشرب فقط، لأن جسد الرب الذي لم يَعُد قابلاً للموت بعد القيامة، لم يَعُد فيه الاحتياج السابق الذي ينشأ من اتجاه الجسد المستمر نحو الانحلال، وبالتالي يحتاج إلى تجديد.

أما قدرته على الأكل فقد بقيت كما هي؛ وهكذا أكل لكي يكون على شاكلتنا في حياتنا، وليس لكي يُشبع احتياجات الجسد، بل لكي يُقنعنا بحقيقة القيامة! +

(يتبع)

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis