من تاريخ كنيستنا
- 58 -


الكنيسة القبطية في القرن العاشر
البابا أبرآم السرياني
- 2 -
البطريرك الثاني والستون
في عداد بطاركة الكرسي الإسكندري
(975 - 978م)
شخصيات قبطية في خدمة الكنيسة والوطن

مِن سمات البابا أبرآم السرياني:
- بعد أن بنى البابا كنائس كانت مُهدَّمة وأكمل بناء كنائس كانت متوقِّفة، بنى في الإسكندرية كنائس كثيرة كانت قد تقادمت مبانيها، وأنفق في ذلك أموالاً كثيرة، حتى أنه لم يمكنه أن يوفي شعب الإسكندرية الألف دينار المستحقة لكنائس الإسكندرية. ولما طالبوه بها، استطاع بكياسة حديثه ولطف منطقه أن يُعطيهم كل سنة خمسمائة دينار. فرضوا بذلك ولم يصدر عنهم أيُّ تذمُّر أو احتجاج، كما حدث منهم في مواجهة البابا الأسبق ثاوفانيوس (البطريرك الستون).

- وكان البابا أبرآم ثاني بطريرك يُعاصر المعز لدين الله الفاطمي (بعد البابا أنبا مينا). وفي بداية رسامته، كان الوزير في مصر هو ”أبو اليُمْن قزمان بن مينا“. وكان رجلاً تقياً لم يتزوَّج قط، ولم يُسمَع عنه أية صفة من الصفات التي تُلازم القريبين من السلطة، بل كان يفعل الخير مع كل الناس، ومشكوراً من كل أحد. ويقول كتاب ”تاريخ البطاركة“: إنه نال حظوة، وكسب محبة المُعزِّ، وذلك بسبب حُسْن سيرته، وصفاء نيَّته، وقوة أمانته. وكان المعزُّ يقبل مشورته، ولذلك جعله متولِّياً خِراج (ضرائب) مال مصر (أي وزير مالية بلغتنا المعاصرة).

ولما رأى يعقوب بن كلس الوزير اليهودي الرِّفْعَة التي نالها ”أبو اليُمْن“ عند المعز، حسده؛ وخاف أن يجعله وزيراً ويطرده هو. فأضمر سوءاً لـ ”أبو اليُمْن“، فأشار على المُعزِّ أن يبعث بقزمان بن مينا (وهذا هو الاسم الشخصي لـ ”أبو اليُمْن“) إلى فلسطين ليُدبِّر أمر جمع أموال الخِراج من هناك مادحاً إيَّاه ليُقنع المعزَّ ، بينما هو يسعى خفية إلى إبعاده عن المُعزِّ. وهكذا سافر أبو اليُمْن إلى فلسطين. فلما وصل إليها، بدأ يفحص أمورها المالية، واستطاع أن يستخرج من أهلها مائتي ألف دينار.

لكن حدث أنَّ أحد أهالي بلاد المشرق وشهرته ”القرمطي“ مَلَكَ بلاد الشام حتى وصل إلى فلسطين بجيش كوَّنه من بلاد سوريا وتملَّك عليها أيضاً. فلما بلغ قزمان بن مينا (أبو اليُمْن) خبر ذلك، أخذ هذا المال الذي حصَّله ومضى به إلى دير فوق جبل طابور (جبل التجلِّي)، وسلَّمه لمُقدِّم الدير كوديعة يحفظها خوفاً من أن يستولي عليها القرمطي، وعاد إلى عمله. فلما وصل القرمطي إلى قزمان، قال له: ”لا تخف، فلن يلحقك مني شرٌّ. وأنا أبغي أن أجعلك بصحبتي كما كنتَ مع المعزِّ“، وعاهده على ذلك.

وأبلغ أهل الوشاية الخبر إلى المُعزِّ في مصر أنَّ ”أبو اليمن قزمان بن مينا“ قد اتفق مع القرمطي وصالحه على حساب المُعزِّ. ولمَّا عَلِمَ الوزير اليهودي بذلك وجد حجة لكي يشي به أمام المعز، كأن ”قزمان بن مينا“ الذي وثق به المُعزُّ قد صالَح عدو المعزِّ ودفع له المائتي ألف دينار التي جمعها من رعية المعزِّ ليتقوَّى القرمطي بهذا المال ضد المُعزِّ.

فغضب المعز وأمر بالقبض على جميع أهل قزمان ونَهَبَ أموالهم واعتقلهم. فلما وصل القرمطي إلى مصر، خرج المُعزُّ لمحاربته وهزمه وقتله.

وفي الوقت نفسه كتب قزمان من فلسطين خطاباً إلى المعز وأعلمه بما جرى له مع القرمطي، وكيف استطاع أن يُنقذ المائتي ألف دينار. فلما عَلِمَ المعز بذلك، نقم على الوزير ابن كلس وقبض عليه وقتله، وأرسل إلى قزمان الإنسان التقي الفاضل ليحضر من فلسطين.

فلما وصل قزمان إلى مصر والمال في صُحبته، أثنى عليه المعزُّ وأكرمه بعد أن أفرج عن جميع أمواله وأهله، وأعاد لهم مالهم الذي استولى عليه.

وكان قزمان بن مينا قد حصل لنفسه قبل سفره إلى فلسطين تسعين ألف دينار. فلما عزم على السفر، سلَّمها للأب أنبا أبرآم البطريرك وقال له: ”إذا سمعتَ أنني توفيتُ، فاصرفها على الكنائس والمحتاجين والمأسورين. أما إن عُدتُ سالماً، فأنا أستردُّ مالي“.

فلما عاد إلى مصر سالماً، واطمأن إلى المعزِّ، طلب من البطريرك أنبا أبرآم التسعين ألف دينار. فقال له البابا:

- ”سمعتُ ما جرى عليك في الشام، فظننتُ أنك لن تعود إلى مصر ثانية بسبب ما جرى لأهلِكَ نتيجة وشاية الوزير ابن كلس؛ فخفتُ أن يبلغ المعز خبر المال الذي اسـتودعته عندي فيأخـذه، فصرفته فيما أمـرتني به“.

فلما سمع قزمان هذا الكلام، لم يقُل أية كلمة ولا سأله في أي شيء صرفت المال، بل قال له: ”يا أبي، قد أحسنتَ إليَّ، وصنعتَ معي رحمةً، إذ فرَّقتَ مالي على المحتاجين“.

مشاهير الأقباط في أثناء حُكْم الفاطميين:

وقد اشتهر من عائلة ”قزمان بن مينا“ أثناء حُكْم الفاطميين رجالٌ أدُّوا خدمات جليلة لوطنهم وكنيستهم. ومن هؤلاء: ”الشيخ أبو المكارم بن حنا“ الذي اشتهر بتجديد قباب كنيسة القديس أبا نوفر السائح بالحمراء من أحياء القاهرة، و”الشيخ صنيعة الملك أبو الفرج“، و”الشيخ عَلَم السعداء أبو اليُمن“، و”الشيخ أبو الفرج بن أبي اليُمْن“(1).

مآثر البابا أبرآم السرياني:

- ومن مآثر البابا أبرآم، أنه أدخل إلى الكنيسة القبطية صوم نينوى الذي يصومه السريان. كما أنه ألحق بصوم الميلاد ثلاثة أيام بعد أن كان يُصام أربعين يوماً فقط. وهذه الأيام الثلاثة هي التي صامها المسيحيون في عهد هذا البطريرك ليرفع الله عنهم الويل الذي كان مزمعاً أن يحلَّ بهم بسبب نقل جبل المقطم.

- ومن أعمال هذا البابا المجيدة، أنه اجتهد في مقاومة كل العوائد الذميمة التي كانت متفشية بين شعبه بسبب اختلاطهم بالغرباء. فألغى أمر بيع الرُّتب الكهنوتية والمناصب الكنسية التي اضطر لممارستها بعض البطاركة للتخلُّص من الغرامات الفادحة التي فرضها عليهم الولاة.

- ومن أعظم إصلاحاته التي قام بها بكل غيرة، مُحاربة عادة التسرِّي التي انتشرت بين الأقباط انتشاراً هائلاً، أفسد حياتهم الروحية، ولا سيما الموظفون منهم في دواوين الحكومة؛ وذلك بسبب تمتُّعهم بالراحة والرفاهية في ظل الدولة الفاطمية، وتقلُّدهم المناصب الرفيعة، حيث كانت لهم الكلمة النافذة في دواوين الحكومة، ناسين الأتعاب والمصائب التي كانت تتوالى عليهم.

فقد قام البابا أبرآم وأنكر على هؤلاء الموظفين هذه العادة الذميمة، وطلب منهم أن يُقلِعوا عنها. ولأنها كانت قد تأصَّلت فيهم واعتادوا عليها وألِفُوها، فلم يسهل عليهم التنازل عنها فجأة. لذلك لم يَلْقَ البابا منهم سوى الإباء والمقاومة. وكان أشد المقاومين رجل مشهور بالغِنَى ونفوذ الكلمة يُدعى ”أبا السرور“، وهو من الحاصلين على المناصب العالية في الحكومة، إذ كانت لديه عدة سراري. فاعترض عليه الأب البطريرك. فلمَّا لم يرتدع، أصدر عليه البابا حرماناً من الكنيسة. ويُقال إن هذا الإنسان سعى في موت البابا، إذ دَسَّ له السُّم.

نياحة البابا أبرآم:

وكانت مدة حبرية البابا أبرآم على كرسي كنيسة الإسكندرية ثلاث سنين وستة أشهر، وتنيَّح ودُفِن مع آبائه القديسين يوم 6 كيهك عام 979م. ولم يتبقَّ مع البابا أبرآم شيء عند موته، لا من التسعين ألف دينار (التي استودعها عنده ”قزمان ابن مينا“)، ولا من المال الكثير الذي كان معه لنفسه قبل رسامته بطريركاً، ولا درهما واحداً؛ إذ صرف كل ذلك في بناء الكنائس والصدقات.

صلواته تكون معنا آمين. +


(1) عن: ”دائرة المعارف القبطية“، تأليف رمزي تادرس، الجزء الأول، صفحة 73 (عن كتاب: ”قصة الكنيسة القبطية“، الكتاب الثالث، تأليف إيريس حبيب المصري).

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis