تأملات كتابية


إليك يا الله عطشت نفسي

+ «كما يشتاق الإيَّل إلى جداول المياه، هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله. عطشت نفسي إلى الله، إلى الإله الحي» (مز 42: 2،1).
[ هذا المقال يُكمِّل ما جاء في مقالنا المنشور في العدد السابق (أبريل 2008 - ص 21) الخاص بفكر آباء الرهبنة بخصوص التطويب: «طوبى للجياع والعطاش إلى البر». ففضَّلنا أن ننشره في هذا العدد].

كلمة ”عطش“ في الكتاب المقدس تحمل معنىً مجازياً رمزياً، فهي ترجمة للكلمة العبرية sama (ظمأ). والكلمة اليونانية d…yoj تعني ”عطشاً شديداً“. والعطش يُشير إلى جفاف الفم والحنجرة الناتج عن نقص السوائل من الجسم الذي يؤدِّي إلى الرغبة في الشُّرب. وقد استعملت معظم اللغات كلمة ”عطش“ لتدل على رغبة قوية في أي شيء مثل العطش إلى المعرفة أو إلى الثروة، إلى غير ذلك.

ونحن جميعاً نعرف معنى العطش عندما نبذل مجهوداً شديداً، وكذلك في الصيف عندما يتصبَّب الجسد عرقاً، وفي الصحراء عندما يُهدِّد العطش المرء بالموت كما حدث مع ”هاجر“ وابنها إسماعيل في ”بئر سبع“ (تك 21: 14). والعطش في الكتاب المقدس له أهمية واضحة، وأيضاً كلمة drought أي ”جفاف“، تشير إلى قلة الماء الذي يحتاج إليه الزرع في الأرض المُجدبة. كما أنها تُستعمل بمفهوم الجفاف أو العُقم الروحي. وكان إمداد الأماكن الصحراوية أو الحارة بالماء، في أزمنة الكتاب المقدس، يُعتبر مشكلة طويلة الأمد؛ بل إن العطش والجفاف كثيراً ما يُهدِّد حياة الإنسان.

العطش بمعنى الاشتياق إلى الله:

يقول مزمور 42 وعنوانه ”لإمام المغنين - قصيدة لبني قورح“: «كما يشتاق الإيَّل إلى جداول المياه، هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله. عطشت نفسي إلى الله، إلى الإله الحي. متى أجيء وأتراءى قدَّام الله» (مز 42: 2،1). فالمرتل - وهو ”إمام المغنين“ في الهيكل أمام سليمان الحكيم - كان منفياً عند الأردن، في أقصى شمال فلسطين، وكان يتذكَّر ويتطلَّع إلى الخبرات السابقة في هيكل أورشليم الذي كان هو مكان حضرة الله بالنسبة لشعب إسرائيل، وبالتالي هو مكان العبادة والرفقة مع الرب ومع شعب الله. وهو يُشبِّه نفسه بالإيَّل (ذَكَر الغزال) الذي ربما بسبب أن الصيَّادين يُطاردونه في القفر، يكون مرهقاً من الركض، فيبحث بشغف عن أي جدول ماء على تلال فلسطين القاحلة. وهكذا فإن المرتل يتطلَّع إلى صُحبة الله وشعبه في الهيكل، لأن ذلك وحده هو الذي يُطفئ عطش روحه، ولذلك يقول: «عطشت نفسي إلى الله، إلى الإله الحي».

وإذ يشعر المرتل بعدم جدوى أي شيء غير الله لإشباع تطلُّعه وإرواء عطشه، يقول: «صارت لي دموعي خبزاً نهاراً وليلاً، إذ قيل لي كل يوم: أين إلهك؟ هذه أذكرها فأسكب نفسي عليَّ». وإذ يتذكَّر العبادة في الهيكل، يقول: «كنتُ أَمُرُّ مع الجُمَّاع أتدرج معهم إلى بيت الله بصوت ترنُّمٍ وحمدٍ، جمهورٌ مُعيِّدٌ»، ثم يترجَّى وجه الله ويقول: «لماذا أنتِ منحنيةٌ يا نفسي؟ ولماذا تئنِّين فيَّ؟ ارتجي الله، لأني بعدُ أحمده لأجل خلاص وجهه» (مز 42: 3-5).

فإذا طبَّقنا هذا الكلام على حياتنا، فإلى أية درجة بلغت هذه الحقيقة فينا؟ حقيقة عقم الحياة وعجز أي أشياء أخرى عن أن تروي ظمأنا وتُعطي لنفوسنا اكتفاءً حقيقياً، حتى أنها أثَّرت حقاً فينا لدرجة أنها بدأت تُغيِّر من قيمنا وأولوياتنا ومساعينا، ولكن عندما تنفتح أعين قلوبنا نرى الينبوع الذي زوَّدنا به الله فنملأ زِقَّنا بماء حياته!

ومزمور آخر عنوانه: ”مزمورٌ لداود لمَّا كان في برية يهوذا“ يبدأ هكذا: «يا الله إلهي أنت. إليك أُبكِّر. عطشت إليك نفسي. يشتاق إليك جسدي في أرض ناشفة ويابسة بلا ماء» (مز 63: 1). نجد هنا حواراً يُشبه ما جاء في مزمور 42، حيث إن داود النبي شعر بابتعاده عن مكان تابوت العهد، لأن الهيكل لم يكن قد بُنِيَ بعد. ولكن مبدأ المزمورين واحد، لأن داود النبي كان منفياً في البرية في أرض يابسة وقد رأى أنها صورة للحرمان من الالتصاق بالله والأُلفة معه، فبدون الله لا يوجد ماء حياة ليُطفئ احتياج المرء الجوهري.

والمزمور 107 يقول: «ليقل مفديو الرب الذين فداهم من يد العدو ومن البلدان جمعهم... تاهوا في البرية في قفر بلا طريق، لم يجدوا مدينة سَكَنٍ، جياع، عطاش أيضاً، أعيت أنفسهم فيهم. فصرخوا إلى الرب في ضيقهم فأنقذهم من شدائدهم وهداهم طريقاً مستقيماً ليذهبوا إلى مدينة سكن. فليحمدوا الرب... لأنه أشبع نفساً مشتهيةً وملأ نفساً جائعةً خبزاً» (مز 107: 1-9). فهو يصف تيه شعب إسرائيل في البرية في أرضٍ ناشفة، ولكنه أيضاً يذكر أمانة الله الذي هداهم إلى مدينة سكن، مكان مُبارك، بالطعام والماء. ثم يختم المزمور بتقرير يُعتبر مبدأً ووعداً يمتدُّ ليشمل الحياة الروحية أيضاً. فإنَّ الله وحده هو الذي يروي النفس العطشانة، وهو الذي يستجيب لرغبات حياتنا الجوهرية، فهو ينبوع شبعنا واكتفائنا.

وعد الله بأن يروينا بروحه القدوس:

يقول الرب على لسان إشعياء النبي: «لا تخف... لأني أسكب ماءً على العطشان وسيولاً على اليابسة. أسكب روحي على نسلك، وبركتي على ذريتك، فينبتون (كما) بين العشب مثل الصفصاف على مجاري المياه» (إش 44: 2-4). هذه الفقرة تدخل ضمن التطلُّعات إلى بركات المسيَّا. ففي الواقع إن القسم الثاني من سفر إشعياء، وهو الأصحاحات 40-66، يتكلَّم عن تجديد العلاقة بين الله وشعبه، وعن مجيء المسيَّا، وعن بركات الدهر الآتي. وهكذا تتنبَّأ تلك الآية عن سَكْب روح الله على شعبه لكي يُطفئ ظمأهم الروحي، أي احتياجهم الغريزي إلى الله!

كما أن الرب يدعونا على لسان إشعياء النبي قائلاً: «أيها العطاش جميعاً، هلموا إلى المياه؛ والذي ليس له فضة، تعالوا اشتروا وكلوا، هلموا اشتروا بلا فضة وبلا ثمن، خمراً ولبناً... استمعوا لي استماعاً، وكلوا الطيِّب، ولتتلذَّذ بالدسم أنفسكم... لأنه كما ينزل المطر والثلج من السماء ولا يرجعان إلى هناك، بل يرويان الأرض ويجعلانها تلد وتنبت وتُعطي زرعاً للزارع وخبزاً للآكل؛ هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي، لا ترجع إليَّ فارغة بل تعمل ما سُررتُ به وتنجح فيما أرسلتُها له» (إش 55: 1-11). إنها دعوة تُشكِّل الاحتياج الحقيقي للإنسان وعدم جدوى حياته بدون الله، كما أنها تُعلن عن عجز الأشياء التي يعتمد عليها البشر للادِّخار وسدِّ احتياجات الحياة، وذلك مثل المال والوظائف والممتلكات والمسرات. ولكن الرب يذكر بحزن ما يفعله شعبه بقوله على لسان إرميا النبي: «ابهتي أيتها السموات من هذا، واقشعرِّي وتحيري جداً، يقول الرب، لأن شعبي عمل شرَّين: تركوني أنا ينبوع المياه الحيَّة؛ لينقروا لأنفسهم آباراً، آباراً مشقَّقة لا تضبط ماءً» (إر 2: 13،12).

مَن يشرب من ماء العالم يعطش أيضاً، ولكن الرب يُطمئنا بواسطة السامرية بأنَّ الماء الذي يُعطيه هو يمنع العطش إلى الأبد، فيقول لها: «كل مَن يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً، ولكن مَن يشرب من الماء الذي أُعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد، بل الماء الذي أُعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياةٍ أبدية» (يو 4: 14،13). وهو نفس المعنى الذي قاله عن الروح القدس: «إن عطش أحدٌ فليُقبِل إليَّ ويشرب. مَن آمن بي، كما قال الكتاب، تجري من بطنه أنهار ماء حي. قال هذا عن الروح القدس الذي كان المؤمنون به مزمعون أن يقبلوه، لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطِيَ بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجِّد بعد» (يو 7: 37-39).

فالرب يسوع قد ضَمِنَ لكل مَن يُقبِل إليه بشعور العطش الروحي، أن يرويه من الماء الحي، بل أن تجري من بطنه أنهار ماء حي، وقد قال ذلك عن الروح القدس. فالروح القدس هنا يُعتبر أنه هو الماء الوحيد الذي يُطفئ الظمأ المغروس عميقاً في داخل قلب الإنسان.

يُلاحَظ هنا أن الشعب اليهودي كان يحتفل بسبعة أيام عيد المظال. وفي كل يوم من أيامه السبعة كان رئيس الكهنة يذهب باحتفال خاص إلى بركة سلوام ويملأ جرَّة من الذهب ماءً ويصبها على مذبح النحاس وقت ذبيحة الصباح. وأثناء ذلك كانوا يتلون تسبحة إشعياء النبي مع المزامير. وفي اليوم الثامن تتوقف هذه العملية حيث يُمنع العمل فيه. وقد وجد الرب أن هذه هي أفضل مناسبة، فنادى فيها من على مكانٍ عالٍ: «إن عطش أحدٌ فليُقبل إليَّ ويشرب». إن طقس حَمْل الماء وسكبَه على المذبح كان يُذكِّرهم بخروج الماء من الصخرة في البرية التي شرب منها الشعب. وقد رأى بولس الرسول أن هذه الصخرة التي كانت تتبعهم هي المسيح: «جميعهم شربوا شراباً واحداً روحياً، لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم، والصخرة كانت المسيح» (1كو 10: 4). وقد أدرك ذلك بالروح من موقف الرب في هذا اليوم الثامن من العيد(1)!

وها نحن نتلقَّى وعد الله في هذه الآية: «طوبى للجياع والعطاش إلى البرِّ، لأنهم يُشبَعون» (مت 5: 6). والكتاب المقدس يقصد من اتِّباع البرِّ أن نتبع الله ونعرفه بواسطة المسيح كمخلِّص ورفيق ورب نعيش معه في أُلفة ومودَّة وحُب أبدي.

لقد خُلِقَ الإنسان لأجل الله، ويوجد في داخل كياننا فراغٌ لا يمكن لأحد أن يملأه سواه. إن جميع الطرق الأخرى للفرح والسلام تمثِّل خططاً للحياة، تتجنَّب الاعتماد على الرب وحده. فهذه هي وسائلنا نحن لمحاولة التحكُّم، إلى حدٍّ ما، في حياتنا، مقاومين تحويل اتجاهها نحو الله لنستريح في ظل عنايته. لماذا؟ لأننا لا نريد أن نفقد ما نظن أننا نحتاج إليه لأجل سعادتنا.

يا أحبائي، إنه يلزمنا أن نُقيِّم وندرك منبع وطبيعة خططنا التي بها نطلب أن نوجِّه حياتنا إلى السعادة والأمان. فإن طبيعتنا تمثِّل تمركُزنا حول ذواتنا وانغماسنا في شهواتنا التي بها نطلب أن نجد السعادة والاكتفاء الذاتي (بعيداً عن الله)! وهذا ينبع من الرغبة في الحياة والتصرُّف بمنأى عن الله! وكما جاء في الكتاب المقدس، فإنَّ اتِّباع شهوات الجسد هو عداوة لله (رو 8: 7؛ يع 4: 4).

ومكتوبٌ عن الذين أتوا من الضيقة العظيمة أنهم «لن يجوعوا بعد، ولن يعطشوا بعد، ولا تقع عليهم الشمس، ولا شيء من الحَرِّ؛ لأن الخروف الذي وسط العرش يرعاهم ويقتادهم إلى ينابيع ماء حية، ويمسح الله كل دمعة من عيونهم» (رؤ 7: 17،16). وهذا يُشير إلى حالة من الكمال والاكتفاء الروحي في السماء في حضرة الرب. وإذا ربطنا بين ذلك وبين مائدة الرب، أي الإفخارستيا، فالتناول من الجسد والدم الإلهيَّيْن يُعتبر طعاماً وشراباً لإشباع الجوع الروحي وإرواء العطش الروحي إلى الرب يسوع بسُكناه في كياننا كله!

ونختم مقالنا بقصة شاب ذهب إلى شيخ حكيم وسأله: ”كيف يمكنني أن أجد الله“؟ فأخذه الشيخ إلى نهرٍ مجاور حيث خاضا في الماء العميق حتى وصل الماء إلى ذقنيهما. ثم أمسك الشيخُ الشابَ من رقبته ودفعه تحت الماء حتى كاد يغرق. وبعد ذلك خرج كلاهما من النهر، وكان الشاب ما يزال يُخرج الماء المتجمِّع في رئتيه من فمه ويُحاول جاهداً أن يتنفس الهواء. ثم سأل الشابُ الشيخَ بغيظ: ”ما علاقة ذلك بكوني أريد أن أجد الله“؟ فأجابه الشيخ بهدوء: ”بينما كنتَ أنت تحت الماء، ما الذي كنتَ تحتاجه أكثر من أيِّ شيء آخر“؟ فتفكَّر الشاب قليلاً ثم قال: ”احتجتُ إلى الهواء أكثر من أيِّ شيء“! فقال الشيخ: ”عندما تحتاج إلى الله بقدر ما احتجتَ إلى الهواء، فحينئذ ستجده“! +


(1) انظر كتاب: ”شرح إنجيل يوحنا“، الجزء الأول، للأب متى المسكين، ص 497.

This site is issued by the Monastery of St Macarius the Great at Scetis