|
ناموس المسيح |
|
|
+ [هذا هو الجزء الأخير من هذا البحث الذي يُناقش عدداً من الاعتراضات على جدوى الصلاة. ففي الجزء الأول (فبراير 2008 - ص 29) واجهنا الذين لا يرون معنىً للصلاة، لأن الله لا يحتاج إلى عبادتنا أصلاً. وفي الجزء الثاني (مارس 2008 - ص 25) كان الردُّ على مَن يُشكِّكون في جدوى توسُّلاتنا أمام مشيئة الله المطلقة. وناقش الجزء الثالث (أبريل 2008 - ص 27) المنادين بعدم جدوى الجهاد والصلاة لبلوغ الخلاص الأخير، إذا كان المصير قد تحتَّم سلفاً. وفي هذا الجزء الرابع نناقش مَن يؤمنون باختيار البعض مُسْبقاً للخلاص، أي أنه ليس لِمَن يشاء أو لِمَن يسعى بل لله الذي عيَّن المخلَّصين والهالكين].
رابعاً: ما جدوى الجهاد والعبادة مع ما يُقال عن المكتوب من تعيين الله السابق
واختياره البعض للحياة والبعض للهلاك؟
وأحداث وآيات الكتاب في العهدين التي يشير ظاهرها إلى تعيين الله السابق للمصائر معروفة، ولكن فهمها يكون قاصراً مُضلِّلاً إذا أُخِذَت وحدها دون أن تقترن وتُقارَن مع سائر آيات الكتاب ومعاملات الله مع الإنسان وخطته الأزلية للخلاص.
وهناك في العهد القديم ما قاله الله لرفقة زوجة إسحق عن ابنيهما يعقوب وعيسو قبل أن يولدا: «في بطنكِ أُمَّتان، ومن أحشائكِ يفترق شعبان، شعب يقوى على شعب، وكبير يُستعبد لصغير» (تك 25: 23). وإلى هذه الواقعة أشار أيضاً القديس بولس في رسالته إلى رومية: «رفقة أيضاً، وهي حُبلى من واحد وهو إسحق أبونا، لأنه وهما لم يُولدا بعد، ولا فَعَلا خيراً أو شراً، لكي يثبت قصد الله حسب الاختيار، ليس من الأعمال بل من الله الذي يدعو، قيل لها (من الله): إن الكبير يُستعبد للصغير، كما هو مكتوب: أحببت يعقوب وأبغضت عيسو» (مل 1: 3،2؛ رو 9: 10-13).
و«علم الله السابق» حسب تعبير القديس بطرس (1بط 1: 2)، هو الذي يُفسِّر لماذا اختار الله يعقوب (ليكون رئيس الشعب الذي يأتي منه المسيح حسب الجسد)، ورَفَضَ عيسو حتى قبل أن «يولدا بعد ولا فعلا خيراً أو شراً»، وحياة كل منهما فيما بعد تشهد أن قضاء الله لم يكن مجرد تعبير عن سلطانه المطلق، وإنما تأسَّس على طاعة يعقوب (الأصغر) واتِّباعه طريق الله، وضلال عيسو (الأكبر) واستهتاره واحتقاره بكوريته ساعة جوعه؛ وهذا كله كان مكشوفاً قدَّام الله مبكِّراً جداً بسبب علمه السابق. وكل من عيسو ويعقوب اختار طريقه بإرادته. وتعبير ملاخي النبي: «أحببت... وأبغضت» الذي يُعبِّر به بشرياً عن موقف الله من يعقوب وعيسو كان نتيجةً وليس سبباً.
2 - وعلم الله السابق هو أيضاً الذي يُفسِّر ما كتبه القديس بولس: «ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله الذين هم مدعوُّون حسب قصده، لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعيَّنهم ليكونوا مُشابهين صورة ابنه، ليكون هو بكراً بين إخوة كثيرين. والذين سبق فعيَّنهم فهؤلاء دعاهم أيضاً، والذين دعاهم فهؤلاء برَّرهم أيضاً، والذين برَّرهم فهؤلاء مجَّدهم أيضاً» (رو 8: 28-30). فالتعيين السابق، ومِنْ ثمَّ التبرير والتمجيد، يستند إلى معرفة الله المُسْبقة بهؤلاء، فهو ”كلِّي المعرفة“، وبحسب علم الله «يعلم الله الذين هم له» (2تي 2: 19)، فإنه اختار هؤلاء الذين سيستجيبون لعمل نعمته رغم بساطة مواهبهم، وليُظهِر فيهم قوته، ويُكرِّسون حياتهم للكرازة بالخلاص: «اختار الله جهَّال العالم ليُخزي الحكماء. واختار الله ضعفاء العالم ليُخزي الأقوياء، واختار الله أدنياء العالم والمزدرَى وغير الموجود ليُبطل الموجود، لكي لا يفتخر كل ذي جسدٍ أمامه» (1كو 1: 27-29). وهكذا اختار تلاميذه (لو 6: 13؛ يو 15: 16)، ومن قبلهم «اختار داود عبده وأخذه من حظائر الغنم... ليرعى شعبه وإسرائيل ميراثه» (مز 78: 71،70،68،67) الذي وجده حسب قلبه وسيصنع مشيئته (1صم 13: 14؛ أع 13: 22)، وجاء الرب من نسله المبارك.
وبنفس القياس يمكن فهم الآيات التالية عن تعيين الله السابق للمؤمنين قبل تأسيس العالم: «مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويَّات في المسيح، كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قدِّيسين وبلا لوم قدَّامه في المحبة. إذ سبق فعيَّننا للتبنِّي بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته... الذي فيه (في المسيح) أيضاً نلنا نصيباً مُعيَّنين سابقاً حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته» (أف 1: 3-5، 11)، «وأما نحن فينبغي لنا أن نشكر الله كل حين لأجلكم أيها الإخوة المحبوبون من الرب، أن الله اختاركم من البدء للخلاص بتقديس الروح وتصديق الحق» (2تس 2: 13).
3 - المؤمنون الذين يُتمِّمون خلاصهم هم مختارون. والمختارون هم المؤمنون الثابتون في المسيح بحسب علم الله السابق. وتعبير ”المختارين“ أو ”المُعيَّنين“ يُطلق دون تمييز على المؤمنين المتمسكين بخلاصهم، كما يقول القديس يوحنا الرائي في سفر الرؤيا: «هؤلاء سيُحاربون الخروف، والخروف يغلبهم، لأنه رب الأرباب وملك الملوك، والذين معه مدعوُّون ومختارون ومؤمنون» (رؤ 17: 14)، «فلما سمع الأمم ذلك كانوا يفرحون ويُمجِّدون كلمة الرب (التي سمعوها من بولس وبرنابا في أنطاكية بيسيدية)، وآمن جميع الذين كانوا مُعيَّنين للحياة الأبدية» (أع 13: 48)، «بطرس... إلى المتغرِّبين... المختارين بمقتضى علم الله الآب السابق في تقديس الروح للطاعة ورش دم يسوع المسيح» (1بط 1: 2،1).
والرب استخدم تعبير ”المختارين“ كثيراً ليصف المؤمنين به لتمييزهم عن أهل العالم الرافضين، فيقول: «وسيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة، ويعطون آيات وعجائب، حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضاً» (مت 24: 24؛ مر 13: 22)، «فيُرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت، فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح» (مت 24: 31؛ مر 13: 27). وقال الرب لحنانيا عن شاول: «اذهب لأن هذا (شاول) لي إناء مختار ليحمل اسمي إلى أمم وملوك وبني إسرائيل» (أع 9: 15).
والقديس بولس يُخاطب المؤمنين باعتبارهم مختارين من الله للخلاص: «فالبسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفات...» (كو 3: 12)، «مَن سيشتكي على مختاري الله» (رو 8: 33).
والقديس بولس أيضاً في حديثه عن دخول الأمم في الإيمان بينما رفضه الذين هم خاصته (أي شعب إسرائيل)، يستخدم تعبيرَي: الاختيار، والمختارون: «فكذلك في الزمان الحاضر أيضاً (مقابل ما جرى أيام إيليا حيث أبقى الله سبعة آلاف ركبة لم تسجد للبعل) قد حصلت بقية (الأمم) حسب اختيار النعمة... ما يطلبه إسرائيل ذلك لم ينله ولكن المختارون (الأمم) نالوه... من جهة الإنجيل هم (اليهود) أعداء من أجلكم (الأمم)، وأما من جهة الاختيار فهم أحباء من أجل الآباء، لأن هبات الله ودعوته هي بلا ندامة» (رو 11: 29،28،7،5)، «لأجل ذلك أنا أصبر على كل شيء لأجل المختارين (من الأمم الذين لم يتبعوا الرب بعد) لكي يحصلوا هم أيضاً على الخلاص» (2تي 2: 10).
والقديس بطرس يُطالب المؤمنين أن يجتهدوا، بمعونة النعمة، ألاًَّ يحيدوا عن دعوتهم واختيارهم: «لذلك بالأكثر اجتهدوا، أيها الإخوة، أن تجعلوا دعوتكم واختياركم ثابتَيْن، لأنكم إذا فعلتم ذلك لن تزلُّوا أبداً» (2بط 1: 10).
4 - إن التعليم الخاطئ بالاختيار أو الرفض المُسْبق استناداً إلى سلطان الله المطلق ينفي عن الله عدله، ويُلقي بشُبهة الظلم والمحاباة على الله ودينونته، وحاشا لله أن يكون ظالماً أو مُحابياً يحكم بحسب الهوى كالبشر، وهو المكتوب عنه: «لأن الرب إلهكم هو إله الآلهة ورب الأرباب، الإله العظيم الجبار المهيب، الذي لا يأخذ بالوجوه، ولا يقبل رشوة» (تث 10: 17)، «وهو يقضي (يدين) للمسكونة بالعدل» (مز 9: 8؛ 96: 13؛ 98: 9)، «كل أعماله حق وطرقه عدل» (دا 4: 37)، «إكليل البر الذي يهبه لي الـرب الديَّـان العادل» (2تي 4: 8)، «عادلٌ أنت أيها الكائن والذي كان والذي يكون، لأنك حكمتَ هكذا» (رؤ 16: 5)، «لأن ليس عند الرب إلهنا ظلم ولا محاباة ولا ارتشاء» (2أي 19: 7)، «لأن ليس عند الله محاباة» (رو 2: 11؛ أف 6: 9)، «الذي يحكم بغير محاباة حسب عمل كل واحد» (1بط 1: 17).
5 - كل معاملات الله للبشر كما يُسجِّلها الكتاب لا تعرف الانحياز: «يدين الشعوب بالاستقامة» (مز 9: 8؛ 96: 10). فهو قَبِلَ ذبيحة هابيل البار لأنها كانت أفضل من ذبيحة قايين (تك 4: 4؛ عب 11: 4؛ 1يو 3: 12)؛ والله نقل إليه أخنوخ لأنه سار معه (تك 5: 24)، و«شُهِدَ له بأنه قد أرضى الله» (عب 11: 5)؛ ونوح وجد نعمة في عيني الله لأنه كان رجلاً كاملاً في أجياله (تك 6: 9،8)، و«صار وارثاً للبر الذي حسب الإيمان» (عب 11: 7)، إذ صدَّق أمر الله وصنع الفُلك، فنجا ومَن معه من الطوفان؛ والله لم يَنْحَز لإبراهيم والآباء وأعطاهم الوعد أن يرثوا الخلاص، إلاَّ لأنهم آمنوا به وانحازوا إليه: «فآمن (إبراهيم) بالرب فحسبه له برّاً» (تك 15: 6؛ رو 4: 3؛ غل 3: 6؛ يع 2: 23)، وهو زكَّى إيمانهم بالتجارب فاجتازوها؛ ومع هذا فإنَّ إسرائيل لما أخطأ لم يَعْفِه الرب من العقاب: فعبدة العجل الذهبي حُكِمَ عليهم بالموت (خر 32: 28؛ 1كو 10: 7)، والمتذمِّرون أهلكتهم الحيَّات (عد 21: 6؛ 1كو 10: 10،9)، والذين زنوا ماتوا (عد 25؛ 1كو 10: 8)، ولما تخلَّى الشعب عن الله تخلَّى عنهم، وذاقوا مذلة السبي في أرضٍ غريبة ثم مهانة الاحتلال الأجنبي. ولما رفضوا المسيح رفضهم ولم يَبْقَ في هيكلهم حجر على حجر، وقَبِلَ الأُمم الذين آمنوا به كما قَبِلَ في القديم راحاب الزانية (عب 11: 31؛ يع 2: 25)، وراعوث الموآبية (را 1: 16؛ مت 1: 5)، وإنْ وعد أنَّ «البقية ستخلُص» (رو 9: 27) في آخر الأيام.
6 - إن التعليم بالاختيار ينفي عمومية موت المسيح من أجل الجميع (2كو 5: 15) وأنه من أجل جماعة اختارها مُسبقاً، وبالتالي ينفي عمومية دعوة الخلاص للكل (1تي 2: 4)؛ بل هو إهدار لدم المسيح الذي يقدر أن يُطهِّر العالم كله: «هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل مَن يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 16)، «كل مَن يدعو باسم الرب يخلُص» (أع 2: 21)، «ودم يسوع المسيح ابنه يُطهِّرنا من كل خطية... وإن أخطأ أحدٌ فلنا شفيع عند الآب، يسوع المسيح البار، وهو كفَّارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا كل العالم أيضاً» (1يو 2: 2،1)، ”الداعي الكل إلى الخلاص لأجل الموعد بالخيرات المنتظرة“ (تحليل في صلوات الأجبية).
7 - إن التعليم بالاختيار المُسْبق ينفي عن الله أنه خلق الإنسان حُرّاً(1). ولو لم يكن الإنسان حُرّاً مُريداً لكانت محاسبته تعسُّفاً. فالدينونة قائمة على أساس حرية الإنسان في تبعية الله أو رفضه، ولا معنى - إذن - لعبادة أو إيمان؛ وهو يُفقد المؤمن رجاء الحياة الأبدية ويطرح من قلبه أي يقين من جهة الخلاص، ويجعل جهاده في السير وراء المخلِّص عبثاً ووهماً كمَن يُضارِب الهواء أو يهيم على وجهه. فأيُّ جدوى في السعي إلى مصير مجهول.
والآيات كثيرة، تلك التي تشير إلى حقِّ الإنسان في قبول الدعوة أو رفضها: «قد جعلتُ اليوم قدَّامك الحياة والموت، البركة واللعنة. فاخْتَر الحياة لكي تحيا أنت ونسلك» (تث 30: 19)، «وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه» (يو 1: 12)، «إن أراد أحدٌ أن يأتي ورائي، فليُنكر نفسه ويحمل صليبه (كل يوم) ويتبعني» (مت 16: 24؛ مر 8: 34؛ لو 9: 23)؛ «إن أردتَ أن تكون كاملاً... وتعالَ اتبعني» (مت 19: 21).
ومَثَل الابن الضال يُشير إلى حرية الإنسان في التخلِّي عن الله أو عودته إليه، واستعداد الله لقبول الخاطئ التائب (لو 15: 11-32). كما أن مَثَل الزارع يُبيِّن أن البذار (أي كلمة الله ودعوته) تُلقَى على كل أنواع التربة (أي النفوس)، والأرض الجيدة (أي النفوس المستعدة المستجيبة) هي التي تُعطي ثمراً.
ومع هذا فهذه الإرادة الحُرَّة يمكن أن تتقدَّس وأن تتجه دوماً لِمَا فيه خلاص المؤمن إذا سلَّم حياته لإله كل برٍّ لتسود إرادته هو: «تمِّموا خلاصكم بخوف ورعدة، لأن الله هو العامل فيكم أن تُريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة» (في 2: 13،12)، «مَن يصنع مشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأُمي» (مت 12: 50)؛ «لتكن لا إرادتي بل إرادتك» (لو 22: 42).
والمؤمن عندما يتحيَّر أحياناً أمام البدائل ولا يعرف ماذا يختار في بعض مواقف الحياة، فإنه يُحوِّل وجهه نحو الله، طالباً أن يُعينه بالاختيار الصائب كما فعل التلاميذ عند اختيار تلميذ بديلاً عن يهوذا الذي سقط: «وصلُّوا قائلين: ... عيِّن أنت مِن هذين أيّاً اخترته، ليأخذ قرعة هذه الخدمة... ثم ألقوا قرعتهم على متياس، فحُسِبَ مع الأحد عشر» (أع 1: 24-26).
(الصلاة والعبادة والتسبيح هي هبة الله العظمى التي أنعم بها علينا كأولاد الله (يو 1: 12؛ 1يو 3: 1)، يلتقون بأبيهم الذي في السموات مُتشفِّعين بابنه يسوع المسيح البار الذي صولحنا فيه. والله وإن كان لا يحتاجنا، ولكنه أحبنا وخلَّصنا من الموت، وجعل لنا الحياة الأبدية ميراثاً. ونحن بدونه، في حياتنا على الأرض، لا نقدر أن نفعل شيئاً (يو 15: 5). وعندنا وعده أننا «مهما سألنا ننال منه، لأننا نحفظ وصاياه، ونعمل الأعمال المرضية أمامه» (1يو 3: 22).
ونحن في جهادنا وتوبتنا نلتمس نعمته ونصرته كقادر على كل شيء. وكسابق لنا في طريق الآلام، يستطيع أن يُعيننا في تجاربنا وأن يرثي لضعفاتنا. وعلمه السابق بما يأتي علينا، لا يعني أنه يُجرِّبنا بالآلام، وإن سمح بها، ولا ينفي أنه يستجيب لنا بحسب مشيئته إنْ جعلنا غايتنا ملكوت الله وبره، واثقين أن مَن مات لأجلنا هو رجاؤنا الذي لا يشاء إلاَّ قداستنا وحياتنا.
الله اختارنا في المسيح يسوع قبل أن نوجد، ونحن كمؤمنين ”مدعوُّون ومختارون“ و”معيَّنون للحياة الأبدية“. وفي اليوم الأخير سيأتي الرب ليجمعنا مع مختاريه من أقصاء الأرض إلى أقصائها.
ويبقى أن نتبع كلمات القديس بطرس التي تُطالبنا أن نجعل دعوتنا واختيارنا ثابتَيْن (2بط 1: 10)، أي أن نتيقَّن من مصيرنا الأبدي واثقين من وعد الرب أن خرافه «لن تهلك إلى الأبد»، ولا يخطفها أحد من يده أو من يد أبيه (يو 10: 29،28)، ومُمسكين بالحياة الأبدية التي إليها دُعينا (1تي 6: 12)، ساهرين صاحين (1تس 5: 6)، مُتمِّمين خلاصنا بخوف ورعدة (في 2: 12)، ملتحفين «بنعمة الله المُخلِّصة لجميع الناس» (تي 2: 11) لتحفظ وديعتنا إلى اليوم الأخير (2تي 1: 12). +
دكتور جميل نجيب سليمان
**** سر الشكر عربون القيامة ***************************************************
[إن كانت الكأس الممزوجة والخبزة المصنوعة بعد أن يتقبَّلا كلمة الله يصيران إفخارستيا (سر الشكر)، أعني دم وجسد المسيح، وبهما يتقوَّى ويتشدَّد قوام جسدنا؛ فكيف يمكن للخارجين عن أصول الإيمان أن يَدَّعوا أن جسدنا غير مؤهَّل لنعمة الخلود في الحياة الأبدية مع الله، في حين أنه يقتات من دم وجسد المسيح، بل وصار عضواً من أعضائه، كما يقول الرسول المغبوط (بولس) في رسالته إلى أهل أفسس: «لأننا أعضاء جسمه، من لحمه ومن عظامه» (أف 5: 30)؟
وأنا لا أفهم من هذا أنه يعني به أبداً الإنسان الروحي... «لأن الروح ليس له لحم وعظام» (لو 24: 39)؛ وإنما هو يتكلَّم عن أعضاء بشرية حقيقية مُكوَّنة من لحم وأعصاب وعظام. وهذه الأعضاء نفسها هي التي تقتات من الكأس الذي هو دم المسيح، وتتقوَّى بالخبز الذي هو جسده.
وكما أن عود الكرمة بعد أن يُخبَّأ في الأرض فترةً ما يأتي بالثمار في حينها، وكما أن حبة الحنطة بعد أن تقع في الأرض (يو 12: 24) وتفقد شكلها الخارجي تأتي ثانية إلى الحياة ومعها حبَّات كثيرة، بواسطة روح الله الذي هو قوام الحياة للخليقة كلها، ثم بعد ذلك بفضل مهارة الإنسان تُعَدُّ لتكون خبزاً نافعاً للبشر...؛ كذلك بالمثل أجسادنا التي تقتات بالإفخارستيا، فبعد أن تُخفَى في الأرض وتتحلَّل، ستقوم ثانية في الوقت المُعيَّن عندما يُنعم عليها كلمة الله بالقيامة: «لمجد الله الآب» (في 2: 11)، لأنه سيمنح المائت عدم الموت والفاسد عدم فساد (1كو 15: 53)، لأن قوة الله تظهر في الضعف (2كو 12: 9).
ولكن مع هذا علينا أن نحذر من أن نظن أننا نمتلك الحياة من ذواتنا وننتفخ ونرتفع ضد الله بتقبُّلنا أفكار الجحود هذه، بل إذ نعرف بالخبرة أننا بالقدرة الإلهية - وليس من طبيعتنا الذاتية - نحن نحوز القدرة على البقاء إلى الأبد؛ لا ننحرف عن الاعتقاد الحقيقي عن الله، ولا نجهل حقيقة طبيعتنا، بل نعرف تماماً ما هي قدرة الله؟ وما هي النعمة التي يتقبَّلها الإنسان منه...]؟
****************************************** (القديس إيرينيئوس - من كتابه: ”ضد الهرطقات“)
(1) حتى وإن كانت حريته هذه غير مُطلقة (فهي محكومة بالمكان والزمان والهوية والقانون والمجتمع وغيرها من الظروف)، ولكنها تُتيح له حق الاختيار بين بدائل كثيرة، وأهمها الاختيار بين الحياة والموت. والله لا يتدخل في النشاط الإنساني العقلي والعملي لتطوير الحياة والاختراع وابتكار العلاج والدواء والتنقيب عن أسرار الطبيعة وتسخيرها لرفاهية البشر، والسعي للوصول إلى الكواكب والتنقُّل بينها، والتنبُّؤ عمَّا يُهدِّد الحياة من كوارث الطبيعة قبل حدوثها. فهذه كلها قدرات وهبها الله للإنسان ليعمل ويحفظ الأرض التي يعيش عليها (تك 2: 15).