من مخطوطات الدير


تفسير سفر الرؤيا (الأبوغالمسيس)
للأنبا بولس البوشي أسقف مصر
(أي القاهرة القديمة)

- 4 -

الأصحاح الثالث
+ من الرؤيا(1): «قال اكتُب إلى ملاك كنيسة فيلادلفيا، هكذا يقول القدوس البار الذي معه مفاتيح آل داود، الذي إذا فتح لا يقدر أحدٌ أن يُغلق، وإذا أغلقَ لا يقدر أحدٌ أن يفتح. إني عارفٌ بأعمالك وإيمانك، وهوذا قد جعلتُ أمامك باباً مفتوحاً لا يقدر أحدٌ أن يغلقه، وقوَّتك صغيرة، لأنك حفظت قولي ولم تنكر اسمي. وهوذا قد سلَّمتُ إليك محفلَ الشيطان الذين يقولون إنهم يهود وهم كَذَبَة. فأنا أَدَعهم يأتون ويسجدون أمامك ويخرون تحت قدميك. ويعلمون كلهم أنني أحببتُك. لأنك حفظتَ كلامي وصبري، ولهذا أنا أيضاً أحفظُك من التجارب التي تأتي على كافة المسكونة، ويُجرَّب كلُّ مَن على الأرض. وأنا آتي سريعاً، فاحفظ الذي معك لئلا ينزع أحدٌ إكليلك. والذي يغلبُ أنا أُعطيه عموداً في هيكل إلهي، ولا يُلقى خارجاً. وأكتبُ عليه اسمَ إلهي واسمَ مدينة إلهي، أورشليم الجديدة الآتية من السماء من الله، واسمي الجديد. مَن له أُذنان سامعتان فليسمع ما يقوله الروح للكنائس» (رؤ 3: 7-13).

+ التفسير: «أَرْسِل إلى رئيس كنيسة فيلادلفيا» التي تفسيرها محبة الإخوة، قائلاً: «هكذا يقولُ القدوسُ البار»، أعني أنه القدوسُ وبه يتقدَّس الكافة، والبار الذي بلا عيب، له السلطان أن يُبرِّر ويشجب (أي يدين).

وقوله: «الذي معه مفاتيح آل داود» وبيت يعقوب كالمكتوب (إش 22: 22)، ولهذا «إذا فتح لا يستطيع أحدٌ أن يغلق»، أعني قوة سلطان ألوهيته، إذا برَّر لا يقدر أحدٌ على الإشجاب (الدينونة)، وإذا ألقى في الحُكْم لا يقدر أحدٌ أن يخلِّص من يده، ومع هذا فهو عالمٌ بما تقدَّم وما تأخَّر.

وقوله: «جعلتُ قدامك باباً مفتوحاً لا يقدر أحدٌ أن يغلقه»، أعني بابَ التوبة، الذي جعله مفتوحاً قدامنا، لا يقدر أحدٌ على إبطالها. وقوله: «قوَّتك صغيرة»، عَنِيَ ضعف البشرية. ثم إنه مَدَحَه لحِفْظ قوله وجهاده على اسمه.

وقال: «لذلك هوذا قد سلَّمتُ إليك محفل الشيطان، القائلين إنهم يهودٌ»، (أي) حافظين السُّنَّة (أي الناموس)، «وهم بالضدِّ من ذلك»، لأنهم لم يقبلوا تجسُّد المسيح الرب. وقوله: «إنه يَدَعهم يسجدون له»، أظهر أن بهاء النصرانية (أي الكرازة بالمسيحية) يزداد في تلك النواحي ويعظم سلطانهم، حتي يصير أعداءُ الحق خاضعين تحت نيرهم لحفظهم أوامر رسله.

ثم زادهم مديحاً قائلاً: «ولأنك حفظت كلامي وصبري، فلهذا أنا أحفظُك من التجارب الآتية على جميع مَن على الأرض»، بيَّن بهذا أعظمَ رجاء: إن الذين يحفظون وصيةَ الله هو يحفظهم من المِحَن، ويجعل لهم حظاً في ملكوته.

وقوله: «أنا آتي سريعاً»، (يُشير إلى) قِلة بقائنا على الأرض وأنه يفتقدنا بالوفاة، الصالح والطالح، فَمَن حَفِظَ الوزنةَ التي معه وتاجر فيها وربح خَلُص، ومَن تهاون نُزِعَت منه الكرامة المؤبدة.

وقوله: «الذي يغلب يُعطَى عموداً أبيضَ»، لم يَعْنِ عمودَ حجر، بل مجداً قائماً ثابتاً إلى الأبد في مدينة أورشليم المستعدة، التي هي الملكوت المستأنفة (الآتية الأبدية). وقوله: «(مدينة) إلهي»، لأجل التجسُّد. «و(اسمي) الجديد»، يعني (أنَّ) الأشياء العتيقة (قد) زالت، وكل شيء تجدَّد بالمسيح له المجد.

+ من الرؤيا: «قال اكتُبْ لملاك كنيسة اللادقية: هكذا يقول الأمين الشاهد الحق، رئيس خلائق الله. إني عارفٌ بأعمالك، وأنك غير بارد ولا حار بل فاتر، وإلا كنتُ أزيل ذِكركَ، لأنك تقول إني غنيٌّ وليس أنا محتاجاً لشيء. ولا تعلم أنك ضعيفٌ شقيٌّ فقيرٌ عَارٍ أعمى عريان. وأنا أشيرُ عليك أن تشتري مني ذهباً مسبوكاً لتستغني به، وثياباً بِيضاً تلبسها لئلا يظهر سُوء عورتك، وذروراً(2) تُكحِّل به عينيك لكي تبصر. فإني أنا أُبكِّتُ وأُؤدِّب الذين أنا أحبهم. فَغِرْ الآن وتُبْ، لأني هوذا أنا واقفٌ على الباب وأقرعُ. فالذي يسمعُ ويفتحُ لي الباب أدخل معه إلى الوليمة، وهو أيضاً معي على كرسيّ، كما غلبتُ وجلستُ مع الآب على كرسيه. مَن له أُذنان سامعتان فليسمع ما يقوله الروح للكنائس» (رؤ 3: 14-22).

+ التفسير: «أَوْعِز إلى رئيس كنيسة اللادقية قائلاً: هكذا يقول الشاهد الأمين الحق»، وهذه اللفظة مختصة بالثالوث القدوس، لأن الآب يُسمَّى الحق كما كُتب: «ليعرفوك أنـك أنت الإلـه الحق وحدك» (يو 17: 3)، وعن ذاته قال (المسيح): «أنا القيامة والحق والحياة» (يو 11: 25؛ 14: 6)، وعن الروح القدس قال: «روح الحق الذي من الآب ينبثق» (يو 15: 26). ولهذا أثبت المعنى ها هنا أيضاً.

وقوله: «رئيس خلائق الله» لأجل التجسُّد، كما يقول الرسول بولس: «ليكون الابنُ بِكْراً لإخوة كثيرين» (رو 8: 29). فانظرْ الابنَ الوحيد كيف صار بِكراً لإخوة كثيرين، لأن الوحيد ليس له مَن يُشْبهه، والبِكْر يدلُّ على إخوةٍ. فهو وحيدٌ بالحقيقة مساوٍ للآب في الجوهر، وقد صار بِكرَ ورئيسَ ومُتقدِّمَ كلِّ الخيِّرات (أي المخلوقات الخيِّرة) بالتجسُّد، وهو باقٍ وحيدَ الآب، إذ له شرف اللاهوتية لم يَزَل.

فلهذا قال: «إني عارفٌ بأعمالك»، أعني أنه عالمٌ بكل أعمال البشر، وقوله: «غير بارد ولا حار»، عَنِيَ (أنه) ليس فيه برودة الأمم ولا قوة حرارة الإيمان بحُسن الأعمال. وعرَّفه (أنه) لولا (أنَّ) فيه بقيةَ رجاءٍ، كان يبيد ذِكْرَه من سفر الحياة.

وقوله: «إنك تقول: إني غنيٌّ وليس أنا محتاجاً لشيء»، عَنِيَ إهماله التعليم والبحث على ما يجب به خلاص النفوس، وفاتر النية لأجل ما يجب وينبغي، لتكون السيرةُ فاضلةً ملائمةً لاسم النصرانية. ثم عرَّفه أنه بالضدِّ من ذلك لكونه قد قنع بما هو فيه من التهاون وظن أنه الكمال. فقال له: «أنت شقيٌّ فقيرٌ أعمى عريان»، وهذه العاهات تختصُّ بالنفس وأنواع فقرها من الله (أي من الفضائل الإلهية).

فقال: «أنا أُشيرُ عليك»، يا لهذا التحنُّن وكيف هو ممزوج بكثرة التنازل والاستعطاف، فقوله: «أنا أُشير عليك»، كمثل صديق يشير على صديقه الخاص به بما ينفع نفسه. وما هي المشورة؟ قال: أن تشتري مني لا من غيري. وبأي شيء تشتري؟ إلا بالاتضاع والطلبة. وما الذي تشتري؟ قال: «ذهباً مسبوكاً»، ومن خصائص الذهب المسبوك أنه لا يوجد فيه شيء من الدَّغل(3) ولا من الخَمَل(4) (أي الشوائب)، بل إبريز نقيٌّ مصفَّى، عَنِيَ بهذا الأعمال الفاضلة النقية من كل رياء ومجدٍ فارغ وطلب مجازاة عالمية، بل من أجل الله خاصة تكون أعماله بأسرها. وهكذا يرث غِنَى ملكوت الله التي لا ينالها فقرٌ.

ثم قال: «وثياباً بِيضاً تلبسها لئلا يظهر سوء عورتك»، عَنِيَ بهذا نقاوة النفس والجسم، بالعفة المتشبِّهة بالله. كما يقول الرسول المنتخب بولس: «أنتم الذين انصبغتم بالمسيح، للمسيح لبستم» (غل 3: 27).

ثم قال: «وذَرُوراً تُكحِّل به عينيك لتبصر»، عَنِيَ النظر الباطن الذي للنفس، إذا قَبِلْت الذرور الذي هو كلام الله، القاطع منها كل غشاوة، التي تسبِّب لها ظلمة المعصية، وتسلك في سبيل غير مستقيمة، وتعثر وتسقط. فالذي يقبل هذه الذرور يُضيء جداً بأعمال الفضيلة، ويُصقل عيني عقله، وقلبه يتنقى، ويكمُل عليه المكتوب: «طوبى للنقية قلوبهم فإنهم يُعاينون الله» (مت 5: 8).

ثم جذب عقولنا كي نقبل كلامه بفرح، ونأخذ تأديبه ببشاشة للمنفعة، فقال: «لأني أُبكِّت الذين أحبهم»، عَنِيَ أن الأب لا يُؤدِّب إلا ابنه الخاص به ليكون مستقيماً ويرث كل ما لأبيه، لئلا يصير غريباً منه. ثم قال: «فَغِرْ الآن وتُبْ»، عَنِيَ غيرةً على البنوَّة الفاضلة ليكون ابنَ الإله وشريكاً في الميراث.

ثم عرَّفنا كثرة اجتهاده وعنايته بنا وأنه يريد لنا الخلاص بالحقيقة أكثر مما نريده نحن لأنفسنا، فقال: «لأني هوذا أنا واقفٌ على الباب وأقرع، فالذي يسمع ويفتح لي أدخل معه إلى الوليمة وهو أيضاً معي». أنظرتَ الآن يا محب الأدب محبَّته لجنسنا، وقوله إني واقفٌ على الباب غير متهاون بأمركم، لأنه أسلم ذاته عن الكافة (الجميع) (رو 4: 25؛ أف 5: 2).

وقَرْعُه الباب، أعني أنه يقرع أسماعنا بالتعليم دائماً، وهو قوله المُحِق ما نطق به على أفواه أنبيائه ورسله بتأييد الروح القدس. فالذي يسمع من الأقوال المُحيية ويفتح باب قلبه يحلُّ الرب المسيح فيه، كما قال: «الذي يحفظ وصيتي، أنا والآب، نأتي وعنده نتخذ المنزل» (يو 14: 23). وقد ذكر في الإنجيل: «طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيدهم وقرع يفتحون له للوقت» وما يتلو ذلك (لو 12: 36). وعَنِيَ بالوليمة الملكوت التي أعدَّها الرب لحافظي وصاياه.

وقوله: «الذي يغلب»، عَنِيَ قَهْرَ الرذيلة بعمل الفضيلة. قال: «أنا أُعطيه أن يجلس معي على كرسيّ»، عَنِيَ أنه يملك معه إلى الأبد. وقال أيضاً كما يقول الرسول: «إنَّا إذا صبرنا معه سنملك معه» (2تي 2: 12)، وقال أيضاً: «ندخل حتى نتجاوز حجاب الباب، موضع سَبَقَ ودخل بدلنا يسوع وصار رئيس كهنة إلى الأبد» (عب 9: 12)، عَنِيَ بهذا التجسُّد.

وكذلك قال الرب له المجد: «كما غلبتُ وجلستُ مع الآب على كرسيه»، هذه اللفظة قيلت على التجسُّد الذي به غلب الشيطانَ وداس الموتَ وسَبَى الجحيمَ وفتح الفردوسَ، وهيَّأ لنا طريقاً إلى الملكوت، وأعطى لنا سبيلاً أن نغلب بمعونته، ثم أصعد الجسد الذي كان ساقطاً تحت الهاوية إلى العُلا، سما السموات، فوق الملائكة والرؤساء والقوات، وأخضع تحت قدميه كل شيء (أف 1: 21-22)، له المجد دائماً.

(يتبع)


(1) لا يَرِد في المخطوطة تفسير (رؤ 3: 1-6)، وواضحٌ أنها قد سقطت من الناسخ.
(2) الذرور هو ما يُذرُّ في العين وعلى الجرح من دواء يابس (المعجم الوسيط)، ويُقصَد به هنا الكُحل.
(3) الدَّغل: هو عيبٌ في الأمر يُفسده (المعجم الوسيط).
(4) خَمَلَ الرجل: خَفِيَ ولم يُعرف (المعجم الوسيط). والمقصود هنا الأشياء الخفية في الذهب أي الشوائب.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis